شروط الفسخ الجزئي للعقد للبيع الدولي (قابلية العقد للتجزئة)

الدكتور : محمد طه الهدلوش

تعد اتفاقية للبيع الدولي للبضائع في مقدمة التشريعات الدولية التي تصدت لتنظيم مسألة الفسخ الجزئي للعقد ، فقد تناولتها في موضعين احدهما في العقد فوري التنفيذ والاخر في العقد الذي يتم فيه التسليم على دفعات ، كما انها افردت لها شروطا تجعل منها وسيلة مثلى في ادامة الروابط العقدية ، ولعل في مقدمة تلك الشروط هو امكانية فصل الجزء الذي حدث الاخلال بشأنه كما وان هذا الاخلال لابد ان يبلغ قدراً من الاهمية او كما تسميه الاتفاقية بالمخالفة الجوهرية ، بالإضافة إلى ذلك ضرورة اصرار الطرف المخالف على موقفه حتى يقضى بالفسخ ، وهذا ما سنتولى بيانه وعلى النحو التالي.

قابلية العقد للتجزئة لعل اولى الاليات المتاحة للقضاء بالفسخ الجزئي للعقد بصورة عامة وفي اتفاقية فيينا على وجه الخصوص هو قابلية العقد للتجزئة ، وذلك رغبةً منها في تطويق الضرر ما امكن ذلك وحصره في اضيق الحدود ، وهذا لا يتم إلا اذا كان العقد قابلاً للتجزئة ، ولما كانت اتفاقية فيينا قد تعرضت لهذا الأمر في موضعين ، لذا لابد من تحديد مدى امكانية تطبيق هذا الشرط في هذين الموضعين ، ففي الموضع الاول والذي يتعلق بالعقد فوري التنفيذ فلكي يتمكن القضاء من فسخ هذا النوع من العقود فسخاً جزئياً لابد وان يكون قابلاً للانقسام ، اي ان على المشتري ان يتعامل مع هذا الجزء وكأنه عقد مستقل فيعلن الفسخ بالنسبة اليه وحده ، اي يعلن امتناعه عن تنفيذ التزامه بدفع الثمن لهذا الجزء فقط كما وله ان يسترده اذا كان قد دفعه .

هذا و قابلية العقد للانقسام اما ان تكون من الناحية الكمية او النوعية ، فقد يقبل العقد الانقسام من الناحية النوعية كما لو كان العقد وارداً على انواع من الفواكه سلم المدين جميع الانواع عدا نوع واحد سلم جزءاً منه أو كان جزء منه غير مطابق لشروط العقد ، فيكون للمشتري في تلك الحالة ان يطالب بفسخ العقد بالنسبة لذلك الجزء دون غيره ولكن لابد ان ينحصر أثر تلك المخالفة في ذلك الجزء من العقد دون ان تتعداه إلى غيره من الاجزاء فإذا ما امتد أثر ذلك الاخلال إلى الاجزاء الاخرى من العقد فلا مجال للقول بالفسخ الجزئي للعقد وإنما يصبح الفسخ الكلي هو الحل الذي لابد منه
اما فيما يخص قابلية العقد للانقسام من الناحية الكمية فتتحقق عندما يرد العقد على مجموعة من الاشياء يخل المدين بتسليم جزء منها او يكون جزء منها معيب كما لو كان العقد يتضمن تسليم مائة جهاز حاسب آلي اخل المدين بتسليم خمسةٍ منها او كانت خمسةً منها فيها عيب ما ، ففي تلك الحالة ليس للدائن سوى ان يطالب بفسخ الاجزاء التي وقع الاخلال بشأنها لا غير بعد التأكد من توفر شروط الفسخ.

اما في ما يتعلق بالموضع الاخر من مواضع الفسخ الجزئي فهو مع عقد البيع الدولي على دفعات ، والذي يعد من أشهر انواع البيوع الدولية التي تخضع لاتفاقية فيينا للبيع الدولي للبضائع ، لما له من خصائص تخدم توجه التجارة الدولية ، فهي تقوم في الواقع على بيوع تتصف بمستوى عالٍ من الضخامة مما يصعب معها تسليم البضائع على دفعة واحدة ، كما ان احتياج المشتري لتلك البضاعة قد يتوزع على فترات مختلفة من العام في الوقت الذي لا يجد في نفسه القدرة على ان يهيئ من الاماكن ما يكفي لخزن تلك البضائع ، كما ان تنفيذها قد يستغرق وقتاً طويلاً من الزمن ، لذا فلابد من اعتماد حل يخدم تلك المصالح ولعل في عقد البيع على دفعات ما يحقق ذلك.
لذا فقد رتبت اتفاقية فيينا حكماً يقضي بضرورة تجزئة الفسخ لهذا النوع من البيع وحصره في الدفعة التي حدث الاخلال بشأنها لا غير ، فلو تعاقد مشتري مع بائع على ان يورد له ألف طن من القمح من نوع معين في عشر دفعات متتالية ، وعند تنفيذ العقد جاءت الأربع دفعات الاولى مطابقة لما تم الاتفاق عليه في العقد بينما جاء القمح موضوع الدفعة الخامسة غير صالح للاستهلاك ، فأنه اذا تم تقدير هذه المخالفة بالنظر إلى العقد بأكمله لن تشكل في الغالب مخالفة جوهرية ، إلا أنها بالطبع تعد مخالفة جوهرية بالنسبة للدفعة الخامسة وحدها إذا نظرنا إليها باعتبارها عقداً مستقلاً ، فيستطيع المشتري فسخ العقد بالنسبة لهذه الدفعة وحدها
وفي الختام يمكن القول ان اتفاقية فيينا للبيع الدولي للبضائع قد اتخذت من قابلية العقد للانقسام وسيلة للوصول للفسخ الجزئي للعقد ، اذ لا يمكن القول باي صورة من الصور ان هنالك فسخاً جزئياً للعقد اذا لم يكن هذا العقد قابل للانقسام والتجزئة وهو في الوقت نفسه يخدم توجه تلك الاتفاقية في ان تضع نظاماً من شأنه المحافظة على العلاقات العقدية من الفسخ ويجنبها اثار زوال العقد المدمرة بأي صورة كانت .

قد يعجبك ايضا