محمد سليم المزوري
قد تنزل الدولة الى ميدان التجارة الدولية فترتبط بعقود تحكيمية نتيجة لانتشار التحكيم وسيلة لفض المنازعات وقد تدخل في مشروعات مشتركة مع الشركات الخاصة وحتى مع الافراد اذ كثر دخولها في علاقات مع اشخاص القانون الخاص تكون خاضعة للقانون الخاص في مجال الاستثمارات وغيرها، واذا كانت المنازعات المتعلقة بالتحكيم تتسم بالسهولة احيانا لقيامها على ارادة الافراد بصفة عامة فان المنازعات التي تُحل عن طريق التحكيم والتي تكون الدولة طرفا فيها قد تتميز بالتعقيد وحلها يكون اكثر صعوبة نظرا لان وجود الدولة كطرف في العلاقة يضفي عليها نوعا من الحساسية لما يثيرة ذلك من اعتبارات متعلقة بالسيادة، وبالتالي فان دخول الدولة في عقود مع اشخاص القانون الخاص قد يتبعه تضمين تلك العقود شرط تحكيمي لتسوية ما ينشا عنها من خلافات وهذا ناتج عن تطور العلاقات التجارية الدولية ونقل التكنولوجيا الحديثة وحاجة الدول بعضها الى بعض مع الاستعانة في كثير من الاحيان بالقطاع الخاص، كالشركات العملاقة في مجال الانشاءات والعقود التجارية الدولية الاخرى، ولكن السؤال الذي يثار هل بامكان الدولة ان تتمسك بالحصانة في مواجهة الطرف الاخر المتعاقد معها استنادا الى مبدا السيادة؟ وخصوصا ان الفقه اخذ يميز بين نوعين من الحصانة هما الحصانة القضائية والمتمثلة بالامتناع عن الخضوع لقضاء اخر غير قضائها الوطني، والحصانة ضد التنفيذ على اموالها نتيجة لحكم تحكيمي صادر ضدها، وعليه سنقسم هذا المطلب على فرعين يكون الاول للحصانة القضائية للدولة في مجال التحكيم في حين يكون الثاني للحصانة التنفيذية للدولة في مجال التحكيم.
الحصانة القضائية للدولة في مجال التحكيم التجاري ،ان انتشار التحكيم وسيلة لفض المنازعات لم يقتصر على علاقات الافراد فحسب بل ان الدولة في الوقت الحاضر قد كثر دخولها في علاقات مع اشخاص القانون الخاص، وان سعيها للتخلص من قبولها للتحكيم قد يؤدي بها الى الدفع بالحصانة كدولة ذات سيادة ولا تخضع لقضاء دولة اجنبية وبالمقابل فلا يجوز خضوعها للتحكيم، فمن المبادى المستقرة في القانون الدولي العام وتاسيساً على فكرة السيادة والمساواة بين الدول فان كل دولة تتمتع بالحصانة القضائية في مواجهة قضاء الدول الاجنبية بمعنى انه لا يجوز اخضاع المنازعات التي تكون الدولة او احد الاشخاص المعنوية العامة المنبثقة عنها طرفا فيها لغير قضاء هذه الدولة الامر الذي يعني عدم اختصاص قضاء دولة اجنبية بالنظر في تلك المنازعات سواء كان ذلك القضاء رسمياً ام قضاءً تحكيمياً ينظر في تلك المنازعات.
فالذي يمكن التركيز عليه بهذا الخصوص هو محاولة اقامة التوازن بين امرين هما:
الاول/ ان الحصانة القضائية تتقرر لمصلحة الدولة بناءً على اعتبارات السيادة وفي اغلب الحالات لا يمكن اتخاذ اجراء ضد الدولة كالذي يتخذ ضد الافراد العاديين.
الثاني/ ان العدالة تقتضي حماية الاطراف الداخلين في علاقات مع الدول لان هؤلاء الاطراف لهم الحق في الحماية كما لو كانوا يتعاملون مع اشخاص عاديين.
فمن الضروري اقامة التوازن بين هاذين الاعتبارين وذلك لأن التطبيق المطلق للحصانة قد يبتعد عن العدل في كثير من الحالات وفي ذات الوقت لا يمكن القول باهدار حصانة الدولة.
وان التساؤل الذي يُثار حول مدى امكانية التمسك من جانب الدولة بالحصانة القضائية أمام هيئات التحكيم على الرغم من انها قد ارتضت في اتفاق التحكيم مبدأ فض المنازعات الناشئة او التي يمكن ان تنشأ بينها وبين احد اشخاص القانون الخاص بطريق التحكيم؟
يذهب الرأي الراجح في الفقه الى ان الدولة تعتبر متنازلة ضمنا عن حصانتها القضائية اذا قبلت شرط التحكيم حيث ان اتفاق الدولة على التحكيم يعني تنازلها عن سيادتها بالنسبة للموضوع الذي جرى الاتفاق بشأنة على التحكيم، خاصةً وان المحكم لا يصدر حكمة باسم الدولة وانما هو ينفذ مهمة عهد بها الاطراف اليه أي ان التحكيم هو نظام خاص لا ينتمي الى سلطة اية دولة ومن ثم فهو لا يمثل الاعتداء على سيادة الدولة الطرف في النزاع يضاف الى ذلك ان الدولة تدخل في تلك العلاقات القانونية بارادتها المطلقة وبموجب قانون يسمح لها بذلك وبرضا مسبق منها ومن دون ذلك لا يمكن ارغام الدولة على المثول امام هيئات التحكيم، فضلا عن ذلك فان تمسك الدولة بحصانتها القضائية امام هيئات التحكيم بعد موافقتها عليه يتنافى مع مبدأ حسن النية في تنفيذ الدولة للاتزاماتها وذلك لان قبول الدولة لاتفاق التحكيم يفرض عليها الالتزام بتسوية الالتزامات التي تنشا عن عقودها امام نظام التحكيم وحدة خاصة وان التحكيم يكون موضع اعتبار في قبول الطرف الاجنبي للتعاقد مع الدولة، فلو كانت الدولة قد رفضت منذ البداية الخضوع للتحكيم فربما ذلك يدفع الطرف الاجنبي الى عدم التعاقد معها مسبقا خاصة مع مخاوفه من الخضوع لقضاء الدولة الذي يشك في حيدته ونزاهته.