أ.د. خليل مصطفى عثمان
أستاذ التاريخ العراق الحديث و المعاصر
في الدول التعددية، تكون الشراكة الوطنية خيارًا مصيريًا لا مخرج سواه. أما حين تُختزل تلك الشراكة إلى أوراق ضغط ومساومة سياسية، فإنّ ما يُبنى على ركام التهميش والانكار لا يمكن له أن يصمد طويلاً. هذا هو جوهر المعضلة الكوردية مع بغداد بعد 2003، التي تحوّلت فيها العلاقة من تعاقد دستوري إلى تبادل مصلحي مشروط، سرعان ما تنقضه السلطات في بغداد كلما تبدّلت موازين القوى.
إنّ الكورد الذين دخلوا العملية السياسية كقوة شريكة في التحرير والبناء، بعد 2003،قوبلوا بعد سنوات من التضحيات ، ب“الاحتواء السياسي” و”التقنين المالي” و”الاجتياح الأمني”. وهي سياسات لا تليق إلا بمن يُنظر إليهم كخصوم مؤقتين، لا شركاء دستوريين.
بعد إسقاط نظام البعث، كانت القوى الكوردية من أولى الفصائل التي دفعت باتجاه صياغة عقد وطني جديد. وشارك الكورد بفعالية في تشكيل مجلس الحكم العراقي (2003)، ولعبوا دورًا حاسمًا في إعداد قانون إدارة الدولة الانتقالي ، الذي مهّد للدستور الدائم لاحقًا. وقد أصرّ الوفد الكوردي على تضمين نصوص واضحة تكرّس الفيدرالية، وحقوق الأقاليم، والتمثيل المتوازن في المؤسسات الاتحادية.
وبحسب نص المادة 117 من الدستور العراقي (2005)، فإن “إقليم كوردستان، وسلطاته القائمة، إقليم اتحادي”، وهو ما يعني إقرارًا صريحًا بوضع دستوري لا يمكن المساس به خارج إرادة سكان الإقليم.
كما ضمّن الدستور المادة 140 التي نصّت على تطبيع الأوضاع في كركوك وباقي المناطق المتنازع عليها، ضمن جدول زمني ينتهي عام 2007. غير أنّ الحكومة الاتحادية تقاعست عن تنفيذها، ما خلق أزمة بنيوية ما زالت تلقي بظلالها على العلاقة بين أربيل وبغداد حتى اليوم.
بعد انتخابات 2010، بدأت بغداد تتراجع تدريجيًا عن مفهوم الشراكة المتكافئة، وظهر هذا جليًا في النقاط التالية:
• تهميش سياسي مقصود للكورد في الوزارات السيادية مثل الدفاع، والداخلية، والخارجية، مقابل منحهم مناصب شكلية أو ذات طابع بروتوكولي.
• تراجع التمثيل الكوردي في الدبلوماسية العراقية، حيث شهدت السفارات والبعثات الخارجية استبعاد الكفاءات الكوردية، رغم كونهم مكوّنًا دستورياً.
• تعطيل الحوار المؤسسي مع حكومة الإقليم، واستبداله ببيانات إعلامية وتصعيدات شخصية من مسؤولين في بغداد.
ومن أبرز الامثلة على هذا التهميش هو ما حدث بعد استفتاء استقلال كوردستان في أيلول 2017، إذ لجأت بغداد لا إلى الحوار، بل إلى القوة، مستخدمة الجيش والميليشيات لاستعادة السيطرة على كركوك، رغم أن المدينة من صلب المناطق المتنازع عليها التي كان من المفترض أن تُحسم بآليات دستورية لا عسكرية.
بدات الحكومة الاتحادية باستخدام أخطر أشكال الإقصاء المتمثل في استخدام الموازنة الاتحادية كأداة ضغط سياسي، في خرق صريح للمبدأ الدستوري القائل بأن “الثروات الوطنية ملك للشعب العراقي كافة”. تمثلت هذه المقايضة في:
• وقف حصة الإقليم من الموازنة (17%) بحجة عدم تسليم النفط، في حين أن قانون النفط والغاز الاتحادي لم يُقر حتى اليوم رغم مرور 20عامًا على الدستور.
• منع او تأخير دفع رواتب الموظفين في الإقليم، وهو ما أثر بشكل مباشر على حياة المواطنين العاديين، وخلّف آثارًا اقتصادية واجتماعية خطيرة.
• رفض تمويل البيشمرگة، رغم أن المادة 9 من الدستور تنص بوضوح على أنها جزء من منظومة الدفاع العراقية.
هذا الاستخدام السياسي للمال العام حول العلاقة من شراكة دستورية إلى مساومة اقتصادية، وأدخلها في منطق “إما أن توافق، أو نجوعك”، وهو ما أعاد إنتاج عقلية العقوبة الجماعية في ثوب ديمقراطي.
ومن جانب اخر رغم أن قوات البيشمرگة أثبتت فاعليتها في مواجهة القاعدة ثم داعش، حيث قدمت آلاف الشهداء، وتمكنت من حماية مناطق واسعة من الانهيار، لم تُمنح وضعية مؤسسية عادلة. بل:
•تم إقصاء البيشمرگة من الخطط الاستراتيجية للأمن الوطني.
•لم تُسلَّم أي مخصصات مالية منتظمة رغم وجود اتفاقات موقعة مع وزارة الدفاع.
•تم إخراج البيشمرگة من كركوك والمناطق المختلطة بعد 2017 دون مبرر دستوري، رغم أنهم كانوا خط الدفاع الوحيد قبل انهيار الجيش في حزيران 2014.
عقلية بغداد في التعامل مع إقليم كوردستان تنطلق من منطق فوقي يرى في الكورد “مكوّنًا يجب احتواؤه” لا الاعتراف به. هذا المنطق أخطر ما يهدد البناء الوطني، لأنه يقوم على ثلاث فرضيات خطيرة:
1.أن بغداد هو صاحب القرار الوحيد، فيما البقية عليهم الانصياع أو الصمت.
2.أن الحقوق يمكن تعليقها حسب الظروف، وهو ما يحوّل الدستور إلى أداة انتقائية لا ميثاق جامع.
3.أن الولاء يُكافأ، والخلاف يُعاقب، وهو ما يهدم جوهر التعددية والديمقراطية.
ٰ
إنّ استمرار هذه السياسات لا يُهدد مستقبل الكُورد وحدهم، بل مصير الدولة العراقية بكاملها. إذ لا دولة يمكنها الاستمرار إذا استندت إلى منطق العقوبة والتهميش بدلًا من التفاهم والتعاقد.
ما تحتاجه بغداد ليس انتصارًا على إقليم كوردستان، بل انتصارًا على نفسها، على عقلية الهيمنة والإقصاء، والعودة إلى النصوص التي اتفقت عليها كل المكوّنات حين كان العراق يحاول الوقوف مجددًا.
فالكُورد، وهم شركاء في الدستور، لا يطالبون بامتياز، بل باعتراف. لا يطلبون التبجيل، بل الاحترام. وإذا كانت بغداد لا تزال تظن أن الحقوق يمكن أن تُمنح مقابل الطاعة، فإنها بذلك تنقض آخر ما تبقى من فكرة الدولة الجامعة.
إن ما يربط الكُورد بالعراق ليس الجغرافيا وحدها، بل عقدٌ دستوري ودماءٌ سالت من أجل الوطن. وحين تتحول الشراكة إلى مقايضة، فإن أساس الدولة يتصدع من الداخل. ولا تُبنى الأوطان بسياسة العزل ولا تستقر بالتجاهل، بل تُصان بالعدالة والاعتراف المتبادل. الكُورد لم يكونوا يوماً عبئاً على العراق، بل كانوا اداة توازن لوحدته. وإن لم تُراجع بغداد عقلها السياسي، فإن خسارة الكُورد لن تكون خسارة طرف، بل خسارة فكرة العراق نفسه كدولة موحدة.