آناهيتا حمو. باريس
تلك الفتاة التي تنتظر احداً ما ليغيير لها حياتها، كافكا بعبارته
المقتضبة ودعوته إلى صحوة الضمير،
“الضمير الذي يصمت طويلًا، يصبح شاهد زور.” من أصدق ما عبر عنه الكاتب فرانس كافكا.
وما إن يدق باب والدها، ذلك القادم من أوروبا، أو ربما يرسل لها صورة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، أو من أحد الأقرباء، الأصدقاء، ليتم الزواج. و كي تجد يد الخلاص أفضل من البقاء في بيت أهلها وتفقد إحترامها حسب تلك التربيةالتقليدية إرث التخلف الاجتماعي ،ليس إلا.
حين تطأ أقدامها أرض أوروبا، تحمل المرأة الكُردية معها أحلاماً كبيرة بحياة حرّة وكريمة، بعيداً عن قيود المجتمعات الذكورية التي قيدتها منذ الطفولة. لكنها، في كثير من الأحيان، تصطدم بحقيقة صادمة: لا شيء تغيّر في الاذهان. فقط الجغرافيا.
تغادر الفتاة وطنها هرباً من الزواج القسري، تارة، أو هرباً من عنفٍ أسريّ شرق أوسطي، مزمن، أو من نظرات لا ترحم تعيّرها لأنها لم تتزوج، أو وإن تزوجت، لم تنجب، أو لأنها مطلّقة، أو لأنها ببساطة اختارت أن تعيش كما تريد حسب التربيةالصحيةالسوية ما يملي عليها ضميرها.
فهي المجبرة احياناً، لتحطّ رحالها في بلد أوروبي، من المفترض أن يكون أرض الأماني والتمني والأحلام، يُفترض أنه البلد حامي الحقوق وحاضن الإنسان والديمقراطية، لكن كثيرات يجدن أنفسهن مجدداً في قلب السجن ذاته: سجن الجالية الشرقية، والعائلة، وسجن الزوج، وسجن تلفيقات بإسم”الشرف” الذي لا يزال يُرفع سيفاً على رقابهن.
ليست حالة فردية. بل نموذج صارخ لما تتعرّض له نساء كثيرات، خصوصاً من الجاليات الكردية والعربية والشرقية عامة. تأتي الواحدة منهن إلى أوروبا باسم الزواج، فتُحبس في مطبخ مطعم مايسمى زوجها، تُجبر على العمل بلا أجر، تُهان وتُضرب وتُجرد من أبسط حقوقها، ثم يُقال لها إن هذا هو “النصيب”. والأسوأ أن أي محاولة للتمرّد على هذا الواقع تُقابل بتهديد واضح: الموت باسم الشرف.
بعض الحالات، كما حدث مع سيدات تُهدّد النساء بنفس الحالة، إجمالاً بالقتل إذا فكّرن بالطلاق حلاً ، مرة ثانية.
“امرأة مطلّقة مرتين؟ هذا عار على العائلة”، يُقال لهن. وكأن كرامة الرجل وشرف العشيرة مرهونان بتعقيد وضع المرأة الكُردية، أو بجسد المرأة وخياراتها.
وما يزيد الطين بلّة أن بعض السلطات القضائية أو الإدارية الأوروبية قد تكون غير مطّلعة على الخلفيات الثقافية والإجتماعية التي تقف خلف هذه القضايا. قد يُنظر للمرأة على أنها “مجرد مهاجرة أخرى” أو “زوجة غاضبة”، دون فهم العنف المركب الذي تواجهه: عنف اجتماعي، جسدي، نفسي.
ومع ذلك، هناك أمل. لأنه وللأسف في الدول الأوروبية أيضاً قضاة يؤمنون بحق الإنسان في الأمان، وفيها محامون يصرخون في وجه الجهل والظلم، ويجبرن القضاة على الإصغاء. وفيها قوانين تتيح للمرأة، ولو بعد معركة شرسة، أن تستردّ حياتها.
اليوم بفضل تفّهم هذه الحالات من العنف ،تتمكن المرأة أن تعيش في أمان. بعض الحالات وحصلت المرأة على لجوء سياسي اعتُرف فيه بأن ما تعرّضت له هو شكل
من أشكال الإضطهاد المرأة القاسي، وأن لها الحق في العيش بحرية وكرامة. لكنها ليست الوحيدة التي تستحق ذلك. مئات، وربما آلاف من النساء مثلها، ينتظرنّ أن تُفتح آفاق العدالة أمامهن. ينتظرن أن تُكسر قيود الصمت والخوف والخضوع.
على السلطات الأوروبية، والمؤسسات الحقوقية، أن تدرك أن “العنف ضد المرأة” لا يأخذ دائماً شكل العنف على الجسد. أحيانًا يكون عبارة عن غرفة مغلقة، عن صمت طويل، ولعل صمت مطبق من الكتاب والإعلام ليس إلا مشاركة ومساهمة لحياة كاملة تُعاش خوفًا من القتل باسم العادات.
على المجتمعات المضيفة أن تميّز بين احترام ثقافة الآخر، وبين الصمت عن انتهاك حقوق النساء. فالعادات التي تنتهك حياة النساء وتُخضعهن لسلطة الذكور ليست تراثًا يجب الحفاظ عليه، بل منظومة يجب تفكيكها.
وأخيراً لا بدّ على النساء الكُرديات والعربيات المهاجرات أن يعرفن:
أن حقكن في الحياة والحرية ليس ترفًا تمنحه السلطات، بل حق إنساني أصيل لا يحق لأحد أن يسلبه منكن.
وما زال المشهد خنجراً في ضمير الإنسانية، عرضت في فلم فرنسي، يجسّد العنف ضد المرأة الإيزيدية الكُردية، بقوة المشهد يتراءى أمام المشاهدين، تلك الفتاة الإيزيدية، الكُردية وهي تهز الطفل الذي أنجبته من اختطافها وإغتصابها ضمن حملات على المناطق الكُردية.
.وصمة عار على جبين الإنسانية، “قرية كوجو،وحملة على شنكَال.
” لن يكون لك رأي، حتى يكون لك رغيفك الخاص. وما دون ذلك فهو مجرد صدى لرأي من يُطعمك. ” عبارة
مقتضبة تلخّص ما بدأنا به الكلام ننهيه بمقولة جديرة، ومثيرة للإهتمام للكاتب أنطونيو غرامشي.
ختاماً لابدّ أن نقدم حلولاً أولية لمشكلة الإستقلالية الفكرية والإقتصادية للمرأة والتسلح بالمعرفة والعلوم الإنسانية والتعلم، كي تحمي نفسها، وتجد حلول مناسبة لها، وتتجنب الإتجار بها وسلب قرارها وحريتها،وحقها في الحياة الحرة، لأن تكون هي بشخصيتها.