بقلم: أ.د. خليل مصطفى عثمان
جامعة دهوك
“كان الكورد جزءًا من الجغرافيا، لكنهم لم يكونوا جزءًا من القرار. كانوا حجرًا في خرائط السلطة، لا ركنًا في قلب الدولة.”
هذه ليست مجرد جملة أدبية، بل توصيف دقيق لمسار تاريخي طويل ومتشعب، يبدأ من ولادة العراق الحديث على أيدي البريطانيين(1921)، وينتهي اليوم عند حكومة ما بعد 2003 التي ورثت أدوات المركزية، وإن غيرت خطابها.
لقد كُتب على شعب كوردستان أن يكون في قلب كل تحولات العراق، دون أن يكون طرفًا فيها. وهنا تبدأ الحكاية.
حين نصب البريطانيون الشيخ محمود الحفيد حاكمًا على السليمانية في عام1919، لم تكن حكومة عبد الرحمن النقيب في بغداد قد تشكلت بعد. هذا الترتيب الزمني ليس مجرد تفصيل، بل هو أساس لفهم كيف أن البريطانيين أنفسهم أدركوا خصوصية كوردستان منذ البداية.
كان هناك إدراك مبكر بأن كوردستان لا يمكن تذويبها ببساطة ضمن مشروع العراق المركزي. ولذلك، جاء نظام الانتداب البريطاني (1920)ليمنح هذه المنطقة إدارة خاصة، بل ذهب إلى أبعد من ذلك في معاهدة سيفر، التي أقرّت حق الكورد في الاستقلال، إن اختاروا ذلك في بنود62-63-64.
لكن كل هذه الاعترافات كانت محصورة في عقل بريطاني براغماتي، لا في ضمير سياسي يروم العدالة.
ومن جانب اخر لم تكن ولاية الموصل – والتي تشكّل عمق كوردستان الجنوبية – جزءًا من العراق منذ نشأته. وحتى حين أُلحقت قسرًا بالمملكة العراقية عام 1926، جاء ذلك مشروطًا بسلسلة من الالتزامات الدولية، أهمها الحفاظ على الحقوق القومية والثقافية والإدارية للكورد.
كانت تلك الالتزامات جزءًا من مفاوضات انضمام العراق إلى عصبة الأمم. وكان الدستور العراقي لعام 1925 محاولة “ورقية” لترجمة تلك الالتزامات. لكنه – مثل كل الدساتير العراقية اللاحقة – وُضع في الظل حين تعارضت مواده مع نزعة الهيمنة المركزية.
الواقع أن كل ضمانة للكورد كانت تُسجّل في وقت الأزمة وتُنسى في وقت الاستقرار، وكأنّ الكورد هم بند طارئ، لا مكوّن أصيل.
حين سقط النظام الملكي عام 1958، اعتقد الكورد – كما اعتقد العراقيون عمومًا – أن عهدًا جديدًا قد بدأ. وفعلاً، نصّ دستور 1958 المؤقت على الشراكة القومية بين العرب والكورد في الدولة العراقية، وهي سابقة تاريخية في العالم العربي.
لكن هذه الشراكة ظلت ترفًا أدبيًا في بيانات الثورة، ولم تتحول إلى واقع إداري أو سياسي. بل إن الحكومات المتعاقبة، من عبد الكريم قاسم إلى صدام حسين، اعتمدت سياسة “الحرب في السلم”، أي تقديم بعض التنازلات المرحلية للكورد في فترات الأزمات، ثم الانقلاب عليها حين تستقر الامور.
كانت اتفاقية آذار 1970 علامة فارقة في مسار العلاقات الكوردية – العراقية. لأول مرة، يتم الاعتراف بالحقوق القومية والجغرافية لشعب كوردستان في وثيقة رسمية صادرة من الحكومة العراقية.
لكن الاتفاق سرعان ما واجه التلكؤ، ثم التنصل، ثم الخيانة. فبدل تنفيذ البنود، بدأت بغداد ببناء مدن و حواضرعربية في قلب كوردستان في (كركوك وخانقين)، وبدأت السياسات “الناعمة” لتعريب الأرض والهوية. بل إن الحكومة البعثية لجأت لاحقًا إلى وسائل القمع الجماعي، وصولًا إلى حملة الأنفال عام 1988، وهي أول محاولة ممنهجة لإبادة جماعية في العصر الحديث ضمن حدود دولة عضو في الأمم المتحدة.
بعد تغيير نظام الحكم في العراق عام2003، وُلد الدستور العراقي الجديد (2005)من رحم صراع الطوائف والمكونات. وقد نصّ صراحة على أن العراق دولة اتحادية، وأن إقليم كوردستان يتمتع بصلاحيات دستورية واضحة، مع الاعتراف بالوجود القومي والجغرافي للكورد.
لكن ما حدث لاحقًا، منذ الحكومات المتعاقبة من المالكي إلى السوداني، هو استخدام الدستور كأداة انتقائية. فما يتماشى مع مركزية بغداد يُنفّذ، وما يمنح كوردستان استقلالية يُجمّد أو يُعطّل.
كما جرى استخدام الموازنة كأداة تجويع، واستُخدم القضاء كأداة سياسية، وتحوّلت الملفات المالية إلى أوراق ضغط. كل ذلك في إطار نهج لا يختلف عن سياسات ما قبل 2003، بل ربما يتفوق عليها في استخدام الأدوات الناعمة.
ما تمارسه الحكومة العراقية اليوم بحق إقليم كوردستان ليس سوى نسخة “محدثة” من سياسة الإنكار. فقد عادت سياسة التعريب في المناطق المتنازع عليها، وتم تجميد رواتب الموظفين، وتأخير إرسال المستحقات المالية، ورفض أي مبدأ من مبادئ الشراكة الحقيقية.
حتى الاعتراف الرمزي بالكورد صار محل تفاوض، واللغة الكوردية – وهي لغة رسمية وفق الدستور – صارت غريبة في مؤسسات الدولة الاتحادية،و المشاركة الحقيقية الكوردية في المؤسسات الرسمية باتت شكلية.
إن فشل الدولة العراقية في احتواء الكورد سياسيًا لا يعود إلى “خصوصية” الكورد فحسب، بل إلى طبيعة العقل السياسي العراقي الذي تأسس على الإقصاء لا الشراكة، وعلى المركزية لا التعددية.
ومع مرور أكثر من قرن على ولادة الدولة العراقية، لا يزال الكورد يُعاملون كمشكلة لا كمكون، وكملف لا كشريك، وكأزمة لا كجزء من الحل.
ما يحتاجه العراق ليس المزيد من النصوص، بل ثورة في الوعي السياسي، واعتراف بأن الكورد ليسوا ضيوفًا في هذه الدولة، بل مؤسسين لها، وأن كل سياسة إقصاء للكورد تعني أن العراق لم يتعلم شيئًا من ماضيه.
ولعل أول خطوة في هذا الطريق هي أن تسأل بغداد نفسها:
لماذا لا يثق الكورد بالدولة؟
والإجابة… ليست في المفاوضات، بل في ذاكرة التاريخ.