التهجير القسري بموجب القانون الجنائي الدولي

الاستاذ المساعد الدكتور
فكري عزيز السورجي

لنبدأ بتعريف التهجير القسري بموجب القانون الجنائي الدولي، ونقول إن التهجير القسري هو “اضطرار فرد للنزوح عندما تتسبب ظروف الحرب بإجباره لمغادرة مسكنه” أو أنه “أُخرج قسراً” ولو لمرة واحدة فقط. و”يقوم بالإخراج القسري أفراد من الجيش عن طريق نقله جسديًا مشيا أو فرارا أو وضعه في حافلة وحمله بعيدا عن مسكنه الأصلي”.
والتهجير القسري يأخذ أحد شكلين: مباشر أو غير مباشر. المباشر من الناحية الشكلية، تقوم قوة الاحتلال أو الجيش المهاجم باعتقال مجموعات محددة من الأفراد ونقلهم إلى حدود البلاد وإجبارهم على العبور خارج الحدود. ويمكن أيضًا ممارسة التهجير القسري بطريقة غير مباشرة، وبطريقة أقل تنظيما، حيث يمكن أن يحدث هذا النوع من النزوح الاضطراري في المنطقة التي يدور فيها نزاع مسلح مستمر عنيف يتم خلاله ارتكاب انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان بحيث يكون الإنسان مضطرا للفرار من أجل السلامة مثلما حدث في يوغسلافيا السابقة ورواندا وميانمار.

لكن قد يكون التهجير القسري حدثا منقطعا عن غيره بدون نية الإبادة فلا يعتبر عندئذ جريمة إبادة. لنفرض أن خلال حرب ما قام أحد الجيوش بترحيل قسري لمدنيين يسكنون في منطقة عمليات حربية، وأجبرهم على إخلاء مساكنهم ورفضوا الطلب فقام بتهجيرهم قسريا مستخدما القوة، فهذا لا يعتبر نوعاً من الإبادة الجماعية. وحتى لو كان التهجير في البداية مؤقتا ثم تحول إلى تهجير دائم، فنية الإبادة هنا غير موجودة.
أما إذا كان التهجير القسري جزءا من عمليات عسكرية واسعة تشمل القتل والتدمير والتطهير العرقي وهدم البنى التحتية والتجويع واستهداف المعالم المدنية كالمدارس والمستشفيات، إذن سينسحب البند الثاني من اتفاقية الإبادة على كافة الممارسات التي تتم بنية الإبادة الجماعية بما فيها التهجير القسري. إضافة إلى ما سبق يجب التأكد من طريقة ممارسة التهجير القسري، فإذا سبقه وتزامن معه عمليات قتل واسعة وتدمير وتهديد وتضييق ونشر خطاب الكراهية والانتقام وحوصرت المجموعات السكانية وسدت أمامها السبل ولا يبقى أمامها إلا الفرار من موت محقق، فلا شك أن هذه ممارسات بنية الإبادة الجماعية.

وقد تم تأييد هذا الرأي لاحقًا في عدة قضايا مثل الوضع في البوسنة والهرسك وميانمار. ففي تقرير لجنة القانون الدولي لعام 1996 أكد من جديد أن النقل القسري لأفراد مجموعة ما، لا سيما عندما يتعلق الأمر بفصل أفراد الأسرة عن بعضهم، يمكن أن يشكل أيضاً إبادة جماعية بموجب البند الفرعي (ج) من الاتفاقية.
من الواضح إذن أن طرد مجموعة من ديارها قسرا، وإجبارها على الهجرة إلى مناطق جديدة دون إرادتهم قد تفتقر إلى الموارد الأساسية، من شأنها أن تعرض المجموعة بالتأكيد لظروف قد تؤدي إلى تدميرها المادي أو اضطرارها في بعض الحالات، للدخول إلى مناطق يوجد فيها موت محقق لأفراد المجموعة بسبب المناخات الخطرة وغير المستقرة، وافتقارها إلى الموارد الأساسية بشكل كبير وانعدام وسائل مناسبة للمعيشة، أو انتقالها إلى بيئات معادية ما قد يعرضها لمزيد من القمع والتمييز والقتل والدمار، فتصنيف هذا التهجير القسري “إبادة جماعية” شيء مؤكد.

لقد مورس التهجير القسري خلال جميع حقب التاريخ وما انتشار الأقليات في بلدان العالم بشكل واسع إلا بقايا لعمليات إبادة جماعية أو تهجير قسري لخارج الحدود. وشملت عمليات التهجير القسري في حدود الاتحاد السوفييتي سابقا نحو 15 مليون إنسان. وجرت عمليات تهجير قسري في كل من تركيا واليونان والهند وباكستان وبنغلاديش، وألمانيا وتشيكوسلوفاكيا السابقة، وأوكرانيا وغيرها الكثير. أما ما جرى في فلسطين عامي 1948 و 1949 فهو سلسلة من عمليات التهجير القسري التي شكلت معا عملية تطهير عرقي شملت نحو مليون فلسطيني، كتب عنها ووثقها المؤرخون اليهود الجدد من بينهم إلان بابيه في كتابه “التطهير العرقي للفلسطينيين” وكتاب بني موريس “مولد مشكلة اللاجئين الفلسطينيين” وكتاب آفي شليم “الحرب من أجل فلسطين- إعادة كتابة تاريخ 1948”.

قد يعجبك ايضا