أنقرة.. محاولات استباقية لكسر الخريطة المقبلة

شـــــريف علي

لم تعد أنقرة تتحرك وفق حسابات السياسة التقليدية، بل تحت ضغط لحظة تاريخية تشعر فيها بأن الشرق الأوسط يُعاد تشكيله فوق رأسها . ففي ضوء التصريحات الأخيرة لوزيرالخارجية التركي هاكان فيدان حول ضرورة بناء حلف يضم تركيا وباكستان والسعودية ومصر، تبدو أنقرة وكأنها تتحرك تحت وطأة إدراك عميق بأن الشرق الأوسط يدخل مرحلة إعادة هيكلة جيوسياسية شاملة، وأن النظام الإقليمي الذي تشكل بعد الحرب الباردة يتداعى أمام مشاريع كبرى تتنافس على رسم خريطة جديدة للمنطقة . تركيا، التي طالما تذبذبت بين الارتباط بالغرب والسعي لقيادة العالم الإسلامي، تجد نفسها اليوم أمام واقع مختلف . مشروع غربي يتجاوز حدود احتواء إيران ، ويتجه نحو إعادة هندسة الشرق الأوسط برمته، بما يشمل إعادة تعريف الدول، وتوزيع مراكز القوة، وتغيير قواعد الأمن الإقليمي .
وراء هذا المشهد المركب تتبدى معطيات بنيوية تدفع تركيا إلى تسريع وتيرة تحركاتها الإقليمية، وفي مقدمتها إدراكها المتنامي بأن القوى الكوردية أصبحت مكوّنا عضويا في المقاربة الغربية لإعادة هيكلة الشرق الأوسط . ومع اقتراب انعقاد قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في تركيا خلال تموز/2026، يتصاعد في أنقرة هاجس أن يتحول هذا الاندماج الكوردي- الغربي إلى إطار مؤسسي معلن ضمن أجندة الحلف، بما قد يفضي إلى منح الكورد شرعية أمنية وسياسية دولية غير مسبوقة. وتخشى تركيا، في هذا السياق ، أن تستثمر الولايات المتحدة هذه القمة لترسيخ دور الكورد بوصفهم شريكا فاعلًا في ترتيبات الأمن الإقليمي ، وهو ما تعتبره أنقرة تهديدا مباشرا لبنيتها الداخلية قبل أن يكون تهديدا لحدودها الخارجية .
ويستند هذا القلق التركي إلى قناعة راسخة بأن الاندماج السياسي -الأمني بين القوى الكوردية والغرب يشكل التحدي الأكثر خطورة على المجال الحيوي التركي. فأنقرة ترى أن المشروع الغربي لا يقتصر على إعادة ترتيب توازنات الشرق الأوسط، بل يتجاوز ذلك نحو إنتاج فضاءات سياسية جديدة يكون فيها الكورد فاعلا مركزيا، الأمر الذي تنظر إليه تركيا بوصفه تهديدا وجوديا يتجاوز في خطورته سائر الملفات الإقليمية الأخرى .
من هنا، يصبح الحلف المقترح مع باكستان والسعودية ومصر ليس مجرد محاولة لبناء توازن إقليمي ، بل خطوة استباقية لقطع الطريق على أي تموضع كوردي مستقبلي داخل النظام الإقليمي الجديد . فتركيا تدرك أن أي خريطة شرق أوسطية جديدة ستمنح الكورد وزنا سياسيا وجغرافيا أكبر، سواء في أيران أوالعراق أو سوريا أو حتى داخل تركيا نفسها، وهو ما يتعارض جذريا مع رؤيتها للأمن القومي . لذلك، تسعى أنقرة إلى تسريع مشروعها القائم على ما تسميه (الاندماج المجتمعي) لشعوب المنطقة، وهو في جوهره مشروع يهدف إلى إعادة إنتاج الهيمنة المركزية للأنظمة الحاكمة عبر قوالب ديمقراطية شكلية، ، تبقي المجال السياسي تحت السيطرة وتمنع تشكل أي كيان قومي مستقل، وفي مقدمتها الكيان الكوردي الذي ترى فيه أنقرة التهديد الأكثر مباشرة لبنيتها الداخلية .
في هذا السياق، يصبح دمج القدرات العسكرية لباكستان، والثقل الاقتصادي والديني للسعودية، والموقع الجيوسياسي لمصر، محاولة لبناء كتلة إسلامية–سنية قادرة على مواجهة التحولات التي تقودها واشنطن وتل أبيب. فالمشروع الأمريكي لم يعد يكتفي بإدارة التناقضات بين إيران والعرب، بل يتجه نحو هندسة شرق أوسط جديد تعاد فيه صياغة التحالفات بما يجعل إسرائيل مركزا للأمن الإقليمي، ويمنح الكورد دورًا متقدمًا في مناطق النزاع، ويحوّل الدول العربية إلى أطراف وظيفية في منظومة أمنية واقتصادية جديدة .
تركيا، التي تشعر بأن لحظة إعادة رسم الخرائط قد بدأت بالفعل، تتحرك وفق منطق الضرورة لا الطموح. فهي لا تسعى إلى قيادة العالم الإسلامي بقدر ما تسعى إلى منع تشكل شرق أوسط جديد قد يقصيها لصالح تحالفات أمريكية – أوربية – إسرائيلية – كوردية تتجاوزها جغرافيا وسياسيا . ومن هنا، فإن الحلف المقترح يمثل ردا استراتيجيا على محاولة واشنطن إعادة توزيع الأدوار في المنطقة، وعلى الخشية التركية من أن يصبح الكورد جزءا ثابتا في معادلة القوة المقبلة .
لذا تتحرك تركيا اليوم في سباق مع الزمن، مدفوعة بهاجس أن الخريطة المقبلة للشرق الأوسط قد ترسم دونها، أو ربما ضدها . ومع تسارع التحولات الدولية والإقليمية ، يبدو أن الصراع لم يعد بين دول ، بل بين مشاريع كبرى لإعادة هندسة المنطقة . وإذا كان المشروع الغربي يتقدم بخطى ثابتة نحو شرق أوسط جديد، فإن أنقرة تحاول بناء محور مواز يمنع تشكل واقع جيوسياسي يمنح الكورد دورا مركزيا ويقلص نفوذها . ومع ذلك ، فإن موازين القوى المتحركة، وتبدل التحالفات، وتراجع قدرة الدول على التحكم بمسارات التاريخ، تجعل من السنوات المقبلة مرحلة حاسمة ستحدد ما إذا كانت تركيا قادرة على فرض رؤيتها، أم أنها ستجد نفسها مضطرة للتكيف مع خريطة جديدة ترسم الآن ولا تنتظر أحدا ، وقد لا تشبه أي شيء عرفته المنطقة من قبل . وإن تأخرت أنقرة في سباقها هذا، فقد تجد نفسها خارج معادلة القوة الجديدة، وملزمة بتقبل نتائجها بدل أن تشارك في صناعتها.

قد يعجبك ايضا