بين إسرائيل وإيران… أعصاب مشدودة تنتظر الكلمة الأمريكية

د. ابراهيم احمد سمو

نعيش ساعاتٍ عصيبة، متوترة، يراقب فيها العالم أنفاسه كما لو كان جالسًا على حافة الانفجار. ليست مجرد لحظات تصعيد عادي، بل زمن يتحوّل فيه التهديد إلى وعيد، والصمت إلى توتر مشحون، والتحليل السياسي إلى تخمين خطير يفتقد اليقين. لقد خرجت الحرب ـ أو بالأحرى، “احتمالية الحرب الكبرى” ـ من مدار المنطق والتحليل المتزن، ودخلت مسارًا جديدًا يُدار بأزرار، لا بزناد، وبقرارات مبهمة تصدر من خلف المكاتب، لا من خطوط الجبهات.

ما يجري اليوم بين إسرائيل وإيران تجاوز صراع الحدود والقصف المتبادل. تحوّلت المعركة إلى لعبة أعصاب عالمية، تُدار بالتصريحات والردود، بالحملات الإعلامية، وبالضغوط النفسية المتعمدة. كلا الطرفين يشحن الأجواء: إسرائيل تلوّح بـ”المفاجآت الكبرى”، وإيران تردّ بـ”لا نوم لكم بعد اليوم”، وتضع أصابعها على الزناد في أكثر من جبهة. لكن مع كل هذه الجعجعة، فإن أحدًا لا يستطيع الجزم إن كانت هذه طبول حرب حقيقية، أم مجرد عاصفة و تنتهي.

كل الأنظار مشدودة الآن إلى واشنطن، وتحديدًا إلى البيت الأبيض، حيث لم يعد الموقف الأمريكي مجرّد تحليل أو تكهّن، بل تحوّل إلى مفتاح المسار المقبل. فقد بات واضحًا أن الحرب، إن اندلعت، لن تُحسم لا في طهران ولا في تل أبيب، بل في قرار أمريكي قد يُتخذ خلال مؤتمر صحفي، أو يُمرّر في تصريح مقتضب من الرئيس أو وزير الدفاع.

الكل ينتظر: هل تتدخل الولايات المتحدة عسكريًا بشكل مباشر؟ إن حصل ذلك، فالحرب ستكون قصيرة، حاسمة، وربما كارثية في أبعادها. وإن لم تتدخل، ستستمر الضربات، وقد تتحول الحرب إلى حالة استنزاف طويلة لا يُعرف نهايتها، لكن الخطر الأكبر يكمن في أن يخرج الصراع عن السيطرة، وأن تنتقل الحرب من قصف بالصواريخ والطائرات إلى مرحلة الزرّ النووي، وهي لحظةٌ لا تحمد عقباها، لا لإسرائيل، ولا لإيران، ولا لجيرانهم، ولا حتى للعالم بأسره.

ما نشهده اليوم هو حرب أعصاب بامتياز. لا ضوابط واضحة، ولا خطوط حمراء. كل شيء بات ممكنًا. القصف المتبادل، الطائرات المسيّرة، التصريحات المتشنجة، التحشيد الإعلامي، التحليلات المتضاربة، الصور المفبركة أحيانًا، والصمت المقصود في أحيان أخرى. حرب لا تُخاض فقط في الميدان، بل تُدار خلف الشاشات، وتُبنى في أروقة الصحف وغرف المخابرات، ويُعاد تشكيلها في مؤتمرات صحفية ولقاءات مغلقة.

والأخطر من كل ذلك، أن الحرب لم تعد تقتصر على طرفي الصراع المباشرين، بل باتت مسرحًا مفتوحًا لجميع اللاعبين: من روسيا إلى الصين، ومن تركيا إلى دول الخليج، ومن أوروبا التي تراقب، إلى جيران إيران وإسرائيل الذين يتخوفون من كرة نار قد تبتلعهم دون سابق إنذار.

الجمهور ـ ونحن منهم ـ لم يعد يتعامل مع الحدث كمتابع بعيد. فالمسافة الجغرافية صارت بلا معنى. طائرة مُسيّرة أو صاروخ بعيد المدى قد يغيّر المعادلة في لحظة، والمصالح متشابكة بشكل يجعل كل طرف، حتى من لا يشارك في الحرب، متورطًا فيها سياسيًا أو اقتصاديًا أو أمنيًا.

أما الإعلام، فهو جزء من المعركة. صوره، عناوينه، تحليلاته، باتت تُستخدم كسلاح. والمؤتمرات الصحفية أصبحت جبهات مفتوحة. في مثل هذا الوضع، لم يعد هناك “خبر”، بل “سلاح إعلامي” يُطلق ليصيب العقول والمواقف، لا الأجساد فقط.

ومع كل هذا، لا أحد يعرف إلى أين تمضي الأمور. هل سنشهد ساعة الصفر الحقيقية؟ أم أن هناك لحظة عاقلة ستتدخل في اللحظة الأخيرة؟ لا أحد يملك الإجابة، لكن المؤكد أن منسوب الخطر يتصاعد، وأن ما كان يُتوقع قبل أسابيع صار واقعًا محتملًا في أية لحظة.

إنّ هذا المشهد المعقّد، الذي نتابعه الآن، ليس مجرد قصة من الشرق الأوسط، بل معركة مفتوحة على مصير الإقليم كله، وربما على النظام الدولي بأسره. وما لم يتم احتواء هذا الجنون، فإن الزرّ الذي يُضغط عليه في غرفة مغلقة، قد يفتح بوابة جحيم لا عودة منها
رغم التصريح الأخير الآن لترامب، الذي يُمهل أسبوعين ويمنح فرصة للمفاوضات .

قد يعجبك ايضا