في اليوم الدولي للتعليم انهيار بمنظومة التعليم في العراق اشتباك مفاهيم ومعضلات بلا حلول ( 3- 3)

 

 

د. تيسير عبد الجبار الآلوسي

3- اليوم الدولي للتعليم وبعض ما نرصده عراقيا

فلنتحدث عن تلك المحاور عراقيا، إذ سرعان ما تتكشف حال انهيار التعليم برمته حيث انتهاك حقوق الطفل فيها بخلفية مستوياته المتدنية وتشوهات نهجه بالمعطيات الكتاتيبية والمنطق الوعظي المرتدي لبوس جلابيب التدين الزائفة وإسقاطاتها (القدسية) المضللة دع عنكم عدم تناسب فرض تعليم تلك الجهالات والخرافات لأطفال ما قبل التعليم الأساس كما يرد في مجابهتهن ومجابهتهم بمشاهد الموت والقبر وسوداوية التعازي وتراجيدية بكائيات ليس سليما توجيه أذهان ذاك الجيل إليها ما سيؤدي ليس لتشويهه حسب بل سيؤدي إلى تخريبه بإيقاع الصدمات التربوية وما ينجم عنها من نتائج مأساوية.. وسنضيف مشكلات التسرب وتفشي المخدرات وإشاعة منظومات قيمية للعنصرية والشوفينية ونهج التمييز الطائفي وقبله وبعده التمييز الجندري وغيرها كثير..

إنّ المجتمع العراقي والأجيال الأكبر سناً تشهد حال الانهيار وتتحدث بمخاطره؛ إنما الجديد هو في إشارة البنك الدولي إلى أنّ 90% من طلبة العراق يعجزون عن فهم ما يقرؤونه أو فك الخط بأحيان أخرى أو حتى إجراء عملية حسابية بسيطة..، وهذا الواقع الكارثي لا يقف بنتائجه عند إمكانات توجيه هذه الفئة وجيلها باتجاهات عنفية إرهابية كما بتجنيدهم بالميليشيات أو إيقاعهم تحت تأثير المخدرات والاتجار بها بل أبعد من ذلك وأخطر بالمدى الاستراتيجي أن هذا الجيل لا يمكن أن يشكل بوصفه رأس المال البشري أكثر من 15% من إجمالي الثروة الوطنية وهو الرقم الأدنى والأضعف بين نسبه النظيرة في الشرق الأوسط وأفريقيا! طبعا الأمر العائد إلى التعليم ومنظومته المنهارة على الرغم من كل التشدق المدَّعى والردود من قبيل قول وزارة التربية: إن تلك الأرقام غير صحيحة وأن البنك الدولي غير معني بتقييم العملية التعليمية والتربوية، في بلد لم يُكمل نصف الطلبة من الفئات الفقيرة تعليمهم وهو مازال يعاني من آثار الحروب وتنهش بناه المؤسسية أعمق مشكلات الفساد إذ تتحكم قوى مافيوية وميليشياوية بتفاصيل العيش اليومي ما أدى إلى تخريب الحياة العامة ومساراتها ومناهج إدارتها.. وهو ما اقتضى جهودا أممية منحها الصلاحيات الوافية في محاولة معالجة الواقع الخرب والتصدي لمعضلاته الهيكلية البنيوية..

إن محاولة بعض المسؤولين الحكوميين استخدام بعض ما تحصل عليه من معلومات للتغطية والتستر على ذاك الواقع المرير بادعاء استقلالية بلد تُلحقه سلطته الذيلية لإرادات غير وطنية ومن ثم الرد بعدم امتلاك صلاحية النظر في الواقع الأعمق للمشكلات وسبل معالجتها بوجود أممي هي محاولات متحذلقين يخضعون لمآرب طبقة كربتوقراط حاكمة تنبني من جناحي المافيا والميليشيا وتخترق مجمل المشهد العام للدولة المعطلة.. وما يرد من بعض أمثلة ضيقة الوجود هي مما يُسمح بوجوده ليكون حجة أو ذريعة للتظاهر محليا دوليا بما لا يتفق وحجم الشروخ الجوهرية في البلاد.. ومن هنا نؤكد أن صواب الأرقام هو أقرب لتلك الإحصاءات الدولية التي تتحدث عن كامل الحقيقة وخلفياتها ومرجعيات أسبابها لا في ادعاءات موظفين يخضعون لأطراف تابعة أو خانعة لسلطة موجودة في عواصم نشاهد ثورة شعبها عليها لخطر ما تقوده إليه ..

إن الأبنية المدرسية في عددها وحجمها وفي مرفقاتها الداخلية الملحقة أيضا وبصورة جوهرية من الهزال أنها تستعمل الدوام الثلاثي وفي الدوام الواحد تعاني من الاكتظاظ والازدحام فوق الاستيعاب للبناية المدرسية وفصولها الدراسية التي تطحن حتى نسبة أوكسجين الصف نسبة لحجم ما فيه من طلاب دع عنك عدم توافر المقاعد الدراسية للجلوس وهناك طلبة بين الوقوف وبين الاكتظاظ نجد بعض المدارس يفترش طلبتها الأرض، بل أن بعضها الآخر أما مدارس طينية أو من مواد نباتية كسعف النخيل أو حتى في الهواء الطلق!! هذا بجانب الافتقار للخدمة الصحية أو المرفقات وحاجتها للمياه الصالحة أو توفير كهرباء على وفق الحاجة الضرورية الدنيا..

ومع أن العراق بلا إحصاء رسمي مكتمل منذ عقود بخاصة مع وجود الحظر على إجرائه بخلفية المرجعية (السياسية) فإنه يغطي الحاجة بتقديرات إحصائية أكدت أن حوالي خمس سكان البلاد من فوق عمر العشر سنوات هم أميون لكننا ندرك حجم الحقيقة عندما نتعامل مع مخرجات هزيلة لا تفك الخط ولا تستطيع إجراء عملية حسابية بسيطة!

لقد مارست منظومة التعليم، طوال عامين، نظام التعليم الإلكتروني في بلاد تعاني من نقص الكهرباء وفداحة في مشاهد عدم توافر إمكانات شراء أجهزة الكومبيوتر على سبيل المثال فماذا كنا ننتظر من مخرجات!؟ ها هي تلك المنظومة تعاود بأكثر من 11مليون من الطلبة يُحشرون في أكثر بقليل من 20 ألف مبنى بالحقيقة وبحسب تصريحات لمختصين أكثر من 80% منها بحاجة لإعادة تأهيل دع عنك الحاجة إلى ما يفرض ميزانيات لبناء ما بين 20 ألفا وثلاثين ألفا بحسب مسار النمو السكاني…

وما تؤكده الحقائق هي أرقام رسمية للحكومات المتعاقبة تسجل صرف أكثر من 28 مليار دولار على مشروعات كتلك التي مررنا عليها للتو ولكن من دون مخرجات سوى ما يطعن الآباء والأمهات وهم ينظرون بأسى إلى ضياع تلك المليارات بلا جدوى سوى ما يدخل في جيوب الفاسدين!

إن المتاح من المباني المتهالكة الخربة ينظر لنسبة التنفيذ والنمو الحالية بأسى ومواجع فاجعة إذ لا يمكن الوصول إلى سد جزء من النقص الخطير إلا بعد 15 سنةً!!

وإذا كنا ننظر إلى موازنة التنمية في العراق على أساس وجود وفرة مالية متأتية من ريع النفط ومحروق الغاز! فإننا نتساءل لماذا تلك الموارد مهدورة بدفعها لنظام يشتبك مع المجتمع الدولي بصراعات بلا منتهى بخاصة مع توصيفه إرهابيا هو وجيوشه الميليشياوية التركيب! وتساؤلنا يبحث عما يُرصد للتنمية واستثماراتها وركنها الأساس في التعليم وفي بناء رأس المال البشري كونه أس التنمية الحقيقية؟؟؟ إننا لا نجد فعليا ما يمكننا التحدث فيه سوى الأرقام الجوفاء بسبب ما ينخرها من فساد مطلق!

لكن غير مشكلة إجابة هذا التساؤل هناك عشرات المشكلات التي يعاني منها التعليم فاليوم هناك مشكلة الكتاب المقرر أو المدرسي ونوازع الالتجاء إلى القديم الممزق المستهلك أو الملزمة المدرسية والتدريس الخصوصي وطباعة الملازم والكتب وما يرافقها من اتجار بغايات أبعد من الفساد المالي المادي حيث اتفاقات تخدم نُظماً لدول مجاورة بمقاصد عديدة مختلفة.. هنا سنجد زعزعة ثقة الطلبة بالكتب المقررة التي لا تصلهم أو تصلهم رديئة ما يدفعهم للملازم ولآليات أخرى تدفع حتما لآلية حفظ المختصرات ومن ثمّ الوقوع بمصيدة منظومة وآلياتها السلبية، حيث لا فهم ولا علم.

وهناك مشكلة التعليم الإلكتروني والأهلي الخاص فلا الأول الذي أكدت ظروف كورونا فرضه ولا الثاني مما جرى تبني تشريعاتهما وضمنا إطلاق سراح قوانين حماية المعلم والتعليم الأهلي التي مازالت على مصاطب التريث خدمة لمآرب بعينها.. بوقت تتزايد نسب الاعتداء على التدريسي و\أو تعريضه لضغوط من بينها الرّشى ومآلات التأثير سواء على التدريس والعملية التعليمية أم على محاور مهمة في إطارها.. لكن أي حديث جدي بالموضوع ينبغي أن ينطلق من بناء شخصية المعلم وقدراته وكفاءة الأداء فضلا عن تأمين تطبيق القانون وفيه كثير من المواد الفاعلة إذا ما صادف تطبيقا مسؤولا وفرض سلطته لا سلطة الميليشيات والمافيات هذا مع رصد للتخريب في تنسيب معلمين بلا أهلية ولمجرد محاصصة تنتمي لتجسيد العبث الطائفي والعشائري ما يثير مشكلات بلا حصر تسمح لعناصر السلطة بوضع تفاصيل لن تكون كفيلة بالحماية أو المعالجة في ظل سلطة سياسية ذات نهج يتعارض واستراتيجيات العمل التنموي حيث شيوع ثقافة ماضوية متخلفة تتسبب في المشاجرات والاصطدامات المسلحة وما يخلق الاحتقانات وهذا مما يطال التدريسي المعلم ومثله نراه مع الأطباء والعاملين بميادين الصحة وكثير ما وجدنا اعتداءات تخرج على منطق العقل المتمدن وعلى سياقات العصر واحترام سلطة القانون.

الكارثة أن الوعود التي باتت تقطعها الحكومات المتعاقبة صارت تتكرر على ألسنة الجهة التشريعية من البرلمانيات والبرلمانيين إذ عادت الوعود تُقطع للظهور الإعلامي بصيغة تخديرية من قبيل سنوفر وجبات التغذية وتأمين الصحة بجانب الحكاية المكرورة لطباعة المقررات المنهجية مع ترك موضوعة البناية المدرسية والترميم وما يقف بمصافها مما يتطلب أموالا لحوالي 13 مليون طالب ولتلبية مطالب بحجم أية وزارة يسمونها سيادية فيما لا يعدون التعليم من الفقرات السيادية ومن ثم فبناء العقل والشخصية مما يضمنه التعليم، أمر هامشي أو ثانوي عندهم وهو ما نشخص إهماله الواضح الفج وإلقاء التبعات على شؤون توفر لعناصر الإدارة والسلطة فرص التملص من المسؤولية والإنجازية المطلوبة الواجبة…

إن قضية الاهتمام بالتعليم كونه قضية (سيادية) تمتلك أعلى الأولويات لم تعد مجرد ملف مطروح على طاولة السجالات التمييعية سواء في الحكومة أم في مجالس التشريع والرقابة.. إن إشكالية لا تمضي معالجتها بحسابات استراتيجية حرة مستقلة وبقوانين تنتمي لمجتمعات التمدن والتنوير وحركة التقدم العلمي ستبقى أس التخلف وإشاعة منطق الخرافة وثقافتها!

وما ستدفعه المدرسة للتعليم المتخصص والجامعي العالي هو قوى متهالكة لا يمكنها أن تنجز مخرجات جاهزة لفعل البناء والتنمية بقدر ما ستفرض منطق الانحدار كما نشهده اليوم من خراب شامل لا في التعليم حسب بل في مجمل المنظومة العامة والقضية تعود للدولة العميقة وسلطة كليبتوفاشية تدفع باستمرار أوجها حكومية تتخفى وراء حراكها ووعودها بلا أية نتيجة.. فهل بعد ذلك من وضوح في أين يكمن السؤال وأين تكمن إجابته والحلول المؤملة؟؟؟

لمن يريد التوصل إلى الجوهر في المعالجة لن يجد كثير عناء في تناول أركان حرية التعليم وسلامته واستقلالية اشتغاله وضرورة تكامل عناصر العملية التعليمية وحق التنظيم للطلبة كما اتحاد الطلبة العام وللمعلمين كما نقابتهم ولأركان العملية برمتها بجانب ضوابط التعليم العام والأهلي ومساقات الرقابة للأداء وتوفير موازنات وتحويلها لحدث بنيوي فعلي من ميزانيات سنوية تقبل التنفيذ ومراجعة حمايته من الغش والتدليس إضافة على نهج العقلنة العلمية ورفض الملائية الوعظية التي تحيل المدرسة إلى معابد تخريف تدعي التدين وهي الأبعد عن الدين مضيفين هنا شرونا أمنية لا تقف عند حماية من عنف بل تتعمق لتصل إلى حماية من إخضاع لبلطجة مافيات المخدرات والاتجار بالبشر

فلنتفكر ونتدبر قبل فوات أوان سيقذف للمجتمع حتما مخرجات بائسة بلا حول ولا قوة، بل بتشوهات خطيرة .

قد يعجبك ايضا