قراءة -ثُريّات المَضامين في بنات أور/1

 

جابر خليفة جابر

 

” لقد سمعت المفتاحَ

 

 

جابر خليفة جابر

يدور في الباب مرة

ويدور مرة واحدة

نحن نفكر بالمفتاح

كلٌّ في سجنه يفكر بالمفتاح،

كلٌّ يؤكد سجناً

عند هبوط الظلام.. “

*ت أس إليوت / الأرض اليباب

إذا كان العنوان ثريا تضئ الطريق إلى النص أو تجذب القارئ إليه كما نظّر أساتذة نقد ومهتمون بموضوعة العنوان والافتتاحات النصية، فإن للمضمون وللشكل الفني للنص ثريات أكبر وأشد إضاءة وأسطع عبر ما يبثه من رسائل وإشارات، هذا إن كان نصاً يتسمُ بسمة الإبداع على صعيدي المحتوى والمبنى، والنصوص القصصية في كتاب بنات أور ترتقي بجدتها ومعالجاتها إلى هذا المستوى النصّي المتميز.

جنّست الكاتبة عملها بكلمة (قص) وهي هنا منتبهة تماماً لما كتبته وواعية إلى أن منجزها في الكتاب لا يضم قصصاً تقليدية بالشكل والمعنى المتعارف عليهما، فالقصة القصيرة معروفة بمواصفاتها الكلاسيكية وبعناصرها أو مكوناتها كالبداية والحدث والذروة والنهاية والشخصية والزمن، ولا يضم أيضاً نصوصاً مجردة من الهوية.

إن نصوص بنات أور أقرب للقص روحاً ومبنى من أي جنس أدبيٍّ آخر.

كلمة (قص) تبدو وكأنها منحوتة من كلمتي ( قصة + نص ) لذا سأسمي نصوص هذا الكتاب ب ( نصوص قصصية) والنص القصصي يخرج عادة أو يتمرد على الاشتراطات التقليدية للقصة القصيرة ليقدم لنا سرداً مقارباً للقصة ومتحرراً من شروطها، لكن الكتاب الذي يضمّها يبقى كما أرى مجموعة قصصية إذ غاب عنه ذلك النسيج الواحد اللازم لاعتباره كتاباً قصصياً وفقا للتجنيس الذي أقول به وأوضح أمثلته كتابي القصصي ( طريدون) ومع هذا فإن مشتركات بينةً عديدة جعلت نصوصه الثمانية عشر جميعاً تقترب به من جنس الكتاب القصصي.

وأبرز هذه المشتركات ما وشى به العنوان ( بنات أور ) مع ملاحظة إن البنات هنا موجودات بشكل مباشر أو بالإشارة في جميع النصوص، لكن القراءة لا تقول أن كلمة بنات مقصود بها تحديد للفئة العمرية، وهذا ما نستشفه من الإهداء( لكل النساء بعيداً عن الصمت ) كل النساء اللواتي هن بعيدات عن الصمت من جميع الأعراق والألوان والأطياف والأعمار مشمولات بالإهداء، يعني هذا إن اللاصامتات الرافضات للخنوع هن بنات أور بغض النظر عن العمر، الشباب، الفتوة هي الرفض للعبودية وليس العمر أو النضج العقلي، هذا ما تراه القراءة جامعة بين ثريتين من ثريات النص، بين عنوان المجموعة وعبارة الإهداء.

والمفتتح (ص 7) والذي يلي الإهداء يعزز هذا المعنى حين يشير بوضوح عبر تساؤلاته عن الصراع المحتدم في الذات العميقة الخفية ومقاربة عالم اللاشعور وما يخلفه من تكوينات سايكولوجية مركبة وبالغة التعقيد داخل النفس البشرية المضطَهدة والرافضة في آن.

ولم تكتف المؤلفة بابتداء الكتاب بهذا المفتتح بل كررته لتختتم به الكتاب إذ احتل الغلاف الخلفي للمجموعة في تكرار يؤكد قصدية المؤلفة في إعادته مرتين، الأولى في مبتدأ الكتاب وافتتاحيته، والأخرى في خاتمة الكتاب وعلى غلافه الخلفي، وكأنها بذلك تقول كل ما في هذا الكتاب أو هذه النصوص إنما مؤطر أو منطلق من تساؤلات هذا النص، ولنعاين معاً هذا النص الافتتاحي الخاتم ونقرأ:

(( هل يمكننا أن نتسلل إلى تلك الذات العميقة الخفية التي تخلّفها الصراعات المتتالية داخل كينوناتنا؟!

الذات التي تتكون دون أن نعي من حطام انكساراتنا بملامح حادة قادرة على أن تجرح كل ما يشير لها بالاختلاف ..

هل يمكننا الإمساك بها أو مواجهتها ؟

ربما سترشدنا لحقيقتنا ! ))

هذا التكرار التوكيدي كما ترى القراءة يرسم أمامنا روح الكتاب ورسالته ومحتواه، إن هذه النصوص القصصية على تباين موضوعاتها ومضامينها ما هي إلا محاولات عدة أو محاولة لفهم وجودنا كذات، وتتساءل عن سبب هذا الوجود مع ما ترافقه من مآس وآلام وانكسارات، نصوص الكتاب هي قراءة لحقيقة الصراع المحتدم في دواخلنا كانعكاس لصراع خارجي مدمر بين السلطة والرفض، بين الذكورة الطاغية والأنوثة التواقة للحرية. هذا باختصار مكثّف ما بثه المفتتح / الخاتمة، من رسالة أو شفرات..

إن من بنات أور تلك الطفلة التي تجلس عند الساحل وهي تصنع دمى من طين على شكل قلوب صغيرة وترتبها على شكل قلب كبير لكن كرة صبي غريب تسحق هذا القلب وما يمثله من قلوب صغيرة.

النص القصصي هذا وعنوانه ( كرة ) والمكون من كلمات قليلة (ثلاثين كلمة تقريباً ) قال الكثير، لم يتحدث لنا عن موقف الطفلة مما فعله الصبي، لكنه كشف عنه بذكاء، بصمت، يقول بورخس في مقولة جامعة مانعة: إخفاء الشيء أفضل طرق الإشارة إليه.

الرفض هنا أو موقف الطفلة أخفته الكاتبة ببراعة لكن إخفاءه أشار إليه، كشفه، وهنا يكمن الفن وتكمن روح الإبداع، الأدب لا يعني أن نكون واضحين حد المباشرة وحد التقريرية الفجة، الأدب عموماً يعني الانزياح ويعني لغة الإشارة والمجاز، والقراءة إن لم ترتق لمستوى قراءة وتلقف الإشارات هي قراءة مُعاقة أو ناقصة، وحدها القراءة التي تحاكي عمل الأشعة تحت الحمراء في رؤية ما هو موجود لكنه غير ظاهر، القراءة تحت الحمراء كما أسميها هي التي رأت الرفض كموقف لبنت أور تلك، الطفلة صانعة الدمة والقلوب.

مرة تحدث تشيخوف عن الفلاحين فقال أحدهم معترضاً عليه بما معناه : أنت تتحدث عن الفلاحين لكن قصصك ليس فيها شخصيات قروية ولا تضم سوى الشخصيات الغنية والمترفة، فرد عليه تشيخوف قائلاً : أنت إن لم ترَ الفلاحين في قصصي فأنت لا تفهم في القص شيئاً !

 

بهذه البراعة التشيخوفية التي لم تظهر الفلاحين ومع هذا كانت تتحدث عنهم وتنتصر لهم، أخفت أسماء الرومي عنا موقف الطفلة لكنها تحدثت عن موقفها من دون أن تكتب أي كلمة، بل وانتصرت للطفلة وموقفها وجعلت القارئ يقف معها ويتضامن رافضاً الكرة الدائرة العنيفة الخالية من الروح، ومتعاطفاً مع الاستدارة الحانية الأجمل، استدارة القلوب النابضة بالمحبة.

هذه الطفلة (وأذكر هنا أنني مسترسل في بيان الوشائج المشتركة بين نصوص المجموعة) هذه الطفلة وهي إحدى بنات أور تتجلى ثانية في النص القصصي (خسائر باهظة) و: تدرك أن الخوف شيء بارد وقادر على أن يسلب نور العالم كله !

هذا الإدراك يعني الرفض أيضاً.

في نص ( كرة ) لم يظهر أي رد فعل مباشر لبنت أور تلك، لكنها في نص ( خسائر باهظة ) ظهر منها الإدراك، نحن إذن مع سلّم معرفي أو موسيقي متنامٍ، حدث سحق القلوب، بعده إدراك بأن الخوف شيء بارد وقادر على سلب النور، وسيتصاعدُ هذا الهارموني التعريفي مع نصوص الكتاب الأخرى كما سنرى.

ففي النص القصصي الثالث من المجموعة ( يا تين ) كان التحدي منذ البدء، أول النص، ف بعد حدث الكرة وبعد إدراك الخسائر الباهظة، جاء الإعلان واضحاً في ( يا تين ص-13):  إن لم يسطع حضورك فلا تخف من الغياب! تدرّج أعلى لكنه لم يصل إلى ذروة الرفض، هذا الجمال الخفي في التصاعد الإشاراتي لنصوص المجموعة أحد الأسباب التي تجعلني أقول بتميزها وباختلافها عن السائد من القصص وفرادتها..

لكن وتذكيراً بما استنتجته القراءة عن إن بنات أور لا تعني عمراً محدداً، فإن اثنتين من بنات أور كانتا طفلتين في النصين الأول والثاني بينما في نص ( يا تين ) هي فتاة شابة وإن كانت متلهفة للقاء حبيبها، لكنها قررت أن تكون قوية من دونه، وحولت غيابه هو إلى حضورها هي!.

والفئات العمرية الرئيسية الثلاث كلها تجسّدت في النص القصصي (قلوب صغيرة – ص 17) الطفولة ” جربت السرقة وأنا في الثامنة” والساردة أو المتحدثة تبدو فتاة كبيرة بما يكفي من النضج لتقص علينا ذكرى ما فعلته هي وأصحابها مع العجوز شقراء / نلاحظ:  طفلة – فتاة – عجوز/ وعنوان النص ( قلوب صغيرة ) أعادني إلى النص القصصي الأول ( كرة) هناك صبي حطم القلوب الصغيرة بكرته، وهنا المرأة العجوز لم تقذف الأطفال بحجر بل ابتسمت لهم لقلوبهم الصغيرة. هذا التضاد بين الجمال والقبح يقول بوضوح إن بنات أور قد تمثلهن عجوز ك ” شقراء ” المتشردة هذه أو طفلة أو شابة، وإن الآخر الذكوري هو الطرف المقابل لكن الحديث عنه لم يأت إلا عبر تفنن في السرد أومن خلال الإشارة.

وكي لا ننسى التصاعد الهارموني لموقف بنات أور، من طفلة الدمى، إلى الطفلة التي أدركت ، إلى الفتاة التي تحدّت غياب الآخر بحضورها وعدم الخوف، نلاحظ هنا تصاعد الموقف أكثر وأيضاً بهدوء فني لافت للنظر فيكون الموقف فعلاً، السرقة البريئة لإطعام العجوز ” شقراء ” وامتناع شقراء عن إيذائهم بل الابتسام لهم، وسيستمر هذا السلم المتدرج صعوداً يكاد أن يكون غير مرئي وغير محسوس، ففي النص القصصي (إفاقة ص 19) يتطور الفعل الرافض لبنات أور إلى السعي الجاد والجريء للتحرر فتقوم بالهرب نحو الحرية طبعاً، وهي وإن كانت محاولة هرب فاشلة، لكنها ممارسة وعي ورفض وتحرر، وهنا أيضاً تؤكد القراءة إن بنات أور لسن كل النساء إنما الرافضات للخنوع منهن، وهكذا نضع زوجة الأب في نص “خسائر باهظة” وزوجة الأب في نص “إفاقة” خارج عنوان النص فهما ونظائرهما لسن من بنات أور، لأنهما مارستا فعلاً ضد الحرية.

نعم إن هذا العنوان الشعري الجميل بنات أور لا يليق إلا بمنجز تتحلى بروح الجمال وإلا بمن يصدر عنها فعل صانع وناشر لقيم الجمال والحرية والخير والمحبة، وقد كانت نصوص أسماء الرومي كهذ، ولربما يلتفت قارئ فطن إلى أن القراءة حتى الآن لم تتتبع من العنوان إلا كلمة بنات حسب وأهملت كلمة أور ومعانيها الجمالية وعمقها الرافديني لكنه ليس إهمالاً بل تأجيل إلى أن يحين دورها.

ونعود إلى مشتركات النصوص القصصية لهذه المجموعة القصصية المتميزة عمقاً وفناً وسرداً ونرى أن بنت أور في النص القصصي (ميتاً يقف على قبره) تلك الأخت الصغيرة التي دأبت على استكشاف دفتر يوميات أخيها، جندياً وشهيداً ثم عودته كأسير محرر، كانت وبحكم الأحداث المحيطة من حرب ودمار وويلات تأخذ دور المراقب والعين الدقيقة الفاحصة لترسم لنا مشاهد الموت والقصف والقتل ومآسيها، هذا الموقف المحايد بظاهره يضمر موقف إدانة لما حدث، بنت أور هنا وهي قد تكون طفلة أو فتاة ترسم الأحداث وكأنها تدينها من دون أن تبدي موقفها علانية تماماً كموقف طفلة الدمى القلبية في نص ” كرة” من الناحية الشكلية لكنّه وفقاً للهارموني التصاعدي لمواقف بنات أور نجد الفتاة الأخت هنا تدين بقوة موت أمها ومقتل أخيها أو أسره وحتى عودته، تدين الخراب الذي تسبب به الآخر الرجل أو السلطة الذكورية الضاغطة الموقدة للحروب. بقي أن أقول إن هذا النص (ميّتاً يقف على قبره) هو أقرب لأن نسميه قصة قصيرة وليس نصاً قصصياً فقد امتلك اشتراطات القصة القصيرة ونجحت الرومي بتطويرها لشكل فني جديد ومتميز إذ تمت صياغتها شكلاً ومحتوىً وأسلوباً بمستوى عال من البراعة السردية اللافتة للنظر.

 

قد يعجبك ايضا