سفر بالقطار السريع/1

 

أحمد القاسمي

 

عندما يَطرُق سمعَك شيئان جميلان؛ فإنك تتحمس لهما؛ ثم لا تتأخر عن الاستمتاع بهما؛ أحدهما مدينة أكسبها موقعها الجغرافي ميزة وخاصية، وأخذت لها وصفا؛ أخذته حقا مستحقا لها، ونالت إعجاب الأقوام، وجذبتهم إلى بَحْريْها (البحر الأبيض المتوسط، والمحيط الأطلنتي)، وطبيعتِها، ومواقعِها الأثرية، ومتاحِفها، وعمرانِها وعمارتِها؛ هذه هي عروسة الشمال (طنجة)؛ قَلّ من يتأملها كونها مدينة من عالم البحر الأبيض المتوسط؛ الذي يُستأنس بمدنه التاريخية، وبتذكِّر حضارات شعوب بحرها القديمة (الفنيقيون؛ الإغريق؛ القرطاجيون؛ الرومان)، فإذا كان هذا الوصف يعني أنها مدينة في أقصى شمال بلاد المغرب، فهو ضيق، فهي بحق عروسة لشمال بلدان شمال إفريقيا، ولشمال القارة الإفريقية؛ ذلك وهذا أمر آخر أنها لا تبعد عن القارة الأوروبية إلا بأربعة عشر كيلومترا، وثاني هذين الشيئين هو قطار ليس كقطارات بلاد المغرب السابقة، سواء في شكله، أوفي تخصيص سكة حديد له، أو في سرعته، وفي حاجة إليه فرضتها شروط إقلاع وتنمية اقتصادية؛ وهي بلوغ مستوى من السرعة يصل إلى ثلاثمائة وعشرين كيلومتر في الساعة، وأُطلِق عليه إسم بالعربية؛ كما تجري بها العادة الآن في إطلاق أسماء لغة الضاد على العديد من المؤسسات ووسائل النقل، وغيرِها، فسُمي بــــِــ(البراق)، والسرعة هي الميزة المشتركة بين الدابّة (البراق)، وبين أول قطار (براق) في المغرب؛ يربط بين (طنجة) و(الدارالبيضاء)، ويتميز به المغرب، فطنجة بالوصف الآنف الذكر؛ كانت بعيدة لمن تشتاق نفسه إلى شد الرحال إليها، وهذا بُراقُها قربها إليه، فكم من مبالغ مالية صُرفت لتسييره؟ فمد سكة حديد خاصة به؛ يوضح ضخامة المشروع وكلفتَه.

لم يسبق لي أن سافرت إلى طنجة، وأنا مشرف على نهاية العقد الخامس من عمري؛ كانت بعيدة في خيالي، وتتحدث نفسي بمشقة الذهاب إليها بالحافلة، وأخوفني من السفر إليها أنه ليس لي أقارب يقيمون بها ليُضيِّفوني ليلة أو ليلتين، أو أُساكِنهم مدة تكفي لأعود منها إلى بيتي سالما، ومسرورا بالسياحة فيها.

في إحدى ليالي أواخر فصل الشتاء؛ تساءلت بيني وبين نفسي بغم وبحزن: «ألا يُكْتب لي أن أزور طنجة؟»، فأول ما فكرت فيه هو القطار (البراق)، ولم أحسب حسابا لمقابل ركوبه، فهو فرصة سانحة لي على السفر، وستسنح لي كلما أردت الركوب إلى (طنجة)؛ إنه لشعور ذاك الذي تحس به؛ إنه انتصار ساحق تُحسد عليه على الخوف من سفر كان يطول لبُعد المسافة، ومن مكان آوي إليه مرغما، وأبيت في بيت غريب عني، أو في غرفة في فندق؛ إذا كان هذا الأخير يؤجر غرفة فارغة في وقت من أوقات السنة، أو تُسدّ في وجهي أبواب الفنادق، لأن جميعها تكون قد احتضنت أمثالي من الوافدين الغرباء عن المدينة، ولم تتركهم يَقْبلون أيّ حال يكون عليه مبيتهم.

فذلك كان القطار السريع، وكان انتصارا على الوقت؛ يُذكّرني هذا الذي كتبت بجملة قصيرة؛ تدل على معنى كما يرد في المعاجم وهي: «الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك»، فمن قائلها بالمناسبة؟ يُروى أنها وردت عن ثالث الأئمة الأربعة؛ الإمام محمد بن إدريس الشافعي (767م- 820م)؛ حيث قال بأن مما تَعَلّم من صُحبته للصّوفية (العارفون بالتصوّف) قولَهم: «الوقت كالسيف؛ إن لم تقطعه قطعك»، وما يزال الإنسان يحاول أن يُخضِع الوقت بوسائل النقل المبتكرة، ومدة سفرنا نحن إلى (طنجة) لا تتعدى يوما واحدا؛ هذا -كما قلت- ما أتاحه لنا (براق) السكة الحديدية، والذي يجعل أيضا الوقت كافيا لذلك السفر هو أن نستيقظ في وقت باكر من يومنا ذاك، وأن نستقل أول قطار بُرمج وقته، وهو الساعة السابعة والنصف، ومن البيت إلى المحطة مسافة؛ فكان لا بد من الانطلاق بساعة قبل ذلك.

أراني أتكلم بصيغة الجمع؛ ذلك أني اصطحبت ابني ذي السابعة عشرة؛ عملا بالمثل العربي: «خذ الرفيق قبل الطريق»، وكان صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ في هجرته من مكة إلى المدينة هو أبوبكر الصديق رضي الله عنه، وفي قوله تعالى؛ في سورة التوبة؛ الآية الأربعون: «إِذْ يَقول لصاحِبه لا تحزن إنّ الله معنا»؛ ما يَدْعم ذلك، وما يتأسّى به، لأن الرفيق يُستأنس به، ويُؤازِر الذي رافقه على قطع المسافة؛ خصوصا إذا طالت هذه، وحتى لا يكون الشخص وحيدا، فقد يجد قطاع الطرق في رحلته بمفرده فرصة سانحة؛ للسطو على ما يملكه من نقود معدنية أو أوراق مالية، أو متاع ذي قيمة مالية.

لم نحمل معنا ما يتطلبه السفر عادة؛ كحقيبة يد، أو التي تُشد إلى الكتفين، وتتدلى على الظهر، فما يملأ جيوبنا هي أوراقُ هويتنا، ونقودُ ورقية للتنقل بسيارة الأجرة داخل المدينة، لأن المدة -كما سبق الذكر- لا تتعدى يوما واحدا، وهذا ما لا نعتاد عليه، لأن قطار (البراق) غيّر من عادات سفرنا، فكل اختراع أو وسيلة جديدة تقْلِب حيوات الإنسان رأسا على عقب.

 

برحنا مسكننا في الساعة السادسة والنصف؛ بتوقيت المغرب، فكان ما يزال الظلام يلف دنيا حيث نوجد؛ الأزقة والشوارع والساحات؛ لا يُبدّده إلا قليلا من ضوء المصابيح، وقطعنا بالسيارة المسافة الفاصلة بين المدينة التي نسكنها، ومدينة (الرباط) التي قُرِّر أن تكون محطتها واحدة من محطات ركوب القطار السريع؛ في خط سكته الحديدية من (الدارالبيضاء) إلى (طنجة).

وبعد أن رَكَنّا مركبتنا في مكان آمن وقريب؛ قصدنا المحطة راجلين؛ كانت بنايتها تبدو مضاءة، وعند اقترابنا منها، وفي تلك الساعة المبكرة والمظلمة؛ رأينا كثيرا من الناس آخذا اتجاها إليها؛ على أرصفة إسمنتية تفصل بينها مساحات أُستُنبِتت بالعشب، وتحيط بها أشجار قصيرة ذات أوراق خضراء مختلفة الأحجام والأشكال.

يمتد من أمام المحطة رصيف إسمنتي طويل وعريض؛ بدرجات متباعدة؛ بونافورة ماء مُسطّحة بزلّيج؛ إلى أن يرفعه طِوار عن أسفلت الشارع الكبير؛ الذي يسلكه عدد من السيارات والشاحنات في ذلك الوقت. في يمين المحطة الأسفل مطعم (ماكدونالد)، وفي يسارها مقهى، وبخطوات منها سيارة رجال الأمن؛ لونها أزرق غامق؛ موشومة بخطوط رمزية طبعا. يؤدي إلى طابقها العلوي؛ حيث مكاتب بيع التذاكر، وكشك بيع الصحف والمجلات والكتب، وكشكان لبيع الشوكولاطة والعطور، وكراس للجلوس عليها للانتظار، وأجهزة سحب النقود البنكية؛ أربعة سلاليم كهربائية؛ إثنان يصعدان بالقادمين إلى المحطة، وإثنان يهبطان بالمغادرين لها، ونفس الشيء في الجهة الأخرى، لأن للمحطة بابان؛ واحد مفتوح في اتجاه الشرق؛ يلفظك إلى (أكَدال)؛ أحد أحياء المدينة الراقية، والآخر يرمي بك في اتجاه الغرب؛ إلى جانب من مقبرة لجثامين النصارى، وإلى شارع تسير فيه؛ إلى أن تُطِلّ على المحيط الأطلنتي وأمواجه الصاخبة.

 

دخلنا من باب واجهة زجاجية؛ ضاربة إلى أعلى؛ بارتفاع البناية، فصعد بنا أحد تلك السلالم الكهربائية بدرجاته المعدنية، بعد ابتياع التذكرتين؛ لم يُسمح لنا بالهبوط إلى الرصيف؛ إلا بعد ألا يبقى على قدوم القطار إلا عشرات الدقائق، ولما أعطيت لنا إشارة بالتقدم، وإظهار التذاكر إلى المراقب ليتتبث على أنها للقطار السريع؛ الذي سيدخل إلى المحطة في الوقت التالي، فتنحى جانبا وتركنا نتقدم، هبط بنا سلم كهربائي آخر إلى الرصيف المخصص للقطار السريع (البراق)، فيأتينا عامل آخر وينظر في تذكرتينا، فيُرشدنا بأن عربة رقمي مقعدينا ستتوقف بها القاطرة هناك، فنسير قليلا، وفَعَلنا ذلك؛ الذي أدركت منه إلى أي حد أن إدارة قطار (البراق) ذات نظام تسيير محكم.

 

 

قد يعجبك ايضا