طارق كاريزي
بعد شهر واحد من اجتياح القوات العراقية لدولة الكويت، تحرك فوجنا التابع للواء 54 من الفرقة ثلاثين في الجيش العراقي نحو الاراضي الكويتية. مسألة واحدة فقط أود ذكرها من بين سيل جارف من المسائل التي تثير حفيظة الانسان وهو أن يدخل أراضي بلد غير بلده كجندي محتل. أول مدينة أطلت بعمرانها أمام ناظرينا نحن الجنود المحشورين مع اسلحتنا وحاجياتنا بشكل عشوائي كالسلع والبضائع في شاحنات صنعت في الاساس لنقل البضائع وليس لنقل الأفراد، كانت مدينة الجهراء. لست بصدد التحدث عن عمران تلك المدينة الكويتية التي لا مجال لمقارنة عمرانها ونظافتها مع المدن العراقية آنذاك (1990)، بل ان الشيء الذي أثار اهتمامي هو نظام توزيع الطاقة الكهربائية في المدينة، وهي المسألة الوحيدة التي أود تناولها الآن.
انت لا تجد، مثلما نحن الجنود لم نجد، اسلاك نقل الطاقة الكهربائية ضمن شبكة توزيع الطاقة الكهربائية في دولة الكويت الا خارج المدن، حيث أبراج الضغط العالي الضخمة لنقل الطاقة الكهربائية تمتد بين المدن وهي تحمل اسلاك نقل الطاقة، وفي العادة تكون هذه الابراج بعيدة عن طرق المواصلات بين المدن وفي الطرق الممتدة نحو دول الجوار. أما في المدن، فانك لا تجد سلك ولو بطول متر واحد لنقل الطاقة الكهربائية. وبالنتيجة لا وجود لأعمدة توزيع الطاقة لأن شبكة توزيع الطاقة الكهربائية في هذا البلد مزروعة تحت الارض، وهي بذلك لا تعد عاملا للتلوث البصري داخل المدن والتجمعات السكانية، علاوة على حفظ الطاقة الكهربائية من الهدر واستبعاد أي مخاطر محتملة من الطاقة في حالة سوء الاستخدام او الجهل في التعامل معها. أعمدة انارة الشوارع والطرق والأحياء هي الوحيدة التي تراها داخل وخارج مدن الكويت.
والآن لنعود الى وضع الطاقة الكهربائية ونظام توزيعها في العراق. شبكة توزيع الطاقة الكهربائية في العراق قبل 32 عاما كانت ومازالت على النمط القديم الذي يعود الى بدايات ظهور واستخدام الطاقة الكهربائية. اسلاك نقل الطاقة تمتد في كل شارع وزقاق وتتنقل بين الاحياء والاسواق وحيث ما وجد المواطن. نظام توزيع الكهرباء والاعمدة والاسلاك المستخدمة فيه متأخر ويعاني من معوقات كثيرة تتسبب في هدر كميات كبيرة من الطاقة المنتجة. والأمر لا يقف عند هذا الحد، بل العجز الحاصل في امدادات الطاقة الكهربائية للمواطنين ومؤسسات الدولة والقطاع الخاص بما يملك من معامل وخدمات ونشاطات تجارية، دفع الناس الى استخدام المولدات، وهذه باتت تشكل عاملا مضافا لتلوث البيئة ويتم توزيع الطاقة التي تنتج من قبل المولدات الاهلية بواسطة شبكة اسلاك عنكبوتية زادت من التلوث البصري في المدن العراقية واحيائها وازقتها وأسواقها.
ان العراق بحاجة الى ثورة في مجال انتاج وتوزيع الطاقة الكهربائية بحيث تشمل هذه الثورة جميع مرافق هذه الخدمة من توليد الطاقة الى شبكة التوزيع، علاوة على الحد من الهدر والترشيد في استخدامها وخلق حالة من التوازن بين كلفة التوليد وايرادات الطاقة بالشكل الذي يجعل المستهلكين يبتعدون عن الهدر والاسراف في استخدامها وينعمون بامدادات الطاقة من دون انقطاع ومن ثم يتحول هذا القطاع الى قطاع غير مكلف على كاهل الدولة. نحن نقول ونواصل تكرار الذي نقوله، لكن هل من مستمع ومجيب؟