صياغة المجتمعات

 

معد فياض

التآلف الاجتماعي، أو صياغة المجتمعات لا تصنعها السياسة والسياسيون، بل على العكس من ذلك، السياسة وألاعيب السياسيين هم من يعملون دائماً على تخريب هذا التآلف ووحدة المجتمعات خاصة المجتمعات القائمة على التنوع القومي والديني، مثل المجتمع العراقي.

منذ أن وعينا حياتنا وكبرنا ونحن لا نعرف ماذا يعني هذا عربي وذاك كوردي أو تركماني، وهذه مسلمة أو مسيحية أو يهودية، كنا نعيش في محلة بصراوية أصيلة (محلة الباشا) فيها سبعة كنائس وجامع (أبو منارتين) وجيراننا من العوائل الصابئية واليهودية، ولم يمنعنا أحد من دخول الكنائس واللعب بحدائقها والمشاركة بقداساتها.. ولم يعترض شيخ الجامع في أن يصلي فيه الشيعي والسني. هكذا نشأنا وبدعم تربوي سليم من عوائلنا بعدم التفرقة بين هذا وذاك.. كنا نعرف أن الجميع جيران وأهل و(بصاورة) عراقيون.. هكذا كان التآلف المجتمعي نقياً وصحياً وصحيحاً، حتى جاء السياسيون ليفرقوا بين السني والشيعي وبين المسلم والمسيحي، وتمادوا في اضطهاد اليهود ليعدموا جارنا الشاب المسالم الطيب، صباح حاييم، بتهمة التجسس زوراً وبهتاناً، واستمرت ماكنة تخريب المجتمع لتقسم الناس بين شيوعي أممي وقومي شوفيني وبعثي متزمت وإخواني متطرف.

أتساءل اليوم ما الذي جعل أهالي البصرة يندفعون بعشرات الآلاف لاستقبال الزعيم ملا مصطفى بارزاني ورفاقه في بداية الستينيات بعد عودتهم من موسكو إلى العراق، بل أن أمي كانت تحكي لنا كيف تجمهر أهالي البصرة عند ميناء العشار في جنوب الوطن للقاء بارزاني وهو زعيم الثورة الكوردية في أقاصي كوردستان العراق؟ ولماذا كان من اليسر أن يتزوج العربي ابن الجنوب أو السماوة أو الديوانية من شابة كوردية نفيت مع عائلتها من مدينتها، أو يحدث العكس وتقترن شابة عربية بشاب كوردي. هكذا كانت المجتمعات، أو المجتمع العراقي متحاباً متجانساً مختلطاً قبل تخريب السياسيين لهذا البناء الاجتماعي النبيل.

اليوم تذكرت ذلك الفردوس الذي كنا نعيشه وأنا أتابع ما يجري في بصرتنا بمناسبة استضافتها بطولة الخليج العربي لكرة القدم بنسختها الـ 25، أهلنا هناك خرجوا بكل مكوناتهم لاستقبال ضيوفهم الخليجيين والكورد وجميع القادمين من مناطق العراق.. شابات وشباب كورد سافروا إلى هناك وهم يرتدون أزياءهم التقليدية ويضعون على أكتافهم علم إقليم كوردستان فيلاقون كل الترحاب والمحبة بل يتقاطر عليهم الآخرون لالتقاط الصور التذكارية مع العلم الكوردي.. معلق رياضي كوردي وآخر كوردي يتحدث العربية، من قناة رووداو يبهر الجمهور بمفرداته الوطنية وهو يصيح بأعلى صوته “كووووول لمنتخبنا الوطني العراقي”، الجمهور يحتفي ويحتفل بالهدف الذي سجله اللاعب العراقي الكوردي آسو من السليمانية بطريقة لم يحتفوا بها مع أي لاعب عراقي عربي.. الإعلام الخليجي يعرب عن آيات الشكر لكرم أهل البصرة، فنقول لهم هذه هي البصرة منذ أن قامت وكانت واليوم وستبقى.. هذا نموذج من المجتمع العراقي الصحيح الذي يتجلى بأخلاقه بعيداً عن خراب السياسة والسياسيين الذين يؤلم بعضهم ما يجري في البصرة اليوم.. كل العراقيين يفتخرون اليوم بالبصرة والبصراويين، حتى أن بنت وابن المناطق الغربية والوسطى وكوردستان يتباهى بالقول: أنا بصراوية أو بصراوي.

ما يحدث في البصرة هو خير مثال على أن المجتمعات العراقية لو تركت على سجيتها وبدون تدخل السياسة والسياسيين، خاصة أحزاب الإسلام السياسي التي تعتاش على التفرقة والعبث بمصائر الناس، لعاشت في وئام ولاختفت العداءات والاقتتال ولظهر المعدن الحقيقي لهذه المجتمعات، وقد جرب الكورد الذين تم نفيهم طوال سنوات عديدة إلى محافظات الفرات الأوسط والجنوب الحياة بين أهالي هذه المحافظات الذين رحبوا بهم واعتبروهم من ضمن منظومتهم الاجتماعية بالرغم من اختلاف اللغة، أما العادات والتقاليد الاجتماعية فتكاد تكون متقاربة في جميع المحافظات العراقية.

قد يعجبك ايضا