اعداد: عدنان رحمن
اصدار: 10- 1- 2023

صدر عن ( دار ئاراس للطباعة والنشر) كتاب ضمن السلسلة الثقافية بعنوان ( كوردستان ودوامة الحرب) للدكتور ( محمد احسان) في العام 2001 بطبعته الثانية في اربيل- عاصمة أقليم كوردستان العراق، وطُبِعَ في مطبعة وزارة التربية- اربيل.
كان الكتاب بثمان فصول، الفصل الأول منه بعنوان ( منشأ المسألة الكوردية)، وضمن هذا الفصل عدة عناوين فرعية منها ( البارزاني [ الخالد] والحركة القومية الكوردية)، ورد في جزء منها:
– ” الملا مصطفى البارزاني [ الخالد] هو ألمع نجم في سماء تاريخ الحركة القومية الكوردية. تبوأ مقام الزعامة والقيادة نحو نصف قرن وبات اسمه مرادفاً لثورة لثورة الكورد حتى وفاته في آذار عام 1979، كرمز ريادي للنضال التحرري الكوردي والعالَمي. وتأتي أهمية البارزاني [ الخالد] لا من شجاعته ومقاومته الطويلة لحكومات بغداد فحسب بل لأنه جمع في شخصه بين قمة الهرم في النظام العشائري في كوردستان، بخاصة لمنطقة بارزان، وبين كفاءته العسكرية وموقعه الدِيني في الطريقة النقشبندية ودَورهُ السياسي المحنك، وبخاصة قيادته للحركة الكوردية وفي مقدمتها الحزب الديمقراطي الكوردستاني، الذي تأسس في 16 آب 1946، والدَور الذي لعبه
في تنشيط الشعور القومي الكوردي لا في كوردستان العراق وحدها بل في جميع أنحاء كوردستان، بحيث أصبح رمزا حقيقيا لنضالها وممثلا لتطلعاتها في الوحدة وتقرير المصير والسلام. وتبنى امام سفر ضخم من المحطات النضالية المتواصلة التي امتزج فيها الشأن القومي بقيَم الحق والعدالة الاجتماعية وتسخير الثورة كفعل سياسي اجتماعي لصالح أوسع القطاعات الشعبية في المجتمع الكوردي. كرّسَ البـــــــــارزاني
[ الخالد] حياته لقضية شعبه العادلة وأستطاع بفضل قيادته وحكمته وبُعد نظره وكثرة تجاربه أن يُحقق للشعب الكوردي ويَدفع بقضيته في شتى الميادين وبخاصة بعد ثورة ايلول 1961 ليصبح زعيماً بارزاً في حركة التحرر الوطني العالمية. كان يتحلى بالإصرار وروح المقاومة والصبر والمرونة ونفاذ البصيرة، واستطاع أن يجمع الى جانب دفاعه الراسخ عن قضية شعبه، القُدرة على فِهم العلاقة الحميمة بين الشعبين الكوردي والعربي في العراق، وهو ما أكسبه مكانة كبيرة ليس باعتباره زعيما كورديا فحسب، بل زعيما عراقياً استوعب بشكل حيوي إرتباط القضية الكوردية في العراق بالديمقراطية، وإنّ حل المشكلة الكوردية مرهون بقضية الديمقراطية في البلاد ككل.

كان جده الشيخ [ الراحل] عبد السلام البارزاني، ووالد الشيخ [ الراحل] محمد من كِبار شيوخ الطريقة النقشبندية الصوفية ([1]). وهما أول بارزانيين تدين لهما قبيلتهما بالشُهرة وذيوع الصيت. ونتيجة التفات طبقة المريدين حولهما وحول خلفائهما ارتقى شيوخ الأسرة الى مرتبة الزعامتين الروحية والقومية في المنطقة. وأثبت البــــارزاني [ الخالد] بعد اربعين عاماً من النضال أن لا أحد قادر مثله على جمع كلمة الكورد،
وذلك لكونه استطاع أن يبلور مطالب الشعب الكوردي على نحوٍ لم يسبق له مثيل، فقد ظلّ واقعي الطرح، واضح المنطق رافضاً للمساومة وعصياً على الخضوع للظلم. ان الإنتفاضة البارزانية الأولى ( 1931- 1932) التي تزعمها الشيخ [ الراحل] احمد البارزاني وقادها ملا مصطفى البارزاني [ الخالد] لم تكُن كما أدعَت الحكومة العراقية
وبعض الكُتاب الذين يدورون في فلكها بأنها رد فعل للمحاولات الحكومية لتوطين آشوريي هكاري المسيحيين اللاجئين في الأراضي المجاورة لبارزان وانما كانت نتيجة قرار الحكومة، بناء مخافر وقِلاع ثابة وجلب قوات الشرطة وبناء معسكرات دائمية للجيش لفرض سيطرتها عليهم. كانت ثورتهما تعبيراً عن شعورهما القومي المُعادي للسيطرة والظلم والاستغلال واستطرادا للنضال التاريخي دفاعا عن الحقوق القومية للشعب الكوردي التي هضمت عبر مراحل التاريخ على يد الحكومات التي تتابعت على المنطقة. باختصار فالانتفاضة كانت رد فعل مباشر وتلقائي لتدخل السلطات الحكومية الذي ذكّر الكورد بتدخل الإدارة العثمانية في شؤون الإمارات الكوردية شبه المستقلة
عندما كانت تواجَهْ بمثل هذا التهديد وتجسيداً لمسيرة الحركة القومية الكوردية التي أسسها وقادها وناضل من أجلها البارزاني [ الخالد] في تاريخنا المعاصر. فذكرى الشيخ [ الراحل] عبد السلام الثاني ظلّت طرية في ذهن أخويه ([2]) وقتذاك، إنضمت القوة الجوية الملكية البريطانية ايضا الى حملة قمع الحركة البارزانية، حيث سلّم ملا
مصطفى البارزاني البارزاني وأخوه مع أسرتيهما نفسيهما للاتراك على الحدود، ثم صدر عفو عنهما عام 1933 وحدّدت اقامتهما في جنوب العراق. ([3]) بعد عشر سنوات تسلّل البارزاني [ الخالد] من السليمانية محل اقامته الجبرية ليصل بارزان ويُجدد نضاله ضد النظام بالتعاون الوثيق مع القوميين الكورد. وفي هذا دليل على عُمق الطابع القومي لأسرة الشيوخ البارزانيين. وما ان جاء العام 1945 حتى كان
البارزاني [ الخالد] قد بسط نفوذه على رقعة واسعة من كوردستان، وصار مرجعاً للفصل في النزاعات العشائرية المحلية. وصمد الى حين في وجه محاولات الجيش العراقي للقضاء على انتفاضته الجديدة وإلحاق الهزيمة برجاله، إلا أنّه أضطر في أواخر العام نفسه الى ترك ساحة القتال بسبب انسحاب بعض القبائل الموالية وانضمامها الى القوات الحكومية، وكذلك بتأثير تدخل سلاح الجو البريطاني ايضاً. فعبر الحدود الى ايران ملقيا بثقله الى جانب الحزب الديمقراطي الكوردستاني هناك، خصوصاً بعد تأسيس جمهورية مهاباد في 22 كانون الثاني 1946 ليتولى فيها منصب القائد العام لقوات الجمهورية، ثم قضى السنوات الاثتني عشر التالية لاجئا في الاتحاد السوفييتي بعد سقوط الجمهورية وإعدام مؤسسها القاضي محمد ([4]) وزملاء له”.
[1] – طريقة صوفية انشأها محمد بهاء الدين البخاري ( 1317- 1389). واسم ( نقش بند) فسر بأن الشيخ يرسم في تعاليمه صوراً لا شبه لها في العلوم الإلهية. كان كثير الاسفار ونشر تعاليمه غربا حتى بلغت بلاد كوردستان في اوائل القرن التاسع عشر وتأصلت لها جذور في أقلــــــــــــيم ( بادينان) على الأخص. وكان شيخ بارزان من أبرز أقطابها هناك. قصد أتباعه ومريدوه بطاعة فريدة من نوعها. راجع مادة نقشبندي، دائرة المعارف الاسلامية؛ كذلك بازل نيكتين: الكورد ( بيروت، دار الراوي، 1958)، ص 151- 152؛ صديق الدملوجي: أمارة بهدينان ( الموصل- 1957، ط 1)، ص 90- 91؛ كذلك راجع الباب الثاني ( الطريقة النقشبندية وأثرها في الوعي القومي الكوردي) من كتاب جرجيس فتح الله،
مبحثان على هامش ثورة الشيخ عبيد الله النهري ( ستوكهولم: دار الشمس للطباعة والنشر)، ص 167- 224.
[2] – كان الشيخ عبد السلام الثاني ( الاخ الاكبر للبارزاني مصطفى) أقوى وأبرز زعيم كوردي اضطرت الحكومة العثمانية الى التصدي له والتعامل معه بعد الشيخ عبيد الله النهري. كانت دعوته لكوردستان مستقلة دعوة صميمية. وبعد نضال طويل الامد ألقي القبض عليه جراء عملية غدر وسُلِّمَ للسلطات العثمانية، فحوكم امام مجلس عسكري، وأعدم شنقا في سجن الموصل مع ثلاثة مِن أتباعه ( كان البارزاني مصطفى قد أودع السجن نفسه قبل ذلك وهو ابن اربع سنين). للمزيد حول اسباب قيام انتفاضة 1931 راجع: أي. أم. هاملتون: طريق في كوردستان ( بغداد، دار العروبة، 1971)، ترجمة: جرجيس فتح الله، ص 15؛ ايضاً ستيفن لونكريك: العراق 1900- 1950 ( لندن- 1953)، ص 194- 198؛ كذلك
معروف جياووك: مأساة بارزان المظلومة ( بغداد- 1954)، ص 137- 138؛ ايضاً صديق الدملوجي: امارة بهدينان، ص 91- 99؛ كذلك مسعود البارزاني، البارزاني والحركة التحررية الكوردية، انتفاضة بارزان الاولى ( 1931- 1932) ( كوردستان- 1986).
[3] – ئيدكر أبلنس: الثورة الكوردية 1961- 1970 ( لندن- 1973)، ص 20؛ ميشيل كونتر: كورد العراق ( نيويورك- 1992)، ص 6- 8.
[4] – وليام ايغلتون الابن: جمهورية مهاباد- جمهورية 1946 الكوردية ( بيروت- دار الطليعة 1972)، ص 140.