السوداني أمام تحديات داخلية وتدخلات إقليمية

 

 

عبد اللطيف موسى

ان الأحداث والظروف التي رافقت تشكيل الحكومات العراقية المتلاحقة منذ سقوط نظام الديكتاتور صدام حسين قبل عشرين عاماً انما نتاج تدخلات خارجية وتحالفات إقليمية في تنفيذ مصالحها في العراق، ونتيجة تراكمات متلاحقة من الفساد وسوء الإدارة في الدولة.

 

ادت هذه التراكمات الى نشوء أفكار وأيديولوجيات مطالبة بالحرية والتحرر من الفساد بأشكاله كافة، الأمر الذي ادى الى احداث فارق في عملية تشكيل معادلة الدولة العراقية هو الانسحاب الاميركي في عهد اوباما الذي سلم العراق الى ايران، لتنقل العراق من نظام الدولة الى نظام قائم على التبعية والولاء، والدخول في دولة مليشيات على حساب الحوكمة والإدارة والدولة الديمقراطية الفيدرالية المدنية.

 

دخل العراق في مرحلة الفوضى في كونه الساحة من اجل تنفيذ الأجندات الإقليمية والتصارع والبيئة الامنة لشتى انواع العنف والارهاب، والتي دفعت الشعب العراقي الى ثورة سميت بثورة تشرين في اسقاط حكومة عادل عبد المهدي في انهاء المحاصصة بكافة اشكالها، لتتشكل حكومة الكاظمي التي قادت العراق في مرحلة حساسة لخلق نوع من التوازن بين متطلبات المواطن العراقي والتدخلات الإقليمية والأجنبية، ولتدخل العراق في مرحلة فوضى دستورية في العجز عن تشكيل حكومة، الأمر الذي نتج عنه تشكيل حكومة السوداني في ولادة قيصرية  في رفع شعارات ووعود انتخابية كبيرة تتجاوز حجم المشكلات التي تعاني منها العراق.

 

هذه الحكومة في تشكيلها تكون سلسلة من صبغات وهيكليات الحكومات السابقة القائمة على المحاصصة والتدخلات الاجنبية، ولكن الفارق بين هذه الحكومة والحكومات السابقة هي الظروف التي ادت الى تشكيل هذه الحكومة، ومن أهم هذه الظروف هي دخول العراق في فراغ دستوري كبير في اكثر فترة لم يشهده العراق منذ تأسيسه. الخطر والشعور الذي استشعر به كل المواطن العراقي والطبقة السياسية في الحاجة الى تشكيل حكومة في انقاذ العراق من كل التحديات التي تواجه.

 

الأمر الثاني الذي ادى الى تشكيل هذه الحكومة هي الحاجة الكبيرة في انهاء دوامة العنف التي دخلت فيها العراق من حرب طائفية، ولاسيما  الاعتصامات و الأحداث والنزاع المسلح امام البرلمان العراقي والمنطقة الخضراء، والتي حبس فيها الشعب العراقي انفاسه كادت أن تؤدي بالعراق الى حرب طائفية ونزاع مسلح.

 

كذلك الجوع ونقص الخدمات التي واجهت المواطن العراقي في ظل بقاء العراق وعجز الطبقة السياسية في تشكيل موازنة تحقق للشعب العراقي وتؤمن له ابسط مقومات العيش اليومية والعجز عن كبح جماح ارتفاع الاسعار وانقاذ الاقتصاد العراقي من الارتدادات الاقتصادية للحرب الاوكرانية الروسية، وعجز العراق عن اكمال مشاريعه الستراتيجية.

 

السبب الاساسي في تشكيل هذه الحكومة تكمن في محاولة انقاذ العراق وتخليصه من اشتعال الصراع بين ايران وأميركا والفوضى التي قادت العراق اليه من قبل المليشيات الولائية الطائفية في تنفيذ اجندات ايران، وتحويل العراق الى ساحة ايرانية الخلفية في تنفيذ مشروعها المسمى بالمقاومة ضد اميركا ودول الغرب، وكذلك عمق الخلافات التي ولدتها الطبقة السياسية العراقية بين بغداد واربيل المنبثقة من تدخلات اقليمية لتدفع الحكومات العراقية في العجز وغياب الإرادة الحقيقة في تنفيذ الدستور العراقي، ولاسيما المواد التي تتعلق بالمستحقات الاقتصادية للشعب الكوردي وتطبيق المادة 140 من الدستور العراقي، وبعض المواد الأخرى المتعلقة بموظفي اقليم كوردستان وقوات البيشمركة، والخرق المتعمد من تلك الطبقة السياسية في خرق الدستور العراقي وتسييس المحكمة الاتحادية في قرارات سياسية ضد اقليم كوردستان منها وضع العراقيل امام تشريع قانون النفط والغاز الاتحادي الذي طالب به اقليم كوردستان مرات عديدة.

 

في ظل كل هذه الظروف تشكلت حكومة السوداني في ولادة قيصرية من خلال رفع شعارات ووعود من أجل تطبيقها، ولكن الامر الذي يدفع الى التفاؤل هو إقرار السوداني والتحالف الذي جاء به صراحة الى رئاسة الحكومة العراقية بحجم المشاكل والخلافات العالقة واصراره على حلها في اعترافه في احقية تنفيذ الخلافات او التجاهل المتعمد في تنفيذ بعض بنود الدستور العراقي المتعلقة بإقرار قانون النفط والغاز وتطبيق المادة 140 من اجل ايقاف التغيير الديمغرافي الذي تقوم به بعض الجهات المتنفذة في كركوك والمناطق الكوردستانية بتوجيه ودعم اقليمي في تعميق الخلافات بين بغداد واربيل، ووضع العصي امام عجلة حل هذه الخلافات.

 

التحدي الثاني الذي برأيي يواجه السوداني هو عملية تحقيق نوع من التوازن في التدخلات الخارجية والاقليمية في العراق وإعادة العراق الى وضعه الطبيعي ومحيطه العربي والدولي وابعاد العراق عن الصراع الايراني والغربي، والعمل بكل جد على ايقاف التدخلات الايرانية في العراق وابعاد العراق عن المشاريع الطائفية والولائية.

 

كذلك الامر الاخر الذي يواجه حكومة السوداني هو العمل بجد من اجل اكمال مسيرة مكافحة الارهاب الذي مازال يعشعش جذوره في العراق، الأمر الذي يلمسه الشعب العراقي بشكل يومي في هجمات ارهابية تستهدف المنظومة الأمنية العراقية والشعب العراقي.

 

وكذلك من أهم التحديات التي تواجه حكومة السوداني انهاء حالة النزاع المسلح في العراق وحصر السلاح بيد الدولة من خلال محاربة المليشيات المسلحة الخارجة عن القانون، والتي تشكل خطراً امام نهوض العراق وكذلك تشكل تهديد وعائق امام عوده النازحين الى ديارهم ولاسيما تنفيذ اتفاق سنجار بين حكومة اقليم كوردستان وحكومة السوداني برعاية الأمم المتحدة، واخراج كافة التنظيمات المسلحة من العراق والتي تشكل منطلقاً لتهديد دول جوار العراق.

 

كذلك لابد لحكومة السوداني من مكافحة الفساد بكل أشكاله والذي أشارت اليه تقارير المنظمات الدولية، حيث اصبح العراق يتجاوز أرقاماً قياسية بالفساد، والذي اصبح يشكل الخطر الأكبر على الدولة العراقية من خلال الجريمة الاقتصادية المنظمة في ظل مافيات الفساد بكل أشكاله الاقتصادية والاجتماعية والاخلاقية والسياسية التي تواجه المجتمع العراقي، وتهريب العملة وتبيض الاموال والشركات الوهمية وتزوير العملة.

 

ولابد للسوداني من ابعاد العراق عن العقوبات الاقتصادية العالمية التي وبرأي ستواجه العراق في المستقبل القريب العقوبات الغربية نتيجة دخول العراق في خطوط لتمويل ايران في مواجهة وكسر العقوبات الدولية، والأمر الذي استشعرت خطره الويلات المتحدة الاميركية من خلال تهريب الدولار الى ايران بشكل منظم، مما وضع البنوك العراقية امام المساءلة، واصبحت سبباً كبيراً في انهيار قيمة العملة العراقية امام الدولار الاميركي ليشكل جملة صعوبات معيشية تزداد على كاهل المواطن العراقي الفقير من خلال رفع الاسعار، وفقدان المواد الأولية من الاسواق وفقدان الطاقة ومنتوجاتها.

 

التحدي الأهم امام حكومة السوداني انهاء حالة الفقر التي يواجها المواطن العراقي، وتصحيح السياسيات الاقتصادية الخاطئة للحكومات العراقية السابقة من تعويم العملة العراقية وعدم دعم المنتج المحلي والاعتماد الكلي على الموارد النفطية، وتحويل العراق الى سوق لتصريف البضائع الخارجية، وكذلك تحديات كبيرة مثل مشاكل الأمن المائي العراقي والتصحر والهجرة الداخلية والخارجية والثروة الحيوانية وازالة كافة المعوقات امام تنشيط الاقتصاد العراقي.

 

في ظل عرض التحديات التي تواجه حكومة السوادني لابد له من امتلاك ارادة حقيقية في مواجهة الظروف والتحديات التي تم عرضها وفي مقدمتها وضع الخطط الستراتيجية التي ينفذها العراق وتعيده الى محيطه العالمي والاقليمي، والعمل على عدم تكرار اخطاء الحكومات السابقة في تجاهل خرق تنفيذ بعض بنود الدستور العراقي المتعلقة بحقوق الشعب الكوردي، وعدم تسييس القضاء العراقي وابعاده عن الهيمنة الاقليمي والاستفادة من حكمة رجالات تأسيس الدولة العراقية الحديثة ومنهم المرجعية العراقية والكوردية الرئيس مسعود بارزاني الذي يطالب دائما بالتوازن والشراكة والتوافق في حل الخلافات، وكذلك على السوداني وضع مصالح الشعب العراقي فوق المصالح الدولية والإقليمية وابعاد العراق عن الخلافات بكل اشكالها.

 

قد يعجبك ايضا