البصرة .. وشوية حسرة

 

 

 

محمد زنكنة

 

تابعت بكل فرح وشغف افتتاحية خليجي 25 وفرحت للبصرة التي احبها واحب اهلها، وكانت فرحتي وراحة ضميري لا توصف للمستوى العالي الذي رايته خلال حفل الافتتاح.

 

ومع انني لست رياضيا وسأواجه بالعديد من الانتقادات اللاذعة لكنني سأتناول الموضوع من اتجاه انساني عراقي، اما سيثبت للبعض بانني مصر على تنفيذ ما يقوله الدستور بأن العراق وحدة واحدة من الفاو الى زاخو، او سيثبت لي ولابناء اقليم كوردستان بأن هذا الجزء من حدود دولة العراق لا يدرج ضمن الحسابات العراقية لا سياسياً ولا ادارياً ولا حتى انسانيا.

 

فرحتي للمنجز الذي حققته البصرة الفيحاء كان لسببين مهمين، اولهما ان اهل البصرة والتي تمتلك مدينتهم خامس اكبر احتياطي للنفط وبعد ازمات ومشاكل اقتصادية من نفوق للثروة السمكية بسبب تسمم المصادر المائية وقطع الملايين من النخيل وملوحة التربة وفساد اداري قدر بمليارات الدولارات، سيفرحون اخيراً بانجاز طال انتظاره وحرمت منه مدينتهم لأكثر من مرة بسبب ظروف امنية وسياسية، لذلك من حق البصراويين ان يفرحوا بأي شيءٍ يخفف عنهم الام الماضي وخصوصاً ما حصل قبل وبعد تشرين.

 

والسبب الثاني يكمن في قدرة الحكومة (التي نسميها نحن فقط في اقليم كوردستان بالاتحادية) والحكومة المحلية على تنظيم واستضافة هكذا تجمعات في ظل وجود سرقات بارقام فلكية وخيالية، وقد دحضت كل هذه التحضيرات ما كان يشاع ومازال يقال بان اقليم كوردستان يسرق اموال البصرة ويعتاش عليها، في حين ان السلفة التي تمنح شهريا لاقليم كوردستان صدر قرار ارسالها لأربيل منذ ما يقارب الشهر من قبل دولة رئيس الوزراء، وترفض معالي وزيرة المالية التوقيع على أمر الارسال، هذا الامر كان حقاً مريحاً للضمير.

 

التقنيات والفنيات اثناء الافتتاح كانت اكثر من رائعة، حضور الجماهير التي انتظرت (ابو وسام) فاقت التوقعات، لكنني فرحت كثيرا برؤية مقاتل (ضرير وما هو الا ابصر من سماسرة الوطن) وهو يحمل العلم وشارة النصر، فرحت برؤية مواطنين من اقليم كوردستان بزيهم الكوردي وعلم كوردستان يحتفلون مع البصراويين بانجازهم، وما افرحني اكثر تواجد رئيس اقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني برفقة وفد عال المستوى في حفل الافتتاح، وهذا دليل على ان اقليم كوردستان يشارك اخوته العرب سراءهم وضراءهم ولا ننسى دعوة رئيس حكومة اقليم كوردستان السيد مسرور بارزاني للاشقاء العرب لزيارة كوردستان اثناء فترة اقامتهم في البصرة.

 

ولكن.. وين الحسرة؟

 

بالعودة الى الدستور العراقي والعمل به، اليست اللغة الكوردية لغة اساسية في العراق؟ الم يكن الاجدر بمنظمي الحفل الاهتمام بهذه الجزئية؟

 

فان كان اقليم كوردستان بأرضه ولغته وفنه جزءاً من الدولة العراقية ألم يكن من الاصح وجود ما يصف تاريخ ووجود كوردستان في كلمات قليلة باللغتين مع وجود لوحات فنية تصف شكل الفن الكوردي؟ اليس كهف شاندر اقدم مستوطنة بشرية عرفها العالم وهي ضمن حدود العراق؟ اليست قلعة اربيل اقدم مدينة مسكونة في التاريخ (وهذا ليس كلامي بل هو كلام اليونسكو وناشيونال جيوغرافيك)؟ اليست جرمو اقدم قرية زراعية في التاريخ؟ وهل تتناسون عمكا وحدياب واريدو وسناط؟ اذن هل من مشكلة في وجود هذه الوحدة والتماسك؟

 

اتوقع ان يكون رد البعض كالتالي: وانتو شعليكم؟ اي ما دخلكم!! اي بمعنى ان البطولة هي عربية صرفة وانتم لستم بعرب!! جميل جدا ولكن، هل عُرف العراق بانه دولة عربية صرفة؟ الا يوسع هذا السؤال من الهوة بين قطبي العراق الذي نتغنى دوما بوحدتهما بأناشيد واغاني وشعارات كانت تستخدم للاستهلاك الاعلامي فقط؟

 

وهنا لا اود ان اقارن بين زمن وآخر لان الماضي كان مضرجاً بالدماء لكن النظام البائد كان يستغل هذه الفرص ليستعرض فيها التنوع العراقي، وهل ننسى الفنان الراحل صلاح عبد الغفور والذي كان يعتبر الجوكر لهكذا حفلات حيث كان يردد اغاني باللغتين واحيانا بثلاث لغات او اربع؟ نعم كانت هذه الحركات لاخفاء التصرفات الحقيقية لنظام لم يكن يؤمن الا بلغة الدم لكنني لم ارى نفسي ولا شراكتي في العراق الحديث في هذا الجمع الكبير.

 

وفي هذا الاطار اعود واذكر بشهادة الامين العام الأسبق لجامعة الدول العربية عمرو موسى بأن هوشيار زيباري الكوردي وأول وزير للخارجية بعد سقوط النظام وهو اكثر سياسي طعن من قبل الصديق والعدو، كان اكثر من اصر على اعادة العراق للمحيط العربي لا بل على تقوية موقعه في الجامعة، في حين ان الكثير من القيادات السياسية عارضت هذه الخطوة ولم تردها اصلاً، اهكذا تكون مكافأة الشراكة؟

 

كنت انتظر ان توجه من قبل الحكومة كلمة باللغة الكوردية يتلوها اي مسؤول حكومي، على الاقل من اجل الجماهير الكوردية التي حضرت في الافتتاح ليظهر للجميع الوجه الحقيقي الذي نريده نحن للعراق ولكن وللاسف لا يمكن توقع اكثر من ذلك من قبل من لا ينظر الى الوحدة العراقية الا من منظوره الضيق الذي مازال يعاني من عمى للالوان.

 

ان العراق الموحد الذي نريده يجب ان يكون بهذا الشكل، ولن اتعمق في الاجراءات القانونية التي كان من المفروض ان تسلكها الدولة بعد اقرار الدستور لتثبيت اللغة الكوردية في جميع مؤسسات الدولة، لكن الدولة حقا مقصرة وبشكل كبير وعميق وهي التي تخلق الازمات لالهاء الشعب عن الازمات الحقيقية والعميقة لها والتي تكمن في شكل الهوية الوطنية العراقية، فان كان التقصير من قبل الاقليم فانني اعد ان اوجه لهم سهام انتقاداتي وبكل قسوة، اما ان كان من الجانب الاخر، فمن حقي ان اسال دولة الرئيس السوداني والسيد العيداني وكابتن درجال عن السبب.

 

ومن الطبيعي ان يسالني اي فرد عراقي: هل انتهت مشاكل هذا البلد لنبتلي بمشاكل (لغتك)؟ اقولها وبكل صراحة، بأن حل هذه المشكلة سيكون بمثابة ازاحة نصف مشاكل العراق وانقشاع الغيمة السوداء والاطاحة بازمة التفاهم والتقارب بين المكونات العراقية، وسيتبع هذا السؤال، سؤال آخر يقول: الم تصوتوا (للانفصال)؟ والرد هنا ايضا سهل وبسيط مفاده: انني وان لم ارى نفسي مكملا لهويتي الوطنية فهذا دليل على انك لا تريد وجودي ولا تعترف به، وتوضيح هذا الامر هو واجب يقع على عاتق الحكومة وبعض النخب التي تتعمد دق الاسافين وتعميق روح العداء، ولا الوم المواطن المسكين على هذا التقصير.

 

ومع كل ما قلت، لا يمكن تجاهل كرم اهل البصرة ولا يمكن انكار طيبتهم وشهامتهم حيث يذكر التاريخ عظمة الاستقبال الجماهيري للزعيم الخالد مصطفى بارزاني بعد عودته من الاتحاد السوفيتي السابق بعد اكثر من عقد من الاغتراب في عام 1959 ومازالت هذه الصفة مستمرة فيهم بدليل احتضانهم للضيوف من مدن كوردستان المختلفة وانا شخصياً شهادتي مجروحة بالبصراويين.

 

ولا اخفي بأنني انتظر ان (اروح طارش للبصرة) واتمنى ان احقق ذلك باذن الله في اقرب فرصة، لاثبت بان الشعوب مغلوبة دوماً على امرها وان السلبيات يختلقها تجار الارواح والدماء الذين يحركون كبيادق تموت مع اول ارتداد مضاد.

 

قد يعجبك ايضا