هاوژین عمر
عندما فكرت في الكتابة عن العلاقة بين بغداد وأربيل، أردت أن أكتب بمنظور مغاير عن الاتجاه السائد في الكتابة عن هذه العلاقة الشائكة والمحفوفة بالمد والجزر منذ عام 2003.
وضمن زياراتي المتكررة لبغداد ضمن وفد مؤسسة رؤى للدراسات الإستراتيجية، والاجتماع مع قادة سياسيين لهم مساهمة مؤثرة في صنع القرار العراقي، تجذرت لدي قناعة بوجود أرضية صلبة للعمل المشترك بين أربيل وبغداد، انطلاقاً من المشتركات ومواجهة التحديات، للاستثمار باتجاه شراكة مستدامة – إستراتيجية، تخدم الوطن.
تسارعت الجهود خلال الأشهر الـ 16 الماضية نحو حلحلة المشكلات التي تراكمت عبر عقدين من الزمن بين أربيل وبغداد، وحقق رئيسي وزراء إقليم كوردستان والعراق الاتحادي مكاسب ملحوظة باتجاه حل معضلة ميزانية إقليم كوردستان في الميزانية الاتحادية، ورواتب موظفي إقليم كوردستان العراق، والتوصل إلى اتفاقات تنظم آلية التعامل المستقبلي مع الواردات غير النفطية في إقليم كوردستان والكمارك والضرائب بما لا يتضارب مع الدستور العراقي.
وكانت للزيارات العديدة التي قام بها رئيس إقليم كوردستان السيد نيجيرفان بارزاني ورئيس وزراء حكومة إقليم كوردستان السيد مسرور بارزاني إلى بغداد والاجتماع مع ائتلاف إدارة الدولة والقادة السياسيين ورئيسي مجلس القضاء الأعلى والمحكمة الاتحادية، أهميتها في انفراجة العلاقات ورفع جزء من الغبن الذي شعرت به المكونات بعد قرارات المحكمة الاتحادية العراقية بخصوص مقاعد (كوتا) المكونات الاثنية والدينية في برلمان إقليم كوردستان العراق، والموقف الصارم من قبل الحزب الديمقراطي الكوردستاني الذي وصل إلى مقاطعته للإنتخابات التي حددت المفوضية المستقلة للإنتخابات في العراق إجرائها في أوائل حزيران الماضي.
دفعت زيارة الرئيس مسعود بارزاني إلى بغداد ولقاءاته مع صانع القرار والسلطة القضائية العراقية، علاقة أربيل وبغداد إلى مرحلة من العمق والانفراجة لم نشهدها خلال الـ 15 السنة الماضية، وذلك بما تضمنتها محادثاته ورسائله للقادة العراقيين من الصراحة والإخلاص عن أمور آنية ومستقبلية تحدد وجهة العراق ونظامها السياسي والعلاقة بين مكوناتها عبر المستقبل المنظور.
رغم وجود ملفات عالقة بين أربيل وبغداد ولم تر الحل لحد الآن، على رأسها المادة الدستورية 140، وتطبيع الأوضاع في مناطق كركوك وخانقين وسنجار ومخمور وسهل نينوى بسبب أحداث 16 أكتوبر 2017، وملفات أخرى تتعلق بتأسيس المجلس الاتحادي، وملاحظات إقليم كوردستان عن قرارات المحكمة الاتحادية وآلية عملها وتنظيمها، رغم كل ذلك واعتماداً على ما قدمناه آنفاً من مستجدات إيجابية طرأت على علاقة أربيل ببغداد، يتمتع المشهد السياسي والأوضاع العامة بأرضية إيجابية للاستثمار في تعميق العلاقات بين بغداد وأربيل من باب تنشيط المشتركات ودرء المخاطر والتحديات التي تواجه الوطن.
من منظور جيو – إستراتيجي، التأني في المشتركات بين أربيل وبغداد وتعميقها، يعود بالفائدة على مصالح العراق واستقراره وتنميته، وأنَّ مواجهة المخاطر وردع التحديات معاً، يضمن النجاح ويقلل الأضرار ويوفر الوقت، وتهيئ الأرضية المناسبة للاستثمار الثنائي الإستراتيجي في مجالات السياسة والحوكمة والاقتصاد والمجتمع والتنمية المستدامة والثقافة والتكنلوجيا والتربية والتعليم….إلخ.
ثمة تحديات ومخاطر سياسية واقتصادية وبيئية ومجتمعية مشتركة تواجه بغداد وأربيل، ردعها واجهاضها يتطلب تعاوناً عميقاً ومستداماً بين صانع القرار الكوردي والعراقي. التحدي البيئي المتمثل في تغيير المناخ وارتفاع درجات الحرارة المضطرد وتراجع منسوب المياه الجوفية والتصحر، والمخاطر البنيوية على البيئة في العراق بسبب بعض الممارسات غير المسؤولة، هو تحد جوهري يواجه أربيل وبغداد، مواجهته ودرء انعكاساته السلبية في الحوكمة والاقتصاد والزراعة والمجتمع، يتطلب جهوداً متواصلة بين الجانبين.
تحدي الطاقة وأمنها في العراق تحد قديم – جديد، الاستثمار بقوانين جديدة في الطاقة التقليدية (النفط والغاز)، والطاقة المستدامة (الطاقة الشمسية والرياح)، والعمل على رفع الطاقة الإنتاجية لحقول النفط والغاز، والإسراع في تصدير نفط حقول إقليم كوردستان عبر التوصل إلى اتفاق يرضي الشركات المنتجة العاملة في الإقليم، وإقرار قانون النفط والغاز الاتحادي في إطار يراعي واقع الطاقة في العراق وتعلقاته الإقليمية والدولية، يسهم في التصدي لهذا التحدي، والتوجه نحو توفير الطاقة الكهربائية الكاملة والمستدامة للمستهلكين.
تحدي الفساد ومنظومته تحد بنيوي يواجه أربيل وبغداد، أسس إقليم كوردستان أرضية مناسبة لمحاربة الفساد، وخطى خطوات ممتازة في التصدي لظاهرة الفساد، ويلحظ الآن تراجعاً واضحاً لهذه الظاهرة تحت وطأة قرارات حكومية وقوانين برلمانية. وفي بغداد جهود تبذل في الاتجاه نفسه، لكن حجم منظومة الفساد وعمقها في العراق تحتاج آليات وقرارات وقوانين أكثر فاعلية. من أجل تصدي أكثر فاعلية لهذه الظاهرة، تحتاج أربيل وبغداد إلى تعاون أعمق، والتعامل مع هذا التحدي من منظور إستراتيجي، باعتباره أكثر فتكاً وضراراً على أركان الدولة والمجتمع من تحدي الإرهاب.
طبيعة الحياة المتسارعة والمتطلبات والاحتياجات في ظل التطور السريع للتكنولوجيا والإعلام الرقمي، تتحتم على بغداد وأربيل العمل سوية بإتجاه توفير خدمات أفضل، و فرص عمل أكثر، وحياة أكثر رخاءً للمواطنين، وابتغاء هذا الهدف لا يمكن تحقيقه بشكل مستدام عبر جهود ومشاريع أحادية، وإنما من خلال إقرار سياسات مشتركة وإستراتيجية تضع في الحسبان التطورات المجتمعية ودور التكنولوجيا وتكنولوجيا المعلومات على العراقيين لاسيما فئة الشباب.
من التحديات الأخرى المشتركة التي تشكل تهديداً لأمن أربيل وبغداد، تحدي الارهاب. فالتنظيمات الإرهابية وعلى رأسها تنظيم (داعش) لاتزال نشطة في بعض المناطق، تعتدي على قوات الأمن والجيش العراقي وقوات البيشمركة بعض الأحيان، وتحاول جاهدة إيجاد فجوات أمنية للقيام بأعمال إرهابية داخل المدن. وتنشط إعلامياً للتجييش والتأثير على الشباب، لا سيما في المناطق السنية التي تفتقر للخدمات وفرص العمل.
إنَّ التصدي لهذا التحدي يتطلب العمل المشترك بين الجانبين، يعد إقليم كوردستان أنموذجاً ناجحاً في ردع تحدي الإرهاب والانتصار عليه، فبالإمكان اعتماد هذا النموذج بآلياته الأمنية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية في باقي العراق، كون محاربة الارهاب والانتصار عليه لا تأتي عبر حلول أمنية فقط.
إنَّ الاستثمار في المشتركات استثمار للوطن والتنمية والرخاء في العراق وإقليم كوردستان. مواجهة التحديات معاً، بسياسات وطنية تراعي واقع المجتمع في ظل صراعات إقليمية ودولية دائرة ومستعرة، سياسة جيو -إستراتيجية ناجعة، تساهم في معالجة المشاكل الحساسة والمتراكمة بين بغداد وأربيل منذ عشرين عاماً، وتؤسس للاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي والمجتمعي المستدام.