متابعة ـ التآخي
كشفت دراسة عالمية جديدة، أن تقنيات الزراعة الذكية، التي تشمل الطائرات المسيّرة وروبوتات إزالة الحشائش وأنظمة الري الدقيق والآلات الموجهة بالذكاء الاصطناعي، تحقق جدوى اقتصادية بالفعل في نحو 42% من الأراضي الزراعية حول العالم، مشيرة إلى أن تشديد القواعد البيئية يمكن أن يرفع هذه النسبة إلى 75%، فيما قد يؤدي تخفيفها إلى انخفاضها إلى 31%.
وتقدم الدراسة أول تقدير عالمي لنطاق الأراضي الزراعية التي تحقق فيها تقنيات الزراعة الدقيقة عائدا اقتصاديا مجديا، موضحة أن انتشار هذه التقنيات لا يتوقف على تطورها التكنولوجي وحده، بل يتأثر أيضا بالسياسات البيئية، ومستوى الدخل والتعليم، وتكاليف العمالة، وحجم الحيازات الزراعية.
وقاد البحث البروفيسور ديفيد وويبر وطالب الدكتوراه شهريار رومان، من جامعة بون الألمانية، ونُشرت نتائجه في دورية Proceedings of the National Academy of Sciences.
تعتمد الزراعة الدقيقة على استخدام البيانات والتقنيات الحديثة لتوجيه العمليات الزراعية وفق احتياجات كل جزء من الحقل، بدلا من التعامل مع المساحة بأكملها بالطريقة نفسها. فعلى سبيل المثال، تستطيع الطائرات المسيّرة رصد بؤر انتشار الآفات ونقل البيانات إلى معدات الرش، بما يسمح بمعالجة المناطق المصابة بدلا من رش الحقل كاملا. ويمكن للروبوتات إزالة الحشائش قبل انتشارها، بينما تتيح أنظمة الري الدقيقة توجيه المياه وفق مستويات رطوبة التربة واحتياجات النباتات.
وتشمل التقنيات التي تناولتها الدراسة خمس فئات رئيسة: أنظمة الري ذاتية التشغيل، وروبوتات إزالة الحشائش، وأدوات رسم خرائط الحقول باستخدام الطائرات المسيّرة، ومعدات التطبيق متغير المعدل التي تضبط كميات الأسمدة أو المبيدات وفق احتياجات كل موقع، وأنظمة التوجيه باستخدام نظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، التي تساعد الآلات على السير في مسارات دقيقة وتجنب المرور المتكرر فوق المساحات نفسها، بما يقلل استهلاك الوقود والمدخلات الزراعية.
ومن شأن هذه الأدوات تقليل الهدر في المياه والأسمدة والمبيدات، وخفض بعض تكاليف التشغيل، مع الحد من الأضرار البيئية الناجمة عن الاستخدام المفرط للمدخلات الزراعية. لكن تبنيها يتطلب استثمارات أولية وخبرات فنية وتدريبا، وهي متطلبات قد تتجاوز قدرات عدد كبير من المزارع، خصوصا الحيازات الصغيرة.
ولتقدير الأماكن التي تحقق فيها الزراعة الدقيقة عائدا اقتصاديا، تواصل الباحثون مع أكثر من 8 آلاف خبير في تقنيات الزراعة الذكية حول العالم، وطلبوا منهم تحديد المناطق التي تستعمل فيها هذه التقنيات بصورة مربحة. وجمع الفريق هذه الإفادات مع مراجعة منهجية للأدبيات العلمية، ليبني قاعدة بيانات تضم أكثر من 4 آلاف موقع كانت الزراعة الدقيقة مستخدمة فيه بالفعل. بعد ذلك، استخدم الباحثون خوارزميات التعلم الآلي لتحديد الظروف الاقتصادية والاجتماعية والبيئية المرتبطة بجدوى تبني التقنيات الخمس.
وسمح هذا النهج بتقدير الأماكن التي يمكن أن تحقق فيها هذه الحلول عائدا اقتصاديا، إلى جانب تحليل كيفية تغير فرص انتشارها في ظل سيناريوهات مختلفة للتنمية والتنظيم البيئي.
أوروبا وأمريكا الشمالية تتصدران فرص الاستفادة
وجدت الدراسة أن الجدوى الاقتصادية للزراعة الذكية تكون أقوى في المناطق التي تتمتع بمستويات مرتفعة من الدخل والتعليم، وحقول واسعة، وقواعد بيئية أكثر صرامة، ومن بينها أوروبا الغربية وكندا والولايات المتحدة وأستراليا.
ويرتبط ذلك بعدة عوامل متداخلة؛ فالمناطق التي تعتمد بكثافة على الأسمدة والمبيدات يمكن أن تحقق وفورات ملموسة عند تقليل الاستغلال غير الضروري لهذه المدخلات الكيميائية. كما أن ارتفاع أجور العمالة يجعل الاستثمار في الآلات والروبوتات أكثر قدرة على استرداد تكلفته مقارنة بالمناطق التي تنخفض فيها الأجور.
وتضيف القواعد البيئية الصارمة حافزا آخر، إذ تدفع المزارعين إلى تقليل استخدام المواد الكيميائية، ما يزيد القيمة الاقتصادية للتقنيات التي تسمح بتطبيقها بدقة.
وقال شهريار رومان إن الحوكمة البيئية كانت العامل الأكثر أهمية في النماذج التي طورها الباحثون لتفسير جدوى الزراعة الذكية، مشيرا إلى أن هذه التقنيات تحقق عائدا اقتصاديا بالفعل في المناطق التي تكون فيها السياسات البيئية أكثر قوة.
على الجانب الآخر، لا تزال فرص الاستفادة من هذه التقنيات محدودة في أفريقيا جنوبي الصحراء الكبرى، ليس بسبب انخفاض أهمية التحديات البيئية، وإنما نتيجة عدم ملاءمة كثير من المعدات المتاحة لطبيعة الزراعة في المنطقة. فقد طُورت نسبة كبيرة من هذه التقنيات لتناسب العمليات الزراعية الواسعة وكثيفة رأس المال في أمريكا الشمالية وأوروبا، حيث يمكن توزيع تكلفة شراء المعدات وتشغيلها على مئات الهكتارات.لكن الحيازات الزراعية في أجزاء واسعة من أفريقيا صغيرة ومجزأة، ما يجعل استغلال المعدات المصممة للمزارعالضخمة أقل ملاءمة من الناحية الاقتصادية والتشغيلية.
وقال ديفيد وويبر إن تطوير المعدات يركز حاليا على العمليات الزراعية الكبيرة التي تتطلب استثمارات رأسمالية مرتفعة في أمريكا الشمالية وأوروبا، داعيا إلى زيادة جهود البحث والتطوير لإيجاد حلول مناسبة للمزارع الصغيرة أيضا.ويعني ذلك أن توسيع نطاق الزراعة الذكية لا يتطلب فقط نقل التقنيات الحالية إلى مناطق جديدة، بل يستلزم تطوير معدات ونماذج تشغيل تتناسب مع حجم الحيازات الزراعية وقدرات المزارعين واحتياجاتهم الفعلية.
وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية لأن أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى من المناطق المتوقع أن تشهد زيادة كبيرة في كثافة النشاط الزراعي خلال العقود المقبلة. وإذا تحققت هذه الزيادة من دون أدوات تساعد على إدارة الموارد بكفاءة، فقد تتفاقم الضغوط على المياه والتربة والنظم البيئية.
ويمكن أن يؤدي التوسع الزراعي غير المصحوب بإدارة دقيقة إلى سحب المياهالجوفية بمعدلات تتجاوز قدرتها على التجدد، واستخدام أسمدة بكميات تفوق قدرة المحاصيل على الاستفادة منها، واللجوء إلى المبيدات على نطاق أوسع مما تتطلبه مستويات انتشار الآفات.
وتخلص الدراسة إلى أن توسيع نطاق الزراعة الذكية يتطلب مسارين متوازيين: وضع سياسات تعزز الحوافز الاقتصادية لاستخدام الموارد بكفاءة، وتطوير تقنيات تراعي اختلاف ظروف الزراعة، ولا سيما احتياجات الحيازات الصغيرة في المناطق التي تواجه ضغوطا مائية وبيئية متزايدة.