متابعة ـ التآخي
أظهرت دراسة علمية طويلة الأمد أن عددا من نماذج التنبؤ الاحتمالي بالزلازل استطاع تقديم تقديرات متوافقة إحصائيا مع النشاط الزلزالي الفعلي في كاليفورنيا، بعد اختبار أكثر من 51 ألف توقع يومي ومقارنتها بمئات الزلازل المرصودة على مدى 11 عاما.
الدراسة، التي قادها باحثون من جامعة بريستول البريطانية ونُشرت في مجلة Nature Communications، لا تعني أن العلماء أصبحوا قادرين على تحديد موعد الزلزال المقبل أو مكانه وقوته بدقة، لكنها تقدم دليلا مهما على أن بعض النماذج المستعملة في التنبؤ التشغيلي يمكن أن توفر معلومات احتمالية مفيدة لدعم قرارات التعامل مع المخاطر الزلزالية.
اعتمد الباحثون على تجربة امتدت من آب 2007 إلى آب 2018، وشغّلت خلالها 27 نموذجا للتنبؤ بالزلازل بصورة آلية، لإنتاج 51,625 توقعا لليوم التالي في كاليفورنيا. وقدّرت النماذج النشاط الزلزالي المتوقع خلال كل فترة مدتها 24 ساعة، من حيث عدد الزلازل المحتملة ومواقعها وتوزيعها بحسب المقدار الزلزالي.
ثم قارن الباحثون هذه التوقعات ببيانات 597 زلزالا بلغت مقاديرها 3.95 أو أكثر، مستخدمين اختبارات إحصائية طُوّرت لتقويم أداء التوقعات الزلزالية. وصدرتالتوقعات أولا، ثم قورنت بما حدث بالفعل. ويقلل هذا النهج من مخاطر تقويم النماذج بطريقة تستفيد من معرفة النتائج مسبقا.
أظهرت النتائج أن نحو 95% من النماذج قدّمت توقعات متوافقة إحصائيا مع الأعداد المرصودة للزلازل، وأن نحو ثلثي النماذج حققت اتساقا في التوزيع المكاني لمراكز الزلازل، بينما بلغت نسبة النماذج المتوافقة مع توزيع مقادير الزلازل نحو 95%.
وتشير هذه النتائج إلى أن النماذج كانت أكثر اتساقا في تقدير عدد الأحداث الزلزالية وتوزيع قوتها، مقارنة بقدرتها على تحديد أماكن وقوعها.
لكن هذه النسب لا تعني أن 95% من الزلازل جرى توقعها بدقة، ولا أن كل نموذج نجح في جميع الاختبارات. فالتقويم يقيس مدى توافق التوقعات مع المشاهدات على وفق معايير إحصائية محددة، وليست قدرة النماذج على تحديد الزلزال التالي بصورة مؤكدة.
كما أظهرت الدراسة أن أداء النماذج يختلف من نموذج إلى آخر، وأن بعض الإصدارات من نماذج معروفة مثل ETASوSTEP حققت اتساقا مستمرا نسبيا مع البيانات المرصودة.
من أصعب المواقف التي واجهت النماذج المدة التي تلي الزلازل الكبرى مباشرة، عندما يرتفع عدد الهزات الارتدادية وتتغير معدلات النشاط الزلزالي بسرعة.
وشملت فترة الاختبار زلزال إل مايور–كوكاباه في كاليفورنيا عام 2010، الذي بلغ مقداره 7.2، إلى جانب سرب براولي الزلزالي عام 2012، الذي تميز بنشاط متجمع لم يكن سهلا على بعض النماذج التي تعتمد على الأنماط المعتادة للهزات الارتدادية.
وفي حالة زلزال عام 2010، أظهرت النتائج أن أكثر من 80% من النماذج عادت إلى الاتساق الإحصائي مع المشاهدات اليومية خلال الأسبوعين التاليين. ومع ذلك، كشف سرب براولي عن صعوبة التعامل مع أنماط النشاط الزلزالي التي تختلف عن التسلسلات التقليدية التي بُنيت عليها بعض النماذج.
وتوضح هذه الحالات أن النجاح في تقدير الأنماط العامة لا يلغي الحاجة إلى تطوير النماذج حتى تتعامل بصورة أفضل مع التغيرات السريعة وغير المعتادة في النشاط الزلزالي.
وتعتمد نماذج مثل ETAS على فكرة أن الزلازل قد تحفز زلازل أخرى، وأن معدل الهزات المرتبطة بالحدث الرئيس يتغير بمرور الوقت. وتستخدم هذه النماذج أنماطا إحصائية مستخلصة من الزلازل السابقة لتقدير النشاط المتوقع. أما نماذج STEP فتستخدم بدورها علاقات تجريبية لوصف التجمعات الزلزالية وتقدير احتمالات حدوث زلازل لاحقة، وفق منهجيات مختلفة.
ويمكن لهذه المعلومات أن تساعد الجهات المختصة على تقويم مستوى النشاط الزلزالي بعد حدث كبير، وتحسين فهم المخاطر قصيرة الأجل، ودعم التخطيط والاستعداد.
يرى الباحثون أن الاختبار يوفر قاعدة علمية لتطوير أنظمة التنبؤ التشغيلي بالزلازل، عن طريق تحسين تقدير النشاط الزلزالي الخلفي، وتطوير طرق أكثر مرونة لتحديد المناطق التي قد يزداد فيها النشاط، وضبط النماذج بما يتناسب مع الظروف المحلية بدلا من تطبيق نهج واحد على مناطق مختلفة.