Garmiyan Salahaalden
تاريخٌ من نقض العهود ونكث الاتفاقات، والأمة الكوردية باقية وهم زائلون.. لذلك لنا سردٌ تاريخي مع تاريخ نقض العهود والاتفاقيات من قبل الساسة العرب تجاه الكورد في العراق (محطات تاريخية)، فمنها:
* اتفاقية 10 أيلول/سبتمبر 1921 (العهد الملكي)
* الخلفية: عند تأسيس الدولة العراقية، قدمت بريطانيا والمسؤولون العراقيون وعوداً للشيخ محمود الحفيد والكورد بضمان الحكم الذاتي والاعتراف بالحقوق القومية ضمن إطار العراق، ولكن أول ما فعلوه هو قصف السليمانية ومنطقة بارزان الثائرة، عندما نقضت الحكومة العراقية وبريطانيا تلك الوعود، مما أدى إلى اندلاع ثورات الشيخ محمود وتلتها ثورات بارزان المستمرة.
وبعده حقبة العسكر المنقلبين وثورة أيلول ومآثر أبونا الروحي بارزاني الخالد لكسر شوكة الذين لا يوفون بالعهود والاتفاقات والوعود، وعلى رأسها اتفاقية 11 آذار/مارس 1970 (عهد حزب البعث – جناح أحمد حسن البكر) التي كانت أهم اتفاقية بين قيادة ثورة أيلول (ملا مصطفى بارزاني) وحكومة البعث، والتي اعترفت رسمياً بالحكم الذاتي للكورد خلال مدة 4 سنوات.
ومن ثم تم نقضها؛ إذ أصدرت حكومة البعث في عام 1974 قانون الحكم الذاتي بشكل أحادي دون موافقة الكورد، واقتطعت المناطق خارج إدارة إقليم كوردستان (مثل كركوك وخانقين)، مما أدى إلى تجدد الصراع المسلح (ثورة گولان). وقبل اتفاقية الجزائر، اعترف حردان التكريتي بأن ترسانتهم العسكرية لم يبقَ فيها غير قنبلة عنقودية واحدة من جراء مقاومة البيشمركة في ثورة أيلول، فلم تُفلح بغداد في إخضاع الكورد بمعركة أبداً.
* اتفاقية الجزائر (6 آذار/مارس 1975):
اتفاقية دولية جرت بين العراق (صدام حسين) وإيران (محمد رضا شاه بهلوي) في الجزائر، تنازل بموجبها العراق عن جزء من شط العرب مقابل قطع إيران دعمها للثورة الكردية، وأدت هذه التنازلات فيما بعد لاندلاع الحرب العراقية الإيرانية لمدة ثماني سنوات.
* نقض العهد: أدت هذه الاتفاقية إلى نكسة ثورة أيلول، حيث استغلت حكومة العراق الاتفاق لتتنصل من جميع الوعود السابقة بشأن حقوق الكورد وبدأت حملات القمع والإبادة والتهجير (الأنفال) لغاية انتفاضة عام 1991.
* المحطة الأهم: مفاوضات ربيع وصيف 1991 (بعد الانتفاضة)
بعد انتفاضة ربيع 1991 وانسحاب الجيش العراقي، زار وفد من الجبهة الكردستانية (برئاسة مسعود بارزاني وجلال طالباني) بغداد للتوصل إلى اتفاق حول الديمقراطية والاعتراف بالحقوق الكردية على أساس التعددية البرلمانية. لكن النظام البعثي، بعد إعادة تنظيم صفوفه وفرض حصار اقتصادي على إقليم كردستان، قام بتعطيل المفاوضات وبشن هجوم معاكس أدى إلى الهجرة المليونية لشعب كردستان.
* تحرير العراق وبدء الحقبة الجديدة 2003 وكتابة الدستور (المادة 140 من الدستور العراقي – 2005 حتى الآن)
بعد سقوط نظام البعث وكتابة الدستور العراقي الدائم عام 2005، وُضعت المادة 140 كخريطة طريق لحل مشكلة المناطق خارج إدارة الإقليم (كركوك، خانقين، سنجار ومخمور) عبر مراحل ثلاث: التطبيع، الإحصاء، والاستفتاء.
لكنها نُقضت؛ وعلى الرغم من تجاوز المدة الدستورية لتنفيذها (نهاية عام 2007)، قامت الحكومات العراقية المتعاقبة – بضغط من الشارع العربي والقوى القومية – بتعطيل تنفيذ هذه المادة عمداً، بل واستخدمت القوة العسكرية ضد المناطق المتنازع عليها في 16 تشرين الأول/أكتوبر 2017 بمؤامرة إقليمية سوداء سيئة الصيت.
لذلك، أثبت تاريخ العلاقة بين الكورد وبغداد دائماً أن السلطات المتعاقبة في العراق كانت توقِّع الاتفاقيات والوعود في حالات ضعفها، وتتراجع عنها وتنقضها كلما استعادت قوتها. ولحد الآن لم يتعلم ساسة بغداد عبر التاريخ أنهم بسياساتهم الكاذبة والمراوغة مع الكورد لا يستفيدون شيئاً إلا أنهم ينطحون رؤوسهم بصوان جبال كوردستان؛ لأن حكمة واستراتيجية الزعامة الكوردستانية قدمت أكثر من فرصة للحلول والتفاهمات القانونية حسب الدستور لكي يبقى العراق ذو هيبة كدولة فدرالية ومن خلال الطرق السلمية، ولهذا ذكرنا هذا السرد التاريخي من البداية.
في هذه القراءة التاريخية والسياسية لهذه الإشكالية المتجددة بين بغداد وأربيل، يمكن تلخيص المشهد في عدة نقاط جوهرية:
* إخفاق منطق “الاستحواذ والمراوغة”
* عقم التجربة: أثبت التاريخ الحديث والمعاصر أن محاولات الالتفاف على الحقوق الدستورية والوطنية لشعب كوردستان عبر سياسات التسويف أو الضغط الاقتصادي والسياسي لم تؤدِّ إلا إلى تعميق الأزمة الوطنية العامة في العراق الضعيف الآن.
* غياب الشراكة الحقيقية: غالباً ما غلبت على أداء بعض القوى السياسية في بغداد نزعة المركزية المفرطة والنظرة الموسمية للأزمات، بدلاً من بناء استراتيجية وطنية قائمة على الشراكة الحقيقية وتطبيق الدستور بحذافيره.
* جبال كوردستان كرمز للثبات
* العمق الاستراتيجي والنفسي: جبال كوردستان لم تكن مجرد تضاريس جغرافية صعبة، بل كانت عبر التاريخ الحصن المنيع الذي تحطمت عنده كل سياسات الإقصاء والتهميش.
* الدرس التاريخي: الرسالة المستفادة لكل جيل سياسي في بغداد هي أن محاولة كسر الإرادة السياسية والوطنية عبر القوة أو المناورة عقيمة، وأن الحل الوحيد يكمن في الحوار الشفاف، والالتزام بالعهود، وبناء دولة المواطنة والعدالة. ولا يستفيدون من كمش أو شد المواد الدستورية حسب تفاسير قد يفرحون بها أنفسهم أو يضعها لهم عرابهم الإقليمي، فلن ينتصروا في هذه المجالات أبداً إذا كانوا عازمين على أن يبقى شيء اسمه دولة العراق الفيدرالي.
* هل الدم هو طريق الخروج من حلقة الأزمات؟
لكي لا تظل العلاقة محكومة بهذا السجال التاريخي المفرغ، فإن الواقع يفرض أسساً واضحة للتعايش:
* احترام الدستور: الالتزام بالنظام الاتحادي (الفيدرالي) قولاً وفعلاً، بعيداً عن المزاجية السياسية وأمالي الأجندات الإقليمية.
* الحوار الاستراتيجي: حل الملفات العالقة (مثل الموازنة، النفط والغاز، والمناطق المستقطعة) بروح المسؤولية المشتركة لا بروح الغالب والمغلوب، استناداً إلى نهج الكورد وعقيدتهم التي يؤمنون بها: “لا غالب إلا الله” و”لا نركع إلا لله”.
وفي الختام، لزاماً علينا أن نذكر الفقاعات الصغيرة ممن يسمون أنفسهم ساسة الحقبة الجديدة للعراق، بأن لنا سجالاً مع من سبقكم، وسيكون لنا معكم حساب إذا كنتم تتفكرون في أن يبقى التعايش والأمان ضماناً لما يُسمى بوحدة العراق؛ فالدستور هو الحل النهائي لنا ولكم، وإن لم تفعلوا فاعلموا أن:
لا یُصان الشرفُ إلا بين ضلوعٍ تطلع ينبوعَ دمائْ، ونحن البيشمركة لا نُهاب بما لديكم ولا بمن تشدون به أزركم، وللأيام المتبقية دروس نعلمها لكم في معنى من هو الكوردي. بيت أبي الطيب المتنبي الشهير:
«لا يَسلَمُ الشرفُ الرفيعُ من الأذى *** حتى يُراقَ على جوانبِهِ الدَّمُ»
ولا غالبَ إلا الله