رضا الناس غاية لا تُدرك

محمد مهدي صالح

يتحول إرضاء الآخرين من سلوك اجتماعي محمودإلى عبء نفسي عندما يصبح قبول الناس شرطاًللشعور بالقيمة والأمان. وتكشف الأدبيات النفسيةأن الخوف من الرفض وضعف الحدود يدفعان الفردإلى التضحية باحتياجاته، فيما تقدم حكمة الإمامعلي معياراً مختلفاً يقوم على تحري الخير، وقبول أنرضا الجميع مستحيل، وأن الاختلاف لا يعنيبالضرورة فقدان الاحترام أو العلاقات الإنسانيةالمتوازنة دائماً…….

يميل الإنسان بطبيعته إلى البحث عن القبول داخلالجماعة، لأن الشعور بالانتماء والتقدير يمثل جزءاًمهماً من استقراره النفسي وعلاقاته الاجتماعية،غير أن هذه الحاجة يمكن أن تتجاوز حدودهاالطبيعية عندما تصبح نظرة الآخرين مقياساً دائماًللنجاح أو الفشل، وعندما يتحول الخوف من الرفضإلى قوة خفية تعيد تشكيل القرارات والمواقفوالعلاقات، بحيث يجد الإنسان نفسه يقول ما لايعتقده، ويقبل ما لا يريده، ويتحمل ما يفوق طاقتهحتى لا يخسر رضا المحيطين به.

يعرف علم النفس هذا النمط في الاستخدام الشائعبمصطلح «إرضاء الآخرين»، وهو لا يشكلتشخيصاً نفسياً مستقلاً، لكنه يصف مجموعة منالسلوكيات التي تتكرر عندما يقدم الفرد حاجاتالآخرين بصورة مستمرة على حاجاته، ويبحثبإلحاح عن قبولهم، ويتجنب الخلاف معهم حتىعندما يدفع ثمن ذلك من راحته ووقته وحدودهالشخصية. ويضع موقع «سيمبلي سايكولوجي» بينأبرز مظاهر هذا النمط صعوبة قول «لا»، والخوفمن الرفض، والإفراط في الاعتذار، وتجنب المواجهة،وإخفاء الرأي الشخصي، وتحمل مسؤوليات إضافيةحتى عندما تكون على حساب الصحة النفسية أوالأولويات الخاصة.

عندما لا تعني الطيبة ما تبدو عليه

لا تكمن المشكلة في مساعدة الناس أو التضحية منأجلهم، لأن التعاون والتعاطف والإيثار عناصرأساسية في بناء المجتمعات والعلاقات الإنسانية،وإنما يظهر الخلل عندما لا يعود العطاء نابعاً منالاختيار، بل من الخوف مما سيحدث إذا امتنعالإنسان عنه.

هناك فارق كبير بين شخص يساعد الآخرين لأنهيريد مساعدتهم، وآخر يفعل الشيء نفسه لأنهيخشى غضبهم أو ابتعادهم أو تغير صورتهم عنه. ففي الحالة الأولى يحتفظ الإنسان بحريته وحدوده،أما في الثانية فإنه يدخل تدريجياً في علاقة يكونفيها قبول الآخرين مقابلاً دائماً يجب دفع ثمنه.

يشير التحليل النفسي لهذه السلوكيات إلى أنالإنسان الذي يرضي الآخرين بصورة مزمنة قديتعلم مع الوقت أن قيمته ترتبط بمدى فائدته لهم أوقدرته على تجنب خيبة أملهم، فينشأ ارتباط غيرمرئي بين تقدير الذات وبين التقدير الخارجي، وكلماازدادت الحاجة إلى هذا التقدير، أصبح الاعتراضأو الرفض أو حتى اختلاف الرأي أكثر صعوبة.

الخوف الذي يقف خلف كلمة «نعم»

قد تبدو الموافقة الدائمة نوعاً من المرونة، لكنها فيبعض الحالات تخفي وراءها خوفاً عميقاً من الرفضأو الهجر أو النزاع، وهو ما يجعل كلمة «نعم»استجابة شبه تلقائية حتى قبل أن يسأل الإنساننفسه إن كان يريد فعلاً تنفيذ الطلب أم يمتلك القدرةعليه.

وتشير الأدبيات النفسية إلى أن هذه السلوكياتيمكن أن ترتبط بتجارب مبكرة داخل الأسرة،وبضعف تقدير الذات، وبالتنشئة التي تجعل المحبةأو القبول مرتبطين بالطاعة، كما قد تظهر عند منعاشوا في بيئات مضطربة تعلموا فيها أنالاسترضاء وسيلة لتجنب النزاع أو حماية الذات. وفي بعض الحالات لا يكون الإنسان مفرطاً فيالعطاء لأنه أكثر استعداداً للتضحية من الآخرين،وإنما لأنه أكثر حساسية تجاه احتمالات الرفض.

هذه الخلفية تساعد على فهم السبب الذي يجعلبعض الأشخاص يشعرون بالذنب لمجرد رفض طلببسيط، أو يكتبون تفسيرات طويلة حتى يبرروا عدمقدرتهم على تلبية رغبة الآخرين، لأن القضية لا تتعلقبالطلب نفسه، بل بما يمثله الرفض داخل وعيهم مناحتمال خسارة القبول أو المكانة أو العلاقة.

«رضا الناس غاية لا تُدرك»

في مقابل هذا القلق الاجتماعي، تأتي الحكمةالمنسوبة إلى الإمام علي بن أبي طالب عليه السلاملتقدم معياراً مختلفاً للعلاقة مع الناس: **«رضاالناس غاية لا تُدرك، فتحرَّ الخير بجهدك، ولا تبالبسخط من يرضيه الباطل»**، وهي عبارة وردتضمن الحكم المنسوبة إليه في المصادر التي نقلهاابن أبي الحديد في شرحه لنهج البلاغة.

قيمة هذه العبارة لا تتوقف عند القول إن منالمستحيل إرضاء الجميع، بل تكمن في الجزء الثانيمنها، لأن البديل الذي تطرحه ليس تجاهل الناس ولاالبحث عن رضا الذات، وإنما **تحري الخير**.

فالإنسان الذي يتخلى عن إرضاء الناس ثم يجعلرغباته الشخصية وحدها معياراً لكل شيء لا يكونقد حل المشكلة بالضرورة، وإنما انتقل من معيارخارجي مطلق إلى معيار ذاتي مطلق. أما المعنىالذي تطرحه الحكمة فهو البحث عن موقف يمكنالدفاع عنه أخلاقياً وعقلياً، ثم تقبل حقيقة أن هذاالموقف قد لا يرضي الجميع.

وهنا يظهر تقاطع واضح بين الحكمة القديمة وماتناقشه الأدبيات النفسية الحديثة؛ فكلاهما ينطلقمن حقيقة أن الإنسان لا يستطيع السيطرة علىتقييم الآخرين، وأن محاولة بناء الحياة كلها حولهذا التقييم تجعل الاستقرار النفسي متعلقاً بعامللا يمكن التحكم فيه.

مشكلة بلا نهاية

لا توجد نقطة يمكن أن يصل عندها الإنسان إلىحالة يكون فيها الجميع راضين عنه، لأن توقعاتالناس نفسها متعارضة، وما يراه شخص قوة قد يراهآخر قسوة، وما يعتبره أحدهم تواضعاً قد يعتبرهغيره ضعفاً، كما أن تقييمات الناس لا تبقى ثابتة،بل تتغير باختلاف الظروف والمصالح والمراحلالعمرية والثقافية.

ولهذا فإن تحويل رضا الناس إلى غاية نهائية يضعالإنسان أمام مهمة مستحيلة؛ فحتى عندما ينجحفي إرضاء طرف، قد يكون قد أثار استياء طرفآخر، وإذا حاول تعديل موقفه مرة أخرى فإنه يدخلفي سلسلة متواصلة من التنازلات التي لا تنتهي عندحد ثابت.

وقد يصبح الإنسان في نهاية هذه العملية شديدالحساسية تجاه الإشارات الاجتماعية الصغيرة،فيراقب طريقة كلام الآخرين ونظراتهم وردودهم،ويحاول باستمرار اكتشاف ما إذا كان قد قال شيئاًغير مناسب أو تسبب في انزعاج أحد، فتتقلصالمسافة بين حياته الداخلية وحكم الآخرين عليها.

الثمن الذي لا يظهر فوراً

يبدو الشخص الذي يرضي الجميع في الظاهرمتعاوناً وسهل التعامل، ولذلك لا تظهر المشكلة دائماًمن الخارج، غير أن الثمن غالباً ما يُدفع بصورةتراكمية من الطاقة والوقت والقدرة على اتخاذ القرار.

الإفراط في الالتزام قد يقود إلى الإجهاد، وإهمالالاحتياجات الشخصية قد يولد شعوراً بالاستياء،بينما يؤدي كبت الآراء والرغبات لفترات طويلة إلىعلاقة أقل وضوحاً بين الإنسان ونفسه. وفي المقابل،عندما تكون القيمة الذاتية معتمدة على قبولالآخرين، يصبح أي نقد صغير قادراً على إثارة ردفعل نفسي يفوق حجمه الحقيقي.

تشير دراسات أوردها «سيمبلي سايكولوجي» إلىوجود صلات بين أنماط الاعتماد على القبولالخارجي والاجترار النفسي وأعراض القلقوالاكتئاب، كما أظهرت أبحاث أخرى أن أنماطاًقريبة من الاعتمادية قد ترتبط بعلاقات أقل رضاًوتعاوناً، فيما ربطت مراجعات حديثة سلوك إرضاءالآخرين المزمن في بيئات العمل بانخفاض الأصالةوالإنتاجية مع مرور الوقت.

ولا يعني ذلك أن كل إنسان متعاون معرض لهذهالنتائج، وإنما أن المشكلة تبدأ عندما تصبحالتضحية بالذات نمطاً ثابتاً وليس اختياراً مرتبطاًبموقف معين.

هل قول «لا» شكل من الأنانية؟

أحد الأسباب التي تجعل التخلص من إرضاءالآخرين صعباً هو الاعتقاد بأن وضع الحدود يعنيالأنانية، بينما يميز علم النفس بين تجاهل الآخرينوبين حماية المساحة الشخصية.

الحدود لا تعني قطع العلاقات ولا التعامل بجفاء،وإنما تحدد ما يستطيع الإنسان قبوله وما لايستطيع تحمله، وما هو مستعد لتقديمه دون أنيتحول العطاء إلى استنزاف دائم. ولهذا يعدالتواصل الحازم واحداً من أهم الوسائل التيتستخدم لكسر دورة الاسترضاء، لأنه يسمح للإنسانبالتعبير عن موقفه بصورة مباشرة ومحترمة دونعدوان أو اعتذار مستمر.

قد تكون عبارة «لا أستطيع» كافية أحياناً، لكن مناعتاد سنوات على شرح كل رفض يحتاج غالباً إلىوقت حتى يتقبل فكرة أن عدم الاستجابة لكل طلب لايجعله شخصاً سيئاً.

ويصبح الأمر أكثر صعوبة عندما تكون العلاقة قدتأسست أصلاً على موافقته الدائمة، لأن بعضالمحيطين به ربما يتعاملون مع الحدود الجديدة علىأنها تغير مفاجئ أو تراجع في الاهتمام، بينما تكونفي حقيقتها محاولة لإعادة العلاقة إلى قدر أكبر منالتوازن.

من «هل سيرضون؟» إلى «هل هذا صحيح؟»

ربما يكون التحول الأساسي المطلوب ليس فيالسلوك الخارجي وحده، وإنما في السؤال الداخليالذي يسبق القرار.

الإنسان الذي يعيش تحت ضغط إرضاء الناس يفكرفي الغالب في ردود أفعالهم قبل التفكير في موقفه،فيصبح السؤال الأول: كيف سيتعاملون معي إذارفضت؟ بينما يقترح التصور النفسي الصحي نقلالأولوية إلى معرفة الرغبات والقيم والحدود الحقيقيةللفرد قبل اتخاذ قراره.

وتضيف حكمة الإمام علي بعداً آخر لهذا التحول،لأن السؤال لا ينبغي أن يصبح فقط «ماذا أريد؟»،وإنما «أين الخير الذي أستطيع تحريه بقدرجهدي؟».

بهذا المعنى لا يعود الاستقلال عن رضا الناس تمرداًعلى المجتمع، بل تحرراً من استخدام رأي المجتمعبوصفه حكماً نهائياً على كل قرار.

فقد يكون النقد في بعض الأحيان صحيحاً ويستحقالمراجعة، وقد يكون خطأ أو صادراً عن اختلاف فيالمصالح والقيم، ولذلك فإن النضج لا يعني تجاهلالنقد، وإنما القدرة على فحصه دون تحويله تلقائياًإلى حكم على قيمة الإنسان كلها.

العلاقات الحقيقية تحتمل الاختلاف

قد يخشى الشخص الذي اعتاد الاسترضاء أنيؤدي تغييره إلى خسارة علاقاته، إلا أن العلاقاتالتي تحتاج إلى موافقة دائمة حتى تستمر تحمل فيداخلها مشكلة أعمق من مجرد الاختلاف.

فعندما يخفي الإنسان أفكاره ومشاعره حتى يحافظعلى صورة مناسبة أمام الآخرين، فإنهم لا يتعاملونفي الواقع مع شخصيته كاملة، وإنما مع النسخةالتي تعلم أن يقدمها لهم. ومن هنا يمكن أن تكونالحدود والقدرة على الاختلاف اختباراً لطبيعةالعلاقة نفسها؛ فالعلاقات المتوازنة تستوعب الرفضالمؤقت والاختلاف في الأولويات، بينما تكشفالعلاقات القائمة على الاستغلال هشاشتها عندمايتوقف أحد أطرافها عن الموافقة التلقائية.

وتشير الأدبيات النفسية إلى أن التخلص من إرضاءالآخرين يمكن أن يسهم في علاقات أكثر أصالة،لأن الإنسان يبدأ بالتعامل مع الآخرين انطلاقاً منذاته الحقيقية، وليس من الشخصية التي يعتقد أنهميريدون رؤيتها.

قد يعجبك ايضا
∧