الاعلامية فاطمة علي
قلمٍ لا يساوم على الحقيقة
لم تعد المشكلة في وطنٍ يكثر فيه الوجع بل في واقعٍ باتت فيه الحقيقة تُقال ألف مرة ولا يتحرّك أحد! وطنٌ يصرخ فيه المواطن من أجل أبسط حقوقه بينما تتوارى المسؤولية خلف المناصب وتُدفن الأسئلة تحت ركام الوعود ويُترك الناس وحدهم في مواجهة أزماتٍ تتجدّد كل يوم
جلستُ يومًا أحاور قلمي ذلك الذي رافقني في معارك الكلمة وكتب عن الفساد وكشف مواطن الخلل وصرخ بوجه الظلم، فسألته: لماذا صمتّ أضاقت بك الحروف أم عجزت عن وصف ما يجري في هذا الوطن
فأجابني بمرارة لم يجفّ حبري لأن الحقيقة انتهت بل لأنني سئمتُ تكرارها أمام من يسمع ولا يتحرّك ويرى ولا يحاسب ويعرف ثم يتظاهر بالجهل
كتبتُ عن حقوقٍ ضائعة وخدماتٍ متراجعة وأموالٍ عامةٍ يجب أن تُصان ومسؤولياتٍ لا يجوز أن تضيع بين الجهات والمناصب كتبتُ عن المواطن الذي يُطالَب بالصبر كلما اشتدّ عليه الخناق وعن المسؤول الذي يجب أن يُطالَب بالإجابة كلما أخفق في أداء واجبه
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم إلى متى يبقى المواطن مطالبًا بالصبر، بينما لا يُطالَب المسؤول بتقديم الحساب
أيُّ دولةٍ هذه التي يُصبح فيها السؤال إزعاجًا والنقد إساءةً والمطالبة بالحقوق تهمةً جاهزة وأيُّ إصلاحٍ هذا الذي يخاف من الكلمة الصادقة إن كان هدفه فعلًا إنقاذ الوطن لا حماية المصالح
إنّ الدولة لا تُقاس بعدد الشعارات التي ترفعها ولا بحجم الصور التي تملأ الشوارع، ولا بكثرة التصريحات التي تتصدّر الشاشات الدولة تُقاس بقدرتها على حماية المواطن وتوفير الخدمات وصيانة المال العام، وإقامة العدل ومحاسبة كلّ من يثبت تقصيره أو تورّطه في الفساد، مهما كان منصبه أو الجهة التي ينتمي إليها
فالقانون الذي لا يطال الجميع بعدالة، يفقد هيبته في عيون الناس والمسؤول الذي لا يُحاسَب حين يُخطئ يتحوّل منصبه من أمانةٍ إلى امتيازٍ بلا ضمانات
والأخطر من الفساد نفسه أن يصبح مألوفًا وأن يتعايش الناس معه وكأنّه قدرٌ لا يمكن تغييره، وأن يتحوّل الدفاع عن المسؤول إلى واجبٍ عند بعض المؤيدين بينما يصبح الدفاع عن حقوق المواطن تهمةً تحتاج إلى تبرير
هنا تبدأ الكارثة الحقيقية حين ينتصر الانتماء على الضمير ويُدافع الإنسان عن الخطأ لأنّ صاحبه من جماعته ويُهاجم الحقيقة لأنّها لا توافق مصالحه. عندها لا يعود الفساد قضية مسؤولٍ فحسب بل يصبح قضية مجتمعٍ يسمح له بالاستمرار حين يصمت عنه أو يبرّره.
ولنكن واضحين لا قداسة لمسؤولٍ في العمل العام، ولا حصانة أخلاقية لأيّ حزبٍ أو تيارٍ أو جهة من ينجح يستحق أن يُقيَّم بإنجازه ومن يُقصّر يجب أن يُسأل عن تقصيره ومن تثبت إدانته يجب أن يخضع للقانون أمّا تحويل الولاءات السياسية إلى دروعٍ تحمي الأخطاء، فهو خيانةٌ لمبدأ المواطنة قبل أن يكون دفاعًا عن شخصٍ أو جهة
إنّ الوطن ليس ملكًا لحزب ولا مزرعةً لمسؤول، ولا غنيمةً تتقاسمها المصالح. الوطن حقّ الناس جميعًا والمال العام أمانة والمنصب تكليف، والمحاسبة ليست انتقامًا، بل أساسٌ لبناء دولةٍ تحترم نفسها وتحترم شعبها
ومن هنا، فإنّ المطلوب ليس مزيدًا من التصريحات ولا لجانًا تُعلن ثم تختفي نتائجها عن الناس بل خطواتٌ واضحة كشف الحقائق، ونشر نتائج التحقيقات وفق القانون وإحالة ملفات الفساد إلى القضاء المختص وضمان استقلال القضاء، ومحاسبة المقصّرين، واسترداد الأموال المنهوبة حيث تثبت الجريمة، ووضع المواطن أمام نتائج ملموسة لا وعودٍ جديدة
نريد محاسبةً لا انتقائية وقانونًا لا يخضع للنفوذ وإصلاحًا لا يتوقّف عند حدود الشعارات
يا أبناء العراق لا تسمحوا لأحدٍ أن يقنعكم بأنّ الصمت وطنية أو أنّ التصفيق إنجاز أو أنّ المطالبة بالحقوق مؤامرة. لا تجعلوا أسماء الأشخاص أكبر من اسم العراق ولا تجعلوا الولاء السياسي أعلى من صوت الضمير فالأوطان لا تسقط حين ينتقدها أبناؤها بل حين يُمنع النقد وتُدفن الأخطاء، ويُكافأ الفشل ويُترك الفاسد بلا حساب
وإلى كلّ مسؤولٍ يتصدّر المشهد نقول إنّ المنصب مهما طال زائل وإنّ الصور مهما كثرت لا تصنع إنجازًا، وإنّ الكلمات مهما تجمّلت لن تُطعم جائعًا ولن تُعالج مريضًا ولن توفّر خدمةً لمواطنٍ ينتظر حقّه
أمّا قلمي فلن أعلن موته ما دامت هناك حقيقةٌ تستحق أن تُكتب وحقوقٌ تستحق أن تُطالب وأخطاءٌ تستحق أن تُحاسَب قد يجفّ الحبر لكنّ الحقيقة لا تسقط بالتقادم ولا تُدفن بالصمت ولا تُهزم بكثرة من يحاولون إسكاتها
فالسؤال الأخير الذي يجب أن يبقى مفتوحًا أمام الجميع