سعد محمد عبدالله
حين نضع كتب الأديب رشيد سبابو الثلاثة: «لكنه كان قلبي»، و«سيمفونية الأرق»، و«غراب يواري سوءة الليل» جنبًا إلى جنب على طاولة القراءة، لا نكون أمام مجموعات منفصلة من الألوان الأدبية بقدر ما نواجه سيرة داخلية متوهجة تتوزع على أشكال الكتابة، وتبحث عن معنى الوجود في عالم مظلم يثقل كاهله الخذلان والإغتراب والتوحش، وقبل الولوج إلى عوالم هذه الأعمال الفريدة، أود أن أشكر صديقي الأستاذ رشيد سبابو على منحي فرصة الإطلاع على أعماله الأدبية الرائعة؛ إذ أهداني نسخًا منها في يونيو 2026م؛ فقد كنت، وما زلت، مولعًا بالأدب المغاربي منذ قراءاتي لأسماء لامعة، مثل فاطمة المرنيسي ومريريدة عتيق، وغيرهما من المبدعين والعظماء في هذا الكوكب؛ ففي الكتاب الأول، يتقدم القلب بوصفه مساحة للحب والجرح معًا؛ فهو لا يمنح صاحبه خلاصًا سهلًا من محبسه، بل يكشف هشاشته العميقة، ويجعله أكثر وعيًا بالوحدة والضياع، وفي «سيمفونية الأرق»، تتسع التجربة من الإعتراف العاطفي إلى مساءلة العالم بلسان ناقد، فتظهر الشذرات كأنها ومضات عقل لا يهدأ، وقلب مثقل بالمشاعر يبحث عن تفسير للألم والعبث والتناقضات التي تحكم مسارات الحياة؛ أما «غراب يواري سوءة الليل»، فيحوّل العتمة إلى فضاء شعري نابض بروح الحياة، تتجاور فيه الذات والوطن والذاكرة والمنفى بكل ما تحمله من شؤون وشجون، وهكذا تتشكل قراءة واحدة واضحة لهذه الأعمال، تكشف عن قصة إنسان يحاول فهم ذاته والعالم من حوله، ويكتب ما يجيش به شعوره؛ لأن الصمت لا يكفي، ولأن اللغة، رغم عجزها، تظل وسيلته المتاحة لمقاومة تشظي الروح وتلاشي الآمال، وعلى إختلاف نبرات هذه الكتب، فإنها تلتقي عند رغبة مشتركة في ألّا يمر الإنسان بتجربته مرورًا عابرًا، كأنه «سحابة صيف»، بل عليه أن يصغي إلى ما تتركه فيه من ندوب عميقة، وأن يواصل البحث عن أجوبة لأسئلته التي لا تمحوها صروف الظروف ولا عتمة الكون.
في كتاب «لكنه كان قلبي»، لا يبدو الحب زينة لغوية أو حكاية مكتملة البدايات والنهايات، بل تجربة عميقة تكشف ما في النفس من توق وقلق وتردد، وتستحضر صور الإنتظار والغياب والدموع والإحتراق والصبر، ويغدو القلب شاهدًا على علاقة تمنح الأمل، ثم تترك صاحبها وحيدًا أمام أسئلته في فراغ موحش وظلام دامس، ومن هذه المنطقة الحميمة تنبع قوة النصوص؛ فالشاعر لا يقدم عاطفة مصقولة تخلو من التناقض، وإنما يعرض ذاتًا تتأرجح بين الرغبة في الإقتراب والخوف من الخذلان، وبين التعلق بالآخر ومحاولة النجاة، وهي تشق طريقها الطويل عبر مسارات وعرة ومتعرجة نحو غاية قد تبلغها أو تعجز عن الوصول إليها، ومن ثم، يتجاوز الكتاب حدود النزوة العاطفية والغزل المباشر، ليصبح تأملًا في هشاشة الإنسان حين يضع مصيره الوجداني بين يدي الآخر؛ كما تتسع بعض النصوص لتلامس وجعًا جماعيًا من خلال التعبير عن قضايا إجتماعية وثقافية شائكة، فتبرز فيها ملامح التمرد على قيود الفقر والضياع وقسوة الوجود في قلب عالم مثقل بالأزمات، وكأن الجرح الشخصي يغدو نافذة مشرعة تطل منها الذات على جراح الإنسان المعاصر؛ فالقلب هنا ليس عضوًا للعاطفة فحسب، بل أداة للمعرفة والإستنارة؛ إذ يرى الشاعر، من خلال إنكساره، ما تخفيه المظاهر، ويكتشف أن الحب ربما يكون خلاصًا مؤقتًا، لكنه قد يتحول أيضًا إلى مقبرة للألم أو سجن مفتوح للروح، وتمنح الصور الشعرية النصوص قوتها ووحدتها، فيما تظل اللغة قريبة من نبض التجربة، فلا تنفصل البلاغة عن حرارة الشعور وفيضه وصدقه، ومن هنا، يبدو الكتاب جديرًا بمزيد من التنقيب النقدي والقراءات التأملية التي تستكشف طبقاته الدلالية وكلماته الجمالية الكامنة بين سطوره، وتكشف عن أبعاده النفسية والاجتماعية والثقافية.

أما فكرة «سيمفونية الأرق»، فنجدها تقوم على بنية الشذرات والتأملات المكثفة، وتمنح القارئ إحساسًا بأنه يدخل عقلًا يواصل طرح الأسئلة، حتى حين يعجز عن العثور على إجابات نهائية، فاتحًا نوافذ جديدة على عوالم التأمل ومعالم المعرفة والقلق الوجودي؛ فالأرق، كما يوحي به العنوان، ليس مجرد سهد ناتج عن الحرمان من النوم، بل حالة من الوعي القلق التي ينتجها العقل النقدي، ويعجز معها عن التصالح مع هذا العالم المضطرب أو المرور على تناقضاته دون مساءلة ونقد واضحين؛ لذلك، تتجاور أسئلة الوجود والموت والحب والعدم في محاولة جادة لإستكشاف أسرار الترابط بين الكائنات والكون، وتعميق فهم سيرورة الحياة وما يكتنفها من غموض، وهنا تبرز مواجهة الفرد للعبث، غير أن الكتابة لا تتحول إلى أطروحة فلسفية مغلقة، بل تحتفظ بحرارة التجربة وإرتباكها وشغف الإنسان بالمعرفة، وتترك المعنى مفتوحًا أمام القارئ المتأمل والمحاور والناقد المتزن، وفي قلب هذا العمل المعقد إلى حد العجب، تتجلى قيمة الصدق مع الذات والإخلاص للمبادئ ورفض الأقنعة الإجتماعية الزائفة، بوصفها شروطًا لفهم الألم ومواجهته، لا لمجرد محوه أو التستر عليه، ويمثل هذا التفاعل مدخلًا مهمًا للبحث عن سُبل ناجعة للخلاص من تلك الآثام، وتبدو الشذرات، أحيانًا، إعترافات إنسانية عميقة، وأحيانًا أخرى إحتجاجات على قسوة الحياة ومحاولات حثيثة لإنتزاع بصيص من المعنى من قلب العتمة ومحابسها، أو لإستشعار حقائق خفية وراء بعض السرديات الثقافية والإجتماعية السائدة، ومن ثم، فإن الموسيقى التي يوحي بها العنوان ليست إنسجامًا هادئًا يتسلل إلى الآذان في ليلة تأمل ساكنة، بل هي جدلية متجددة بين الإنسان والكون، وبين المعنى ونقيضه، وتتجلى في إيقاع متوتر تصنعه الأفكار المتعارضة وتكرار الأسئلة واليقظة التي لا تمنح الروح راحة نهائية، ولا تسمح للعقل بالإستسلام للسكون، وكأن الكاتب يختبر حدود اللغة، متسائلًا عما إذا كان التعبير قادرًا على إحتواء ما يتجاوز الكلمات، أو الإحاطة بكل ما تعجز العبارة عن شرحه وتفسيره، وهكذا يصبح ذلك الأرق موقفًا فكريًا ووجدانيًا من العالم، لا حالة عابرة؛ وفي هذه الحالة، تغدو الكتابة وسيلة المرء لمقاومة السكون والصمت ومواصلة البحث عن معنى يتجاوز ظواهر الأشياء إلى أعماقها، حيث لا تبقى حدود أو حواجز أمام العقل والروح.
عندما نطالع «غراب يواري سوءة الليل»، تتحول القصيدة النثرية إلى فضاء ثقافي واسع تتشابك فيه خيوط العزلة والتفكير والحب والإغتراب وأسئلة الإنتماء، لتشكل ملامح جدلية جديدة على الساحة، ولفهم هذا التداخل، نحتاج إلى مثاقفة عميقة بين الفينة والأخرى؛ فالغراب ليس صورة عابرة في مشهد أدبي محدد، بل كائن يقف على حافة العتمة، ويحاول ستر ما يكشفه الليل من هشاشة ووهن وإنكسار، بينما تظل الكتابة نفسها فعلًا من أفعال التحليل والكشف، ورافعة للمقاومة والتمرد، وتتكرر في النصوص صور الفراغ والظلام والبحث عن حب مختلف، كما تحضر صورة الوطن بوصفه مكانًا ملتبسًا يعد بالإنتماء، لكنه قد يترك الذات غريبة عنه ومثقلة بهمومه؛ لذلك، لا ينفصل الحزن الفردي عن الإحساس بالمنفى، ولا تبدو تلك الوحدة شأنًا عاطفيًا خالصًا، بل تتحول إلى سؤال أوسع عن روح الزمان والمكان، وعن قدرة الإنسان على السكن فيهما دون أن يفقد ذاته أو يتماهى معهما من غير مساءلة نقدية جادة، وعند قراءة الكتب الثلاثة معًا، نلحظ خيطًا ناظمًا يربط القلب المجروح بالعقل القلق والذات التائهة في حلقات متصلة بعضها ببعض؛ فجميعها تبحث عن معنى في عالم تتكاثف فيه العتمة، ويتهدد الإنسان فيه بظلام الفراغ والضياع؛ إنها حرب وجودية لا تنتهي، وقد لا يقدم سبابو أجوبة حاسمة، غير أن قيمة تجربته تكمن في إبقاء السؤال حيًا، وتحويل الألم إلى لغة تمنح التجربة شكلًا قابلًا للتأمل والفهم، وتدعو القارئ الحصيف إلى مواجهة عتمته الخاصة دون إدعاء القدرة على الإنتصار عليها نهائيًا؛ فكلما خُيّل إليه أنه إنتصر، إزداد المدى إتساعًا، وزاد التحدي، وعلى هذا الأساس، لا تبدو الكتب الثلاثة تجارب أدبية متجاورة فحسب، بل تحمل في طياتها ملامح مشروع إبداعي تتكامل فيه العاطفة والفلسفة والرؤية الشعرية المعبرة، وتتداخل فيه الذات الفردية مع أسئلة الإنسان والوطن والوجود، ومن هنا، تنبع وحدة هذا المشروع من التوتر الدائم بين الرغبة في النجاة والإقرار بصعوبة الطريق، وبين التطلع إلى المعنى والوعي باستعصائه، وبين الحاجة إلى الحب والخوف من الخذلان؛ إنها كتابة شاقة وشيقة تجعل من القلب مدخلًا إلى العقل لإستفهام العالم، ومن الأرق وسيلة لمساءلته ونقده، ومن غراب الليل شاهدًا حيًا على ما تخفيه العتمة، وما تعجز العقول عن تفسيره، والروح عن نسيانه على مدار العهود.