حوار: عطا درغام
الكتابة الحقيقية ليست مجرد رصّ للكلمات، بل هي نبض يتسلل من أعماق الروح ليصافح قلوب الآخرين، ويسكب في عقولهم فيضاً من التأمل والجمال. وفي فضاء الأدب المعاصر، يبرز اسم الكاتب والشاعر طه هيكل سعد خلاف كصوت يحمل خصوصية واضحة؛ صوت يمزج بين عفوية الخاطرة، وعمق الفكرة الفلسفية، ورقة الحرف الوجداني.
عبر نصوصه ومقالاته، يأخذنا في رحلة تبحث عن السكينة وسط صخب الحياة، وينقلنا بين شجن الماضي وتأملات الحاضر، متسلحاً بقلم يرفض التكلف ويسعى دوماً نحو الصدق الإنساني. في هذا الحوار الممتد، نلتقي به لنبحر معاً في عوالمه الأدبية، ونستكشف محطات بداياته، ونتعرف على فلسفته في الكتابة والحياة، ورؤيته لدور الأديب في عالمنا اليوم.
ومع هذا الإبحار الفكري والوجداني في خمسة محاور تجمع بين شجون الذات وآفاق المستقبل.
المحور الأول: الهوية الأدبية والبدايات
* كيف كانت الشرارة الأولى التي قادت طه هيكل إلى عالم الكتابة والشعر؟
– الشرارة الأولى التي قادتني إلى عالم الكتابة والشعر ،فكان أثناء دراستي الثانوية ،حيث كنا ندرس الأدب بجميع روافده من شعر ونصوص وعروض وغيرها؛ فكانت تلك الدراسة هي الشرارة التي انطلقت من خلالها، وكتبت على غرار القصائد العربية الرصينة من شعر العصر الجاهلي وشعر شعراء صدر الإسلام ، وكذلك شعراء العصر العباسي . فكنت أحاول أن أسير على نفس النهج في قصائدهم .. مجرد محاولات أولية ولكنها لم تكن سوى محاولات بسيطة لمجرد التقليد فقط .
* يلاحظ القارئ تنوعاً في نتاجك بين الخواطر والنثر والقصيدة، فأي هذه الألوان تجد فيه ذاتك أكثر؟
– الحقيقة أكثر ما أجد نفسي فيه هو كتابة المقال والقصص القصيرة ؛لأنني كنت أكتب في الصحف والمجلات المصرية والعربية في فترة ماقبل عالم السوشيال ميديا .. كنت أكتب كثيرًا ،وفي مجالات كثيرة حتى ظهرت الميديا ؛فأصبحت أنشر من خلالها .
* في نصك “تلوح بقايا من قلمي”، هل تعبر هذه “البقايا” عن بدايات تشكل وعيك الأدبي أم هي مرحلة نضج؟
– تلوح بقايا من قلمي ،هذا النص كتبته لأعالج به تقصيري وابتعادي عن الكتابة .. لفترة كنت مغتربا ؛فنحيت القلم جانبا ، وعكفت على القراءة فكانت زادًا لي بعد ذلك في المحاولات القصصية والإبداعية . أما مرحلة النضج ،فقد تحققت في اختيار المجال الذي يكون مردوده جيدًا لدى القارئ واختيار العمل المناسب ،الذي يؤدي دوره في الساحة الأدبية .
•من هم الملهمون الأوائل الذين أثروا في تكوين ذائقتك الفكرية والأدبية؟
الملهمون الأوائل الذين أثروا في شخصيتي، أبرزهم أصحاب المعلقات وشعراء العصر العباسي : مثل المتنبي ،وفي العصر الحديث يبقى أمير الشعراء أحمد شوقي ملهمًا دائمًا من خلال قصائده الدينية والوطنية .
ويليه الشاعر العربي نزار قباني في الجانب العاطفي ،ولعل قراءتي لدواوينهم كانت دافعًا لي في الكتابة ومحاولة اختيار ما يناسب العصر .
* كيف ترى واقع النشر الإلكتروني اليوم من خلال تجربتك في المجلات والصحف الثقافية العربية؟
– يمكنك من التعرف على مدارس الشعر الحديثة والمختلفة، ويساعدك على حسن الاختيار بين النصوص ،ولكن لأن العالم الإلكتروني مفتوح، فإنه قد أثر كثيرًا على الكتاب الورقي؛ فأصبح البحث سهلًا على أي عنوان وأي كاتب أو شاعر أو قاص ،وأبرز سلبيات النشر الالكتروني أن كل من يمتلك حسابًا أو عدة حسابات يصدم القارئ بكتابة لاترقى للنشر ،وتكون سببًا في إضاعة الوقت بلا فائدة .
المحور الثاني: النزعة الفلسفية والجدل الفكري
* في مقالك “فلسفة سوفسطائية جدلية”، ما الرسالة الفلسفية التي أردت إيصالها من خلال هذا العنوان المثير؟
– أفي مقالي “فلسفة سوفسطائية جدلية”، أردت أن أبعث برسالة إلى طائفة من الناس تتخذ الجدال منهجًا لها في الحياة والاختلاف لمجرد الاختلاف دأبًا لها في كل حوار .وطبعا ،نعلم جيدًا أن الاختلاف في الرأي لايفسد للود قضية، ولكنه للأسف أصبح يفسد كل القضايا.
* كيف يوظف الكاتب طه هيكل “الحزن” في نصوصه ليتحول من مجرد ألم عابر إلى أداة للتأمل الفكري؟
– الحزن حالة تعتري الإنسان في كثير من الأوقات ؛فتجعل منه شخصًا آخر غير شخصيته إذا سيطر عليه الحزن وبلغ مبلغه منه وأثر عليه في كل خطوات حياته. .
* هل ترى أن الفلسفة في الأدب المعاصر قادرة على تقديم إجابات حقيقية للإنسان، أم أنها تزيد من حيرته؟
– الفلسفة مدارس ،ولها مناح كثيرة وعالجت بعض القضايا ،ولكن المشكلة تكمن في أن الفلسفة المادية تقف عند حدود المحسوسات ، ولا تتعمق في الروحانيات .فهي جامدة وتحتاج لفهم دقيق لاستنباط ما يعين الإنسان على فهم الوجود ،كما كان جان بول سارتر وفلسفته الوجودية . ولكننا نحتاج لمثل فلسفة الغزالي وابن رشد ؛لأنها تتماشى مع قيمنا الدينية ولا تنكر الروحانيات.
* في “رحلة بلا عقل”، هل يدعو الكاتب إلى التمرد على المنطق الصارم لصالح العاطفة الخيرة؟
– “رحلة بلا عقل” ، كانت صرخة ضد توغل عالم الفضاء والسوشيال ميديا في حياة الأفراد والمؤسسات والمجتمعات ؛ فأصبحنا نتحرك كآلات بلا عقل .من هنا أردت توضيح الصورة بنوع من التحفظ الشديد ،حتى لا أواجه باتهامات أنني ضد استخدام ما استحدث من أدوات، ولا أعتبرها تمردا ولكنها قد تكون جرس إنذار .
* كيف توازن في كتاباتك بين ضبط نقاط الاتصال الفكري وبين حرية وانسيابية “حرف القصيد”؟
– أحاول دائمًا أن أوازن بين الفكرة وطريقة عرضها ، بحيث تكون متوازنة بين الواقع والخيال فانسيابية الحرف تتوزع بين التجربة ،وبين القراءة لأحوال المجتمع ؛فأحاول أن يكون الاتصال الفكري ضابطًا للحرف بلا تجاوز ولا مبالغة.
المحور الثالث: الوجدان، الذاكرة، وعقدة الماضي
* تسيطر على كتاباتك مساحات من شجن الذاكرة والحنين، فهل الماضي بالنسبة لك ملهم أدبي أم ملاذ هروب؟
– فعلا تسيطرعلى كتاباتي مساحات من شجن الذاكرة والحنين لأنني بطبعي أميل إلى الواقعية في كتاباتي والواقع يشهد بأن مساحة الشجن في حياتنا أكبر بكثير من مساحة الفرحة بدليل أننا نبكي من شدة الفرح وعندما نضحك كثيرا فإننا للأسف نتوقع خبرًا سيئًا…الماضي يلهم أحيانا ويحبط أحيانا ؛ فأستلهم من الماضي ما يوافق كتاباتي ،وما يخالفها فإنني أتجاوزه .
* كيف تولد “الصور الغامضة من وحي الخيال” في نصوصك، وهل هي انعكاس لتجارب واقعية أم محض خيال؟
– الخيال هو الواقع المحسوس الذي نعيشه من خلال كتاباتنا، ونحاول أن نسيطر على جموح الخيال والسيطرة عليه . من هنا يبدأ الكاتب في استلهام الصور الغامضة ؛ لتتضح فيما بعد من خلال الكتابات …ومعظم كتاباتي ليس بالضرورة أن يكون عن تجربة شخصية ، ولكن الصياغة هي التي تحدد للقارئ إذا كان عن تجربة شخصية أو محض خيال .
* في زمن يتسم بالسرعة والمادية، كيف تحافظ في نصوصك على تلك المسحة الوجدانية العميقة؟
– في زمن السرعة والمادية والتطور المذهل في حياتنا، لابد من وجود مساحة وجدانية في كتاباتنا ، حتى تستقيم الحياة . فلو أن كل الكتاب أو الأدباء أو الشعراء لجأوا إلى الجانب المادي وإهمال الجانب الوجداني والروحي لأصبحت الحياة لا تطاق ،وانكفأ الإنسان على ملذااته وماديته .. من هنا كان الوجدان ،لابد وأن يكون ناصحًا وموجهًا ومعينًا على الوصول إلى عقل ووجدان المتلقي.
* إلى أي مدى يشبه الشاعر كتاباته؟ وهل نصوصك هي مرآة حرفية لروح طه هيكل خلاف؟
– يشبه الشاعر كتاباته ؛لأن حروفه تمثل شخصيته حتى ، ولو لم يكن إبداعه عن تجربة شخصية بمعنى أن الكاتب يفرض كلمته على ما ينتجه حين يخضع الحرف لمراده ..والنصوص تعتبر مرآة حرفية لروح طه هيكل أو غيره من أصحاب الكلمة لأنها تعبير عن مايختمر في عقله ؛ فتنتج أثرًا يهتم المتلقي بقراءته والغوص في معانيه.
* كيف يستطيع الكاتب تحويل مشاعره الشخصية جداً إلى قضايا إنسانية عامة يجد القارئ نفسه فيها؟
– المرور بالتجارب الشخصية يكون حصيلة لدى الكاتب بصفة خاصة أو المبدع بصفة عامة ؛فيستطيع من خلالها التعبير عما يجيش بصدره ويسيطر على عاطفته . من هنا تأتي معالجة القضايا المجتمعية بحيث يأخذ من القضية بعض التفاصيل ؛ ليسمح لخياله أن يسير معاه إلى نهاية المطاف بما يعود بالنفع على الفرد وعلى المجتمع .
المحور الرابع: العزلة، السكينة، ومواجهة المجتمع
* في خاطرتك “استرح يا قلم”، وجهت دعوة صريحة للسكينة واعتزال القيل والقال، فهل يمر الكاتب حالياً بمرحلة “عزلة اختيارية”؟
– ” استرح يا قلم “، اخترت هذا العنوان لإحدى قصائدي ؛ لتعبر عن شعور جارف وحالة خاصة من البعد عن الكتابة وترك القلم ، لما ظننت أنه حل لحالة الاضطراب الثقافي ومحاولة تغريب الأدب والسرقات الأدبية المتخصصة . فكان الشعور بالغضب،وحاولت الابتعاد عن الكتابة ولكنني عدت ،ولم أسمح لنفسي بالشعور بالانهزامية أو العزلة الاختيارية .
* كيف ترى دور الأديب في مواجهة الصخب المجتمعي والصراعات الاجتماعية المعاصرة؟
– للأديب دور على درجة كبيرة من الأهمية في مجتمعه ،وخاصة عند حدوث ما يعكر صفو المجتمع من انتشار ظواهر سلبية ؛فيأتي دور الأديب محاولا إعادة الأمور إلى طبيعتها ،وعند وجود صراعات لا يقوى على مواجهتها فإنه ينسحب من المشهد مؤثرا السلامة على الوقوع في براثن العبثية .
* هل “راحة القلم” تعني استراحة محارب أم أنها تعبير عن خيبة أمل من واقع ثقافي معين؟
– “راحة القلم ” ضرورية لاستعادة النشاط الذهني ،والحكم على الأمور بطريقة سليمة ، شريطة ألا يطول الابتعاد بحيث يتأثر الكاتب سلبًا بهجره وابتعاده، ثم يأتي الحنين ؛ليعوض ما فات الكاتب ويستطيع إدراك ما فاته.
* كيف يمكن للعزلة والهدوء النفسي أن يعيدا تشكيل أدوات الكاتب لإنتاج عمل أكثر عمقاً؟
– “استراحة القلم”، فترة بسيطة في حياة الكاتب يمر بها على فترات ؛ لينظر للمشهد من خارجه ، ويحدد موضع قدمه فيبدأ في التفكير ما هو الدور الذي يجب عليه أن يقوم به ..؟ وما هو الحل في مواجهة الأحداث التي تدور حوله.؟ فالهدوء النفسي ضروري للمبدع ، واللجوء إلى الانفراد بذاته يحاورها ويتواكب معها ويصل لهدفه في النهاية.
* ما هي الحدود الفاصلة عندك بين اعتزال صخب الحياة وبين الالتزام بقضايا المجتمع والناس؟
– هناك أمور يجب أن يدركها الكاتب في مواجهة صخب الحياة ؛فهو ليس ككل الآحاد في معالجة السلبيات . والمجتمع ينظر إليه نظرة إكبار وتوقير ، لأنه مر بتجارب أخذ منها خبرات متراكمة، يستطيع مواجهة الأحداث ؛فيلتزم بدوره مقيما من نفسه مصلحًا إذا طلب إليه ذلك .
المحور الخامس: جماليات اللغة ورؤية المستقبل
* حمل عملك عنوان “شبه قصيدة”، ما الذي وراء هذه التسمية؟ وهل هي تمرد على الأشكال الشعرية التقليدية؟
– شبه قصيدة ،كانت صرخة في وجه الحرف عندما يغيب عن الخاطر ويبتعد في الوجدان، ويعتبر شبه تمرد على الأشكال الشعرية التقليدية لأن الساحة مليئة الآن بما يشبه الإبداع؛ فكتبت هذه الكلمات لإثبات أن الحرف عندما يغترب فإنه يترك غصة من القلب.
* ما هي قيمة الكلمة وصوت الأدب في نظرك في عصر أصبحت فيه التكنولوجيا ومواقع التواصل هي المهيمنة؟
– أهمية وقيمة الكلمة ستبقى هي الأساس الذي يدور حوله الإبداع ،مهما تطورت التكنولوجيا ولا تنكر أن التطور ساهم في تراجع أهمية الكلمة ،ولكن ليس بصورة كاملة .فلو فرضنا مثلاً أن العالم أصبح بلا تواصل ،ولا مواقع هل الكلمة ستنتهي؟ بالطبع لا ..إذن فالكلمة ستبقى هي الأساس مهما تطورت الأساليب وعالم الالكترونيات..
* كيف تختار عناوين أعمالك (مثل: رحلة بلا عقل، استرح يا قلم) لتكون مفاتيح جاذبة لوعي القارئ؟
– أما اختيار العناوين ؛فيكون من خلال موضوع النص، وعلى ماذا يدور ،وعن أي جانب يتحدث فهذا النص يتحدث عن عالم التكنولوجيا ووسائل التواصل والآثار السلبية التي خلفها وأثرها على الفرد،كذلك نص استراحة قلم وهو عبارة عن استراحة من الحرف للإحساس بالإحباط من كثرة ضغوط الحياة وخلافه.
* ما هو المشروع الأدبي أو القادم الذي ينضج الآن على نار هادئة في محبرة طه هيكل سعد خلاف؟
– أفكر اليوم في كتاب أو رواية عن الأحداث الجارية ،التي تدورعلى وسائل التواصل وعالم الالكترونيات وغيرها.
* ختاماً، ما هي النصيحة أو الرسالة التي يوجهها الشاعر والمؤلف طه هيكل للجيل الجديد من الكتاب الشباب؟
– في ظل ما نشاهده من هجوم الذباب الإلكتروني ،ونصيحتي في النهاية للشباب تتلخص في – ثلاثة أمور : اقرأ ما استطعت إلى ذلك سبيلاً…وتعلم من خبرات الآخرين…لا تتنازل عن القراءة وخصص لنفسك وقتاً ثابتا للقراءة ،وابتعد عن الجدل العقيم .