نوزاد شيخاني: تتويجنا في نينوى انتصارٌ للفن على الكراهية

لندن: عدنان حسين أحمد

يندرج المخرج والمنتج العراقي-الألماني “نوزاد شيخاني” ضمن تيار السينما الواقعية الملتزمة وسينما الذاكرة والهوية. عبر مسيرة حافلة، نجح فيها في توظيف أدواته الفنية كحارس للذاكرة الإنسانية، مازجًا بين الواقعية التوثيقية والتعبيرية الرمزية لحفظ حقوق الضحايا ضد النسيان؛ بدءاً من فيلمه الاستقصائي “الفرمان الأسود” المحفوظ في أرشيف محكمة لاهاي، وصولاً إلى عمله الملحمي “سيمفونية شنكال” الذي زاوج فيه بين حركة الكاميرا وموسيقى الأوركسترا الفيلهارمونية. واليوم يعود مستثمرًا خلفيته الهندسية في بناء درامي متوازن ومخطط هندسيًا لحركة الكاميرا وتكوين المشاهد وبنائها البصري، لينتزع الجائزة الأولى لأفضل فيلم روائي طويل في الدورة الثانية لمهرجان نينوى السينمائي الدولي عن فيلمه “تورن: العودة للجذور”، مؤكدًا من قلب المدينة الناهضة من الركام أن الفن هو السلاح الأبقى في مواجهة الكراهية. في هذا الحوار الخاص الذي أجريناه عبر الأثير، نلتقي بنوزاد شيخاني لنبحر في كواليس هذا التتويج الذي لم يحضره، مع الأسف الشديد، حيث تسلّمت الجائزة نيابة عنه السيدة سامية شنكالي؛ الناشطة في مجال حقوق المرأة وقضايا المجتمع الايزيدي، ونقف عند التفاصيل التي شكّلت ملامح عمله الفائز، ومستقبل السينما التي تحمل وجع الأرض وتطلعات الإنسان إلى آفاق عالمية.

هول الإبادة وفاجعة سبي النساء
*بدايةً، لماذا حرصتم على المشاركة بفيلم “العودة للجذور” في مهرجان نينوى السينمائي الدولي تحديدًا؟
– لم يكن اختيارنا لنينوى مجرد قرار يتعلق بالمشاركة في مهرجان سينمائي، بل كان خياراً إنسانياً، نابعاً من خصوصية هذه المدينة وما تحمله من ذاكرة مؤلمة. فقد عانت نينوى من ويلات الإرهاب والتطرّف، مثلما عانى شعبنا الإيزيدي من الإبادة الجماعية وسبي النساء وما خلّفته تلك الجرائم من جراح نفسية وإنسانية عميقة. أردنا أن تصل رسالة فيلمنا إلى مدينة عاشت الألم والدمار، ثم استطاعت أن تنهض من جديد. ولهذا كان حضور الفيلم في نينوى يحمل بالنسبة إلينا معنى يتجاوز حدود العرض السينمائي.
* ما الذي يمثله لكم تنظيم مهرجان سينمائي دولي في مدينة عانت كل تلك المآسي؟
_ أرى في إقامة مهرجان سينمائي دولي في نينوى رسالة حضارية وإنسانية بحد ذاتها. فالمدينة التي حاول الإرهاب إسكات أصواتها وإطفاء روحها الثقافية، تعود اليوم لتستقبل السينمائيين والفنانين من مختلف أنحاء العالم. إنها تعبير عن إرادة جيل جديد يريد تجاوز الماضي المظلم، والانفتاح على عصر من الثقافة والفن والتعايش والفكر الإنساني. وهذا التحول يستحق الدعم والتقدير، لأن مواجهة التطرف لا تكون بإعادة البناء المادي وحده، بل بإحياء الوعي والثقافة وقيم الحياة.
رسالة نينوى وسحر التتويج
* هل كنتم تتوقعون دخول الفيلم في المسابقة الرسمية والمنافسة على الجوائز؟
– في الحقيقة، لم يكن الفوز بالجائزة هدفنا الأساسي. فمنذ البداية تواصلنا مع إدارة المهرجان، وأبدينا رغبتنا في عرض الفيلم أمام ضيوفه من داخل العراق وخارجه، سواء بوصفه فيلماً افتتاحياً أو ضمن عرض خاص خارج المسابقة الرسمية. كان ما يهمنا هو وصول رسالة الفيلم إلى الجمهور، ولا سيما في نينوى. غير أن لجنة اختيار الأفلاف رأت أن العمل يحمل قيمة فنية ورسائل إنسانية تستحق المنافسة، فقررت إدراجه ضمن المسابقة الرسمية، بما يتيح له حضوراً أوسع واهتماماً إعلامياً أكبر. وقد احترمنا هذا القرار وقدّرناه.
*كيف استقبلتم خبر فوز الفيلم بجائزة أفضل فيلم روائي طويل؟
– كان الخبر مفاجأة جميلة ولحظة مؤثرة للغاية، خصوصاً أن المهرجان شهد منافسة دولية واسعة، مع تقديم 529 فيلماً من مختلف أنحاء العالم. وبالنسبة إليّ، لم تكن الجائزة مجرد تكريم لعمل سينمائي، بل تقديراً لسنوات طويلة من الجهد والإصرار والإيمان برسالة الفيلم، ولكل من ساهم في إنجازه رغم الظروف والتحديات. إن ما أسعدني أكثر هو أن الفيلم استطاع أن يواصل رحلته، وأن تحظى رسالته الإنسانية بهذا الاهتمام والتقدير.
حماية الذاكرة من النسيان
*يتناول الفيلم الذاكرة والإبادة والهوية والانتماء. ما الرسالة الأساسية التي أردتم إيصالها؟
– “تورن: العودة للجذور” ليس مجرد فيلم عن مأساة شعب، بل حكاية إنسانية عن الذاكرة والهوية والحب والانتماء، وعن الإنسان الذي يبحث عن جذوره وسط الحروب والتهجير ومحاولات اقتلاع الهوية. من خلال قصة ثلاثة أجيال من عائلة إيزيدية، حاولنا أن نُظهر كيف تنتقل آثار الإبادة الجماعية من جيل إلى آخر، وكيف تبقى الذاكرة حاضرة حتى لدى أولئك الذين وُلدوا بعيداً عن أرض أجدادهم. أردنا أن نقول إن المآسي الإنسانية لا تنتهي بانتهاء الحروب، بل تترك آثاراً عميقة في حياة الأفراد والعائلات، وإن السينما تستطيع أن تمنح هذه الذاكرة صوتاً وصورة، وتحميها من النسيان.
* أصدرتم نسخة نهائية جديدة من الفيلم عام 2025. لماذا كان ذلك مهماً بالنسبة إليكم؟
– لأنني كنت مؤمناً بأن رحلة الفيلم لم تنتهِ بعد، وأن رسالته لا تزال تستحق الوصول إلى جمهور أوسع. لقد مرّ العمل بمراحل طويلة ومعقدة، وواجهنا ظروفاً استثنائية منذ فترة إنتاجه، تزامنت مع اجتياح تنظيم داعش للعراق عام 2014، ثم جاءت جائحة كورونا لتضيف تحديات أخرى. لذلك حرصنا على إعادة تطوير الفيلم وتقديم نسخته النهائية عام 2025، بما يعزز جاهزيته للاستمرار في العروض والمهرجانات والوصول إلى منصات التوزيع الدولية. وكان فوزه في الدورة الثانية من مهرجان نينوى السينمائي الدولي تأكيداً لأهمية هذا القرار، ودافعاً لمواصلة رحلته السينمائية.
*ماذا يعني لكم هذا التتويج في نينوى تحديداً؟
– لكل جائزة قيمتها المعنوية، لكن لهذا التتويج خصوصية كبيرة في نفسي، لأنه جاء من مدينة عانت، مثل شعبنا الإيزيدي، من الإرهاب والتطرف، ثم اختارت أن تستعيد حضورها من خلال الثقافة والفن. لقد ذهبنا إلى نينوى حاملين رسالة إنسانية، ولم نذهب بحثاً عن جائزة. وحين جاء التتويج، شعرنا بأن تلك الرسالة وجدت صداها. في نينوى، لم نحتفل بالجائزة فحسب، بل بانتصار الفن والذاكرة والإنسان على ثقافة الكراهية والنسيان.
(إيفلين).. الصوت القادم للناجيات
*ما هو مشروعك السينمائي القادم؟
– أعمل حالياً على فيلمي الروائي الطويل الجديد “إيفلين”، وهو دراما نفسية وإنسانية مستوحاة من شهادات ناجيات إيزيديات من أسر تنظيم داعش الإرهابي خلال إبادة عام 2014. يتناول الفيلم معاناة المرأة وصراعها من أجل البقاء والحفاظ على هويتها وكرامتها، بلغة سينمائية تسعى للوصول إلى الجمهور العالمي. بعد أكثر من عامين من العمل واستثمار مبلغ كبير في تطوير المشروع، وصلنا اليوم إلى مرحلة متقدمة، وأصبح الفيلم جاهزاً للتمويل والانتقال إلى الإنتاج. ونحن اليوم نتطلع إلى شراكات إنتاجية ودعم من المؤسسات الثقافية والسينمائية، والشخصيات الوطنية والإنسانية، والمستثمرين المؤمنين برسالة الفن، للمساهمة في إنجاز هذا العمل وإيصال رسالته إلى العالم. فدعم “إيفلين” ليس مجرد مساهمة في إنتاج فيلم سينمائي، بل مشاركة في حفظ ذاكرة إنسانية، وإنصاف أصوات حاول الإرهاب إسكاتها.

قد يعجبك ايضا
∧