التشبث بالسلطة في الشرق الأوسط وتبرير الطغيان والفساد

رشيد فتحي محمد علي

أولًا: المقدمة

عانت غالبية شعوب الدول العربية ودول الشرق الأوسط من أنماط حكم انقلابية أو وراثية، اتسم بعضها بالطابع العشائري. وفي ظل هذه الأنماط، قد تتحول الدولة إلى كيان فارغ من المضمون، وتُنتقص حقوق المواطنة، ويستغل القائمون على الحكم مؤسسات الدولة وأموالها لمصالحهم ومصالح شركائهم. وعلى الرغم من أن بعض الأسلاف انتهجوا العدل والزهد، وجاهدوا بمبادئ صادقة من أجل شعوبهم وبناء دولهم، فإن بعض الخلف الذين ورثوا جهودهم وعصارة نضالهم استغلوا تاريخهم وسمعتهم الطيبة، وجعلوا منهما غطاءً للفساد والطغيان. ثم أخذوا يخوّفون الشعب ويهددونه بالمخاطر والهلاك إذا تنحّوا عن الحكم أو أُقصوا عنه.
وهكذا يبدأ الانحراف في مفاصل الدولة؛ فتساوم هذه الأنظمة الشعب بين استمرارها في الحكم ووقوع الخراب، وتزايد عليه بالوطنية. ولإدامة سلطتها، تُوفد أبناءها للدراسة في الدول الغربية، مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وغيرها، ليتعلموا فنون الحكم والسياسة وعلومهما. وخلال فترة الدراسة، تستقطبهم، أجهزة مخابرات تلك الدول والماسونية، وتعمل على كسب ولائهم،حسب ما صرحوا به ساسة تلك البلدان في مذكراتهم او تصريحاتهم. ثم تهيئهم ليكونوا تابعين لها، وتزرعهم في أوطانهم لتنفيذ أوامرها مقابل حمايتهم، كما ورد في أحد التصريحات المنسوبة إلى غولدا مائير. وقد يعقد هؤلاء الحكام أيضًا اتفاقات ومصالح متبادلة تحقق المنفعة لهم ولتلك الدول، فيطبقون النهج السلطوي الذي تمليه عليهم الجهات الداعمة، ويصبحون مستبدين يضطهدون شعوبهم، من دون إدراك التداعيات السلبية لهذا النهج على المدى البعيد.
وهذا النهج السلطوي سلاح ذو حدين؛ فحين يسيطر الحكام المرتبطون بأطراف دولية على شعوبهم ويضطهدونها، تتسع الفجوات والخلافات، وتتولد مشاعر الكراهية بين الطرفين. وعندما تنتفي حاجة تلك الأطراف إلى هؤلاء الحكام، قد تهيئ بدائل لهم، وتحرك الشارع ضدهم. وعندئذ قد تنتفض الشعوب، من دون أن تجد أولئك الحكام تحت حماية الجهات الدولية التي ساندتهم، كما حدث في بعض أحداث الربيع العربي.
ثانيًا: طبيعة الحكم
تتخذ السلطة التنفيذية أشكالًا هرمية متعددة؛ فقد تكون ملكية أو رئاسية استبدادية أو أميرية، وقد تُدار من خلف الستار بواسطة مرجعيات دينية أو حزبية. وفي هذه الحالات، قد تحيط بالحاكم حاشية ومنظومات تعمل كأنها آلات، تزوده بالمشورة وتزيّن له أفعاله. وقد يُورَّث الحكم للأبناء، مع التستر على أعمال السلطة وصناعة هالة من القداسة حول الحاكم ونظامه، حتى يُمنع توجيه النقد أو اللوم إليهما.
وفي هذه الأنظمة، تكون السلطة التنفيذية في أيدي الحكام أو تحت إمرتهم، ويتحكمون بمفاصل الدولة كما يشاؤون، بخلاف الدول التي تقوم على مؤسسات مستقرة، ويُعرف حكامها بالعدل والأمانة والنزاهة، مثل سنغافورة وألمانيا واليابان. فعلى الرغم من الدمار الذي خلفته الحروب في بعض هذه الدول، استطاعت النهوض من تحت الركام بفضل الإدارة الرشيدة والعمل المنظم، حتى أصبحت في مقدمة الدول من حيث الدخل القومي والفردي.
أما في عدد من دول الشرق الأوسط والدول العربية، فتظهر الممارسات الآتية:

١. التعامل مع المال العام والثروات الطبيعية وكأنهما حصص خاصة، من خلال شركات ومشروعات مرتبطة بأصحاب النفوذ.

٢. الجمع بين العمل السياسي وممارسة التجارة لتحقيق المصالح الخاصة.

٣. تفاهم بعض الأحزاب على تقاسم الثروات العامة والمنافع.

٤. تنويع الضرائب والإكثار منها من دون مراعاة كافية لأوضاع المواطنين.

٥. تعطيل الرقابة المالية أو إضعاف فاعليتها.

٦. مراقبة المواطنين والتجسس عليهم بدلًا من توجيه الاهتمام إلى حماية البلاد ومواجهة الأخطار.

٧. إنشاء مشروعات وهمية وتحويل الأموال المخصصة لها إلى حسابات الحاكمين وشركائهم الفاسدين.

٨. تقييد الحريات ومعاقبة من ينتقد الواقع أو ملاحقته.

٩. اختيار المسؤولين على أساس المحسوبية الحزبية والمنسوبية العائلية، وإهمال الكفاءة وأصحاب الاختصاص.

١٠. تطبيق القانون على عامة الشعب والفقراء، مع توفير الحماية للطبقة الحاكمة.

١١. تشكيل ميليشيات مسلحة رديفة للقوات الحكومية لحماية السلطة وإدامتها. وقد تتحول هذه الميليشيات إلى عبء على خزينة الدولة، بل قد تتمرد على السلطة نفسها.

ثالثًا: السلطة التشريعية

يمثل البرلمان الشعب، ويعكس أداء الحكومة، كما يُعدّ ساحةً لمعالجة عيوبها وتقويم أخطائها. وإلى جانب مهمته الأساسية المتمثلة في تشريع القوانين، تقع على عاتقه مسؤولية سنّ القوانين التي تخدم الشعب وتواكب تطورات المجتمع، وممارسة الرقابة على المؤسسات الحكومية بما يضمن العدالة وحسن إدارة شؤون البلاد.

أما في عدد من دول الشرق الأوسط والدول العربية، فقد تتكون البرلمانات من تكتلات حزبية ضيقة الأهداف، تستند إلى دعم عشائري. ونتيجة لذلك، قد تصبح البرلمانات منقوصة الصلاحيات أو معطلة عن أداء دورها التشريعي والرقابي، بسبب تحالفات تهدف إلى إدامة الحكم والتغاضي عن الفساد المالي والإداري. وهكذا تتغول السلطة التنفيذية، وتجد الحماية من حلفائها، وقد تُشترى الذمم والأصوات، فينشأ وضع ينتخب فيه بعض الناس من يستأثرون بسلطتهم ويستعبدونهم سياسيًا. وبهذا المعنى، يصبح الشعب كأنه يختار أسياده بنفسه، ويفقد البرلمان استقلاليته وقدرته على أداء مهامه بفعل الأحزاب الفاسدة.

رابعًا: القضاء

يأمرنا الله عز وجل في كتابه الكريم بالعدل، فيقول:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ۚ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا ۖ فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَنْ تَعْدِلُوا ۚ وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥].

ويُنسب إلى شيخ الإسلام ابن تيمية قوله: «إن الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة».

وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هجرة المسلمين الأوائل إلى الحبشة، حيث كان ملكها معروفًا بالعدل؛ فقد عانى المسلمون في مكة الظلم والاضطهاد، فكان وجود ملك عادل سببًا في اختيارهم اللجوء إلى بلاده. ويُروى عن أحد الحكماء أنه قال لابنه: «يا بني، لا تذهب إلى بلد منقوص العدالة؛ لأنه يضيّع حقوقك ويفضي إلى نهاية الدولة». فالعدل إذا طُبّق على الجميع أسهم في استقرار الدولة وإطالة عمر الحكم الرشيد.

وفي بعض دول الشرق الأوسط، ومنها العراق، يتأثر ترشيح القضاة وتنصيبهم بتدخل الكتل الحزبية، أو تُوزّع المناصب القضائية وفقًا لنسب الكتل السياسية. وفي مثل هذه الظروف، لا يكون القضاء مستقلًا استقلالًا كاملًا، بل يصبح عرضة للتسييس، وقد يتحول القانون إلى أداة تستخدمها الأحزاب لتمرير مصالحها، وحماية مكاسبها، أو الانتقام بعضها من بعض.

وتنتقص العدالة حين تخضع لسلطة فاسدة، وقد يتحول القضاء إلى ملاذ آمن للحكومة الجائرة وأداة لحمايتها. وفي بعض الدول، تتكون منظومة الحكم من مسؤول فاسد وجائر، وقاضٍ غير عادل، وعلماء وإعلاميين انتهازيين، بينما يعاني الشعب من ضعف الوعي، ويُحرم من الحرية والقدرة على العطاء والإبداع الفكري.

خامسًا: الوضع الاقتصادي

الثروات الطبيعية: تشمل النفط والغاز والمعادن المستخرجة من باطن الأرض، وهي ثروات عامة يفترض أن تكون ملكًا للشعب وللأجيال القادمة. غير أن الحكومات الفاسدة قد تبدد هذه الموارد وتهدرها من خلال شركات شخصية أو وهمية، فتذهب إيراداتها إلى جيوب المتنفذين. وقد تُوزَّع بعض الحقول والآبار بين الأحزاب أو أفراد العائلة الحاكمة، فيُحرم الشعب من عائداتها. ولا تسلم الأراضي ومصادر المياه من محاولات الاستحواذ والاستغلال لمصالح خاصة.

التجارة: قد تتركز التجارة في أيدي تجار يرتبطون بمسؤولين نافذين، أو يدخل هؤلاء المسؤولون شركاء فيها، بما يتيح للتجار المحميين ممارسة أعمالهم بعيدًا عن المساءلة. وقد يؤدي ذلك إلى إغراق الأسواق ببضائع رديئة، وأحيانًا فاسدة، ورفع الأسعار إلى مستويات تتجاوز قدرة المواطنين، من دون مراعاة أوضاعهم المعيشية.

الجمارك: في بعض دول الشرق الأوسط، ولا سيما العراق، أصبحت المنافذ الجمركية عرضة لنفوذ أحزاب كبيرة أو مسؤولين في ميليشيات مسلحة. وقد تُستولى على الإيرادات علنًا تحت غطاء شركات أو ترتيبات غير شفافة، ما يحرم خزينة الدولة من موارد مهمة، ويُخرج بعض السلع من الرقابة المالية وإجراءات السيطرة النوعية.

الضرائب: تتنوع الضرائب وتُستحدث غرامات متعددة في هذه الدول، ولا سيما العراق، من دون مراعاة كافية للقدرة المالية للمجتمع. وحين تُغلق أبواب النزاهة وتُفتح أبواب الفساد، يصبح جمع الأموال عبر شركات وهمية وسيلةً لتحويلها إلى جيوب الشركاء. وعندئذ يتحول المال العام من أمانة إلى غنيمة. وقد تمنحهم سطوتهم شعورًا بالقدرة على قهر الناس، بل قد يتلذذ بعضهم بمعاناتهم وتعذيبهم نفسيًا، ناسِين قدرة الله عليهم وعاقبة الطغيان، كما جرى لغيرهم من الظالمين عبر التاريخ. وتؤدي هذه الأوضاع إلى تآكل القيم النبيلة واتساع دائرة الفساد وانتشار الرذيلة والسرقات الصغيرة.

الصناعة: ما تزال دول الشرق الأوسط، ولا سيما العراق، أسواقًا استهلاكية لمنتجات الدول الأخرى، ولم تتمكن من تحقيق الاكتفاء الذاتي، في ظل غياب الخطط الاستراتيجية الفاعلة لتطوير الصناعة وإهمال البحث العلمي في مختلف المجالات. فقد كانت الصناعة في العراق متنوعة، ولا سيما في مجال المنتجات الاستهلاكية، وكانت تلبي جانبًا مهمًا من حاجات البلاد، مع قاعدة صناعية شملت الصناعات الكهربائية والسيارات والمواد الإنشائية وغيرها. لكن بعد سقوط النظام، تعرّضت المصانع لأعمال تخريب ونهب وتفكيك، ونُقلت بعض محتوياتها ومكائنها الثقيلة إلى الخارج، فأُضعفت الصناعة العراقية وتحول البلد إلى سوق لمنتجات الدول الأخرى. كما جرى تفكيك بعض المصافي ونقل مكوناتها إلى الخارج. أن هذه الوقائع تكشف غياب إرادة حقيقية لدى القائمين على الدولة للنهوض بالصناعة.

الزراعة: على الرغم من اتساع الأراضي الزراعية وتوافر المياه والمناخ الملائم لزراعة محاصيل متنوعة، فإن الإنتاج الزراعي لم يبلغ مستوى الاكتفاء الذاتي أو يحقق الأمن الغذائي. ويُعزى ذلك إلى عوامل إقليمية، وضعف الدعم المقدم للمنتجين، وعدم التوازن في حماية المنتج والمستهلك، فضلًا عن فتح الحدود أمام المنتجات المستوردة في موسم حصاد المحاصيل المحلية، الأمر الذي يلحق الضرر بالفلاح العراقي.

كيفية التصرف بالأموال: أصبح الفساد في بعض الدول، ولا سيما العراق، منظومة ممنهجة تحميها قوى نافذة؛ فالقضاء مسيّس والبرلمان قائم على المحاصصة، وتُقسَّم الأموال والمنافع بين الشركاء في السلطة. وعندما تظهر قضية فساد، تُشكَّل لجان لمكافحته، ثم تُغلق الملفات بفعل الضغوط التي يمارسها الشركاء. وهؤلاء لا يسرقون الأموال فحسب، بل يسرقون أحلام الأطفال، ومستقبل الأجيال، وصحة المرضى، وحق المجتمع في العلم والتعليم، فضلًا عن الرواتب والمخصصات الباهظة التي يحصل عليها بعض أعضاء البرلمان ومسؤولي الدولة. وفي المقابل، يضيّقون على رواتب الموظفين، وكأنهم كمن يملك عربةً تجرّها الحمير: كلما سكتت زاد الحمل عليها، وكلما صبرت على الجوع قلّل علفها؛ وذلك لقسوةالقلوبهم.

سادسًا: حرية التعبير

في دول الشرق الأوسط، أصبح التعبير عن الواقع همسًا، ولا سيما حين يتعلق الأمر بانتقاد الأداء الحكومي الفاسد؛ وذلك خوفًا من بطش السلطة ومن مراقبة الأجهزة الأمنية للمواطنين، التي قد تفوق مراقبتها للأعداء.

ويؤدي التضييق على المواطنين إلى سلب إرادتهم، وقد يدفعهم إلى مغادرة أوطانهم وكراهية مجتمعاتهم؛ إذ لا يجدون وطنًا آمنًا يلجؤون إليه لينعموا بالسلام والراحة والعيش الكريم. كما يُفرض على بقية الأفراد التكيف مع الواقع وقبول الذل والسجن الجسدي والفكري، فيتحولون إلى قطعان يسوقها إعلام كاذب ومنافقون وسياسيون عديمو الرحمة. وفي ظل ذلك، يفسد بعض العلماء والقضاة والمسؤولين، وتتسع الفجوة بين السلطة والشعب، وتنهار الثقة، وتشتعل مشاعر الحقد والكراهية تجاه الحكام. ومع فقدان الكرامة والعزة، تتنامى الرغبة في الخلاص من الطغيان، وعندما تسنح الفرصة يقف الناس في وجهه، وقد يكون السقوط مدويًا.

سابعًا: الصراعات الداخلية

إن الصراعات الداخلية الناجمة عن المصالح الضيقة للأحزاب وانشغالها بالاستحواذ على الثروات تؤدي إلى تعثر الإصلاحات وضعف الخدمات. كما أن ضعف النزاهة وإسناد المناصب إلى غير المؤهلين يعرقلان بناء الوطن، فتتكرر الوجوه نفسها في السلطة من دون اتباع نهج قويم وعادل. وقد تُفتعل الصراعات والأزمات لإلهاء الشعب وصرفه عن أهداف التنمية والإعمار.

وفي المقابل، شهدت دول مثل رواندا والكونغو صراعات طويلة، ثم برزت فيها قيادات كفوءة سعت إلى النهوض ببلدانها، فحققت هذه الدول تقدمًا في بعض المجالات. وقد تخدم الصراعات الأحزاب أحيانًا؛ إذ تتدخل بعد تفاقمها لتظهر بمظهر الجهة القادرة على إنهائها، وتسعى بذلك إلى كسب أطراف النزاع أو استمالتها.

ثامنًا: الوضع الاجتماعي

يعاني المجتمع في الشرق الأوسط من أزمات متعددة نتيجة الظلم والغبن اللذين يحيطان به. فهو يدفع ثمن سخائه وصبره وعطائه وطاعته العمياء، وما يرافق ذلك من انضباط اجتماعي وأخلاقي، في حين تُهان كرامته وتُسلب حقوقه وتُقيَّد حريته. وتكرّس السلطة البؤس والذل والخضوع والقبول بالفتات، بينما تُنهب أموال الشعب وثرواته. فالحاكم الذي يقود الشعب وفق أهوائه ليس قبطانًا، بل قرصان؛ أما من يقوده وفق إرادته ومصلحته فهو القبطان الحقيقي.

ويعاني الناس الفقر والمرض؛ فقد يموت بعضهم في المستشفيات الحكومية، ويُستنزف آخرون ماليًا في المستشفيات الأهلية. كما أصبحت الجامعات والمدارس في بعض الحالات أهلية، وتحولت بعض الدوائر والخدمات إلى مشروعات ذات عائد مالي، وتُقام الحفلات بأموال الشعب. وهكذا يبدو المواطن كأنه سجين في وطنه. لقد شاخت طاقات الشعب وهرمت قدراته، وأصبحت القلوب تدمع دمًا من الوعود الكاذبة المتكررة التي تنكرت لها السلطات. وتمارس هذه السلطات الظلم الممنهج، وتشتري الذمم، وتتسلط على رقاب الناس، وتبقيهم أسرى الأوهام والاستعباد. وقد يتعرض من يحاول إيقاظ الناس لعقوبات قاسية، كما يُذبح الديك الذي يوقظ النائمين.

وبسبب هذه الأوضاع، تصبح الأخلاق فعلًا ماضيًا، والنهب فعلًا مضارعًا، والسياسيون فاعلًا، والشعب مفعولًا به، والمال مفعولًا لأجله، والضمير ميتًا وغائبًا، والمصلحة العامة مبتدأً، والوطنية خبرَ كان، والمستقبل مبنيًا للمجهول، ولا محل للشعب المستضعف من الإعراب. وتغدو الحياة غابةً ترتدي ثوب الدولة، فلا يجد المواطن في وطنه طعم المواطنة أو العيش الكريم، وتُخرس الألسنة، ويعجز الشعب عن العطاء والدفاع عن الوطن.

ويُروى أن عنترة بن شداد، وكان مقيدًا، أُخبر بأن الأعداء هاجموا قومه وأنهم سيخطفون عبلة، فقال: «ليس لديّ ما أدافع عنه؛ فقد جعلتموني عبدًا ومقيّدًا».

كما يضيع الشباب بين البطالة وتأخر الزواج وصعوبة تكوين الأسرة؛ إذ تقل فرص العمل، وتندر القروض أو المساعدات المخصصة للزواج. وتذهب فرص كثيرة إلى أبناء المسؤولين أو المقربين منهم، فتضيع سنوات الشباب والأموال التي أنفقوها سعيًا إلى مستقبل أفضل. ويضطر بعضهم إلى الهجرة بحثًا عن لقمة العيش، حتى يغدو الوطن في نظرهم كالأحجار الصامتة، ويصبح المسؤولون طغاة سلبوهم كل شيء. ويتسلل اليأس إلى نفوسهم حين يشعرون بأن الحكومات لا تريد أجيالًا قادرة على التفكير والإبداع والبناء، بل تريد عمالًا مطيعين ينفذون الأوامر من دون مساءلة. وحتى من يجد عملًا قد يكون قد قدم تضحيات كبيرة للحصول عليه. لذا فإن تسخير الطاقات والجهود في ظل الفساد ومن دون أهداف واضحة يستنزف قدرات المجتمع.

تاسعًا: تداعيات تردي الأوضاع في ظل الفساد

١. إكراه الشعب على الطاعة العمياء، ودفع أفراده إلى الرحيل عن أوطانهم.

٢. انقسام المجتمع إلى طبقات متفاوتة تفاوتًا كبيرًا في الثراء.

٣. إذلال الشعب وسلب إرادته الحرة وجوهره الإنساني، وإهدار حقوقه وإقصاء أفكاره النيّرة.

٤. إفراغ البرلمان من دوره وتعطيل مهامه التشريعية والرقابية.

٥. غياب التواصل الفعّال بين الحكومة والشعب.

٦. تشجيع السلوكيات السيئة والغريبة عن المجتمع، وإهمال الجانب الأخلاقي؛ فالشعوب الراقية تُعرف بأخلاقها الرفيعة وعدالتها ونزاهتها.

٧. اشتداد الصراع على السلطة من أجل الحفاظ على المكتسبات والامتيازات الفئوية والحزبية، بدلًا من بناء الوطن.

٨. الانتقائية في تطبيق القانون؛ إذ يُطبّق على عامة الناس، بينما يوفر الحماية للمسؤولين.

٩. استخدام القوة بدلًا من الحوار، وترويع الشعب وتخويفه كلما اعترض على الممارسات السلبية أو احتكار السلطة، تحت ذرائع مثل حماية الوطن واستتباب الأمن، والادعاء بأنه لا بديل عن الحاكم وإلا انهار الوطن.

١٠. إصدار قرارات خاطئة وفرضها على الشعب، وسوء الإدارة، وإلزام المواطنين بقبول الواقع كرهًا وقهرًا.

١١. فقدان الشعب ثقته بالحكومة؛ وهي ثقة لا يمكن استعادتها إلا بالإصلاح وترسيخ النزاهة.

عاشرًا: كيفية معالجة الواقع

١. على شعوب المنطقة ألا تستسلم للواقع المظلم أو تتراخى في مواجهته، بل أن توحّد جهودها وتصوغ أفكارًا عملية هادفة إلى التغيير.

٢. نشر المبادئ والشعارات الإصلاحية الواقعية، وترسيخ قيم العدالة والمواطنة الصالحة، والتحلي بالصبر في مسيرة الإصلاح، وتعزيز ثقة الشعب بنفسه وبقدرته على التأثير في السياسات العامة.

٣. عدم انتخاب الفاسدين، والعمل على ضمان استقلال السلطة القضائية ونزاهتها.

٤. اختيار المسؤولين وتعيينهم على أساس الخبرة والكفاءة والتخصص، بعيدًا عن المحسوبية وإعادة تدوير الوجوه نفسها.

٥. إنشاء شبكات إعلامية مستقلة لمراقبة الفساد وتشخيص الأخطاء الحكومية وكشفها للرأي العام.

٦. وضع الثروات الطبيعية في أيدٍ أمينة ونزيهة، واستخراجها وإدارتها وفق خطط مدروسة، بدلًا من التصرف العبثي الذي يؤدي إلى تحويل عائداتها إلى جيوب الأفراد.

٧. إنشاء مصانع متنوعة لتلبية الطلب المحلي، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، والحد من استنزاف العملة الصعبة، وتوفير فرص عمل للشباب.

٨. دعم القطاع الزراعي وتشجيع إنتاج المحاصيل التي تدخل في الصناعات التحويلية، ووضع خطط استراتيجية لتأمين الغذاء وتحقيق الاكتفاء الذاتي.

٩. مكافحة الأمية، وتشجيع العلم، ودعم قطاع التعليم، وإنشاء مراكز أبحاث علمية متنوعة في مختلف المجالات.

١٠. إن الشعوب الحرة هي التي تصنع العدالة وتفرض احترام الحق؛ فالظالم لا ينصف المظلوم ما دام الشعب مستسلمًا للذل أو منافقًا للسلطة.

١١. ترشيد استخدام شبكات التواصل الاجتماعي بعد الساعة الثانية عشرة ليلًا، وتشجيع الشباب والأطفال على التوقف عن استخدامها في ذلك الوقت، من أجل الراحة والسكينة والنوم المبكر، واستعادة النشاط الذهني صباحًا للدراسة والعمل.

١٢. فرض الخدمة العسكرية الإلزامية بما يعزز اللياقة البدنية لدى الشباب، ويعلّمهم النظام والانضباط، ويهيئهم لتحمل المهام الصعبة.

الحادي عشر: ماذا يجني الفاسدون من أفعالهم؟

١. للظلم فاتورة باهظة يدفعها صاحبه في الدنيا والآخرة؛ ففي الآخرة يلتقي الخصوم أمام محكمة لا تضيع فيها الحقوق، والملفات محفوظة، والشهود ملائكة، والقاضي أحكم الحاكمين، ولا يغيب عنه مثقال ذرة. وما خاب من فوّض أمره إلى الله. فليعتبر الظالمون بمصائر الطغاة: فرعون الذي انتهى إلى الغرق، ونمرود الذي هلك ببعوضة، وأبرهة الذي أُهلك جيشه بالحجارة، وقارون الذي خسف الله به الأرض، وغيرهم ممن جعل الله في قصصهم عبرة. فلكل ظالم نهاية، وإذا جاء أمر الله جعل من أيسر الأسباب طريقًا لهلاك الباطل. وتبقى التحولات التي شهدتها بعض بلدان الربيع العربي من الأحداث التي يستخلص منها الناس العبر.

٢. التاريخ مليء بالدروس، والأيام دُوَل؛ فالغني قد يفتقر، والفقير قد يغتني، وقد ينتقل الحكام من القصور إلى أسوأ الظروف، بينما يرتقي الضعفاء إلى مواقع الصدارة. والكراسي لا تبقى لأحد؛ فلا جاه ولا غنى ولا فرح يدوم، كما لا يدوم الفقر والحزن والضعة. فالله تعالى يعز من يشاء ويذل من يشاء، ويبسط الرزق لمن يشاء ويقدّره على من يشاء.

٣. تذكروا أن الإنسان لا ينسى من ظلمه وقهره وحرمه حقوقه، وأن مظالم العباد لا يسقطها مرور الزمن، ولا تُطوى صفحاتها لمجرد تقادمها.

٤. يقول الله تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤]. ويقول سبحانه: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ [هود: ١٥]. ويقول تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٨]. وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ ۝ أُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يونس: ٧-٨]. وقال تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤]. فالأعمال التي يكتسبها الإنسان ليست أحداثًا عابرة، بل حقائق وأعمال يحملها معه يوم القيامة، ويحاسب عليها بين يدي الله تعالى.

٥. سيُحضر الناس جميعًا يوم القيامة ويقفون بين يدي الله، فلا تنفعهم أموال الدنيا ولا الجاه ولا الأبناء، ولا تنفعهم الرشى أو محاولات شراء الذمم، ولا تكون النجاة إلا برحمة الله وبالقلب السليم والعمل الصالح. وهناك لا تضيع مظلمة، ويُحاسب المرء على أدق أعماله. فكفّوا عن ظلم الناس وهضم حقوقهم، ولا تستهينوا بدموع المظلومين ودعائهم، ولا تكسروا قلوبهم؛ فلكل شيء نهاية، فلتكن خاتمتكم هينةً هنيئة، لا تعيسةً مؤلمة.

المصادر

1-قراة الواقع.

2-اقوال الحكماء و اراء السياسيين.

بقلم : رشيد فتحي محمد علي

قد يعجبك ايضا
∧