كوردستان شريك في صياغة العراق الجديد لا متفرج على نتائجها

انس الشيخ مظهر

حين يفتح الدستور للنقاش، تصبح المبادرة الاستباقية هي الضمانة الاولى لتوازن
الدولة الاتحادية

يتصاعد الحديث في الأوساط السياسية العراقية عن مراجعة الدستور، وتتركز النقاشات المعلنة على إشكالات تشكيل السلطة الاتحادية على غرار الأغلبيات البرلمانية، وآلية انتخاب رئيس الجمهورية، وتحديد الكتلة الأكثر عدداً. وهذه ملفات عطّلت الحياة السياسية في بغداد أكثر من مرة، ومن الطبيعي أن يطالب كثيرون بمعالجتها. لكن السياسة لا تُقرأ عند حدود العناوين المعلنة وحدها. فالمهم في هذا الموضوع هو اي مسار سيتشكل بعد أن يُفتح الباب، ومن سيمسك بخيوطه.

يعرف دارسو التجارب الدستورية أن وزن أي تعديل لا يُقاس بعدد المواد التي يمسّها، بل بالسابقة التي يرسّخها. فحين يُفتح النص الدستوري لمعالجة نقطتين أو ثلاث، يتكرّس عملياً أن الدستور قابل للتعديل وأن الإجراءات التي بدت معقدة يمكن تجاوزها. وبعد ذلك تتوالى الطلبات، وكل واحد منها يبدو مقبولاً بمفرده، فتعديل هنا لتسريع تشكيل المؤسسات، ثم تعديل آخر هناك لتوضيح الاختصاصات، ثم ثالث لتنظيم الموارد. ومجموع هذه الخطوات قد يعيد رسم شكل الدولة. ولا يشترط أن يكون ذلك مقصوداً منذ البداية، فالمسارات الدستورية تكتسب زخمها الخاص حين تدخل في حسابات الأحزاب وتوازنات الكتل، وقد تنتهي إلى نتائج لم يخطط لها أحد. ولهذا يكون الاستعداد المبكر أنفع من أي رد فعل متأخر.
توقيت إقليمي يرفع الرهانات

تأتي هذه النقاشات في لحظة تتحرك فيها موازين القوى في المنطقة بسرعة، وتُعاد فيها صياغة التحالفات والأدوار. وفي مثل هذه اللحظات تميل الدول عادة إلى مراجعة أنظمتها الداخلية، وتجد القوى السياسية في التحولات الكبرى فرصة لإعادة تعريف شكل الدولة وتوزيع السلطة داخلها. لا أحد يملك دليلاً على أن عراقاً جديداً بدستور مختلف في توازناته عن دستور 2005 يوشك أن يولد، لكن الاستعداد لهذا الاحتمال هو امر ضروري.

وهنا يبرز الفرق بين إصلاح يعالج تعثر المؤسسات وبين تعديل يعيد توزيع الصلاحيات.. فلا خلاف على أن التطبيق العملي كشف ثغرات تستدعي المعالجة، وأن بعض النصوص تحتاج إلى توضيح وتشريعات تنفيذية أكثر فاعلية. غير أن الفارق بين النوعين يُختبر بمعيار بسيط هو النتيجة. فتغيير قواعد اتخاذ القرار لتجاوز الانسداد لا يكون إصلاحاً إلا إذا فكّ الانسداد فعلاً، أما إذا منح القوى الأكبر أدوات إضافية لفرض إرادتها فهو إعادة توزيع للسلطة تحت عنوان آخر. وتوضيح الاختصاصات لا يكون توضيحاً إلا إذا أزال الغموض، أما إذا حُسم لصالح من يملك الأصوات فهو توسيع لصلاحيات طرف على حساب آخر. هذه المعايير ليست اعتراضاً على الإصلاح بل مبررات له. فالدستور ليس دليل تشغيل للحكومة والبرلمان، بل عقد بين مكونات مختلفة، وظيفته الأولى أن يضمن ألا تتحول الأغلبية العددية إلى تفويض مفتوح لإعادة صياغة الدولة.

البرلمان مؤسسة دستورية لا غنى عنها، لكن شرعية التصويت لا تعني أن كل ما تقرّه الأغلبية مقبول دستورياً. فمن يملك الأصوات اليوم قد يفقدها غداً، والدستور وُجد أصلاً ليحمي ما لا ينبغي أن يتغير بتغير التحالفات. لذلك لا ينبغي أن تُدار المراجعة الدستورية عبر تفاهمات مغلقة بين الكتل النافذة تُقدَّم نتائجها بوصفها إرادة وطنية. المطلوب تشخيص معلن للمشكلات، وصياغات منشورة، ودراسة لأثر كل تعديل على النظام الاتحادي، ومشاركة حقيقية للأطراف التي ستتأثر بالنتائج. فسيادة القانون تبدأ باحترام القيود التي تحدّ من سلطة الأغلبية، لا بتخفيفها كلما أعاقت أصحاب النفوذ.

المادة 126 في مواجهة الاختبار

يملك الإقليم ما لا تملكه أطراف كثيرة وهو مادة تعتبر ضمانة دستورية صريحة، وهي المادة 126/رابعاً والتي تمنع أي تعديل ينتقص من صلاحيات الإقليم غير الداخلة في الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية، إلا بموافقة السلطة التشريعية في الإقليم وموافقة أغلبية سكانه في استفتاء عام. ويعني ذلك أن مثل هذا التعديل لا يُحسم باتفاق القوى البرلمانية في بغداد وحدها، مهما بلغت أغلبيتها. كما تنص المادة نفسها على أن التعديل لا يُعد مصادقاً عليه إذا رفضه ثلثا المصوتين في ثلاث محافظات أو أكثر، وهي آلية تمنح محافظات الإقليم الثلاث وزناً مؤثراً.

لكن النص وحده لا يحمي نفسه. فتفعيله يبدأ بدراسة قانونية استباقية تحدد الصلاحيات المشمولة بالحماية، وتضع معايير لتقييم أي مقترح، وتكشف آثاره المباشرة وغير المباشرة على العلاقة بين أربيل وبغداد. ويتطلب تمييزاً دقيقاً بين إجراءات المادة 126 والمسار الذي تتناوله المادة 142، لأن طبيعة التعديل هي التي تحدد الأحكام المنطبقة عليه. والأهم من ذلك كله الحضور المبكر في مرحلة تحديد جدول الأعمال وصياغة البدائل، فالعمل الدستوري الفاعل يبدأ من الصياغة لا من التصويت النهائي، ومن يحضر عند رسم الحدود يختلف عمن يعترض بعد اكتمالها.

موقف كوردستاني موحد لا يساوم ولا يعطّل

تقوى الاطراف الكوردستانية بقدر ما تتوحد، وتضعف بقدر ما تتعدد مواقفها. فالخلافات الحزبية مشروعة، لكن الحقوق الدستورية المشتركة لا ينبغي أن تصبح مادة للمساومة الداخلية أو لتفاهمات منفردة مع بغداد. المطلوب وثيقة كوردستانية موحدة يعدّها متخصصون في القانون الدستوري، وتحظى بتوافق سياسي واسع داخل الاقليم، فتحدد ما يجب صونه بلا نقاش، وما يحتاج إلى معالجة، وما يقبل التفاوض، وأين تقع الخطوط الحمراء. وبهذا تعبّر عن الإقليم كله، لا عن حكومات او أحزاب.

وفي المقابل، لا يخدم الرفض المطلق لكل تعديل صاحبه، لأنه يمنح خصومه حجة تصويره معطّلاً للإصلاح. والقبول المفتوح تحت شعار «الإصلاح» يفتح باباً لا يُعرف أين ينتهي. الموقف الأقوى هو الذي يعترف بوجود مشكلات فعلية، ويقدّم بدائل دستورية لمعالجتها، ويتمسك بالضمانات التي تحفظ أصل الصلاحيات. وثمة ملاحظة لا تقل أهمية وهي ان الحقوق الدستورية لا تُستبدل بالصفقات. يمكن التفاوض على آليات التنفيذ وتحديد المسؤوليات ومواعيد الالتزامات، أما أصل الحق فلا ينبغي أن يُقايَض بمكاسب مالية أو مناصب اتحادية، لأن موازين القوى تتبدل أما النصوص فتبقى.

من حماية الإقليم إلى الدفاع عن الدولة الاتحادية

الفدرالية ليست امتيازاً كوردستانياً، بل هي شكل الدولة العراقية كما أقرّه دستورها. ومن مصلحة أطراف عراقية عديدة أن يبقى مبدأ توزيع السلطة قائماً، حتى لا تتركز القرارات في يد واحدة. ولذلك يحتاج الإقليم إلى بناء تحالفات عراقية واسعة على برنامج واضح تتمثل باحترام الاختصاصات الدستورية، وتنفيذ الالتزامات المالية بقواعد شفافة، وتعزيز استقلال المؤسسات، وإنشاء آليات فعالة لحل النزاعات بين بغداد وأربيل.

ويقتضي ذلك خطاباً سياسياً وإعلامياً يوضح أن حماية الفدرالية ليست رفضاً للدولة ولا تهرباً من القانون، بل دفاع عن دولة قوية بمؤسساتها وباحترامها للقواعد، لا بتضخم مركزها على حساب الأطراف. وكلما ظهر الدفاع عن صلاحيات الإقليم باعتباره دفاعاً عن دولة دستورية متوازنة، صعب تصويره مطلباً فئوياً.

إذا كان العراق مقبلاً فعلاً على إعادة تعريف نظامه السياسي، فإن موقع كوردستان فيه لن يتحدد بما ستقرره القوى الأخرى، بل بقدرتها على أن تكون حاضرة منذ اللحظة الأولى، ببرنامج واضح وموقف موحد وأدوات قانونية جاهزة. فالفدرالية لا تُحمى بحسن النوايا ولا بالاعتراض بعد فوات الأوان، بل باستراتيجية دستورية وسياسية تسبق الصياغات، وتحول دون أن يصبح الإصلاح بوابة لإعادة تركيز السلطة. فالمسألة في جوهرها ليست مادة أو مادتين، بل شكل الدولة نفسه، فاما دولة اتحادية تحترم التوازنات التي قام عليها دستورها، وإما دولة يعيد تشكيلها من يملك الأغلبية في لحظة التعديل. وكوردستان معنية بأن تكون حاضرة حين يُحسم هذا الاختيار.

قد يعجبك ايضا
∧