مظفر العقابي
القاهرة
من كان يصدّق، في سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته وتسعينياته، أن يأتي يومٌ ينظر فيه العراقي إلى دوري النجوم في بلاده، فيجد لاعبين من اليمن وسوريا وعُمان والأردن، ومن بلدان أفريقية وأوزبكستان، ويجد مدربين من دولٍ كان العراق يتقدم عليها كروياً، فيتساءل بمرارة: اين كنا والى هذا الحد وصلنا؟ وألى هذه الدرجة انطفأ ذلك الضوء الذي كان يهتدي به الآخرون؟
أيُّ وجعٍ أشدّ من أن ترى تاريخك واقفاً خلفك، عاجزاً عن إنقاذ حاضرك؟ وأيُّ قسوةٍ أكبر من أن تكون ابن بلدٍ علّمته كرة القدم معنى الكبرياء، ثم يجد نفسه اليوم يستجدي إجاباتٍ عن أسباب تراجعه، بينما الآخرون يبنون دورياتهم، يستقطبون نجوم العالم، ويرفعون سقف طموحاتهم إلى السماء؟
تأسس اتحادنا عام 1948. ومنذ ذلك التاريخ، لم تكن كرة القدم في العراق مجرّد لعبة؛ كانت كرامةً شعبية، ونبضاً في الشوارع، وحلماً تتوارثه الأجيال. كان اسم اللاعب العراقي يُرعب الخصوم، ويُبهج الجماهير، ويمنحنا شعوراً بأننا، رغم كل ما مرّ به وطننا، قادرون على الوقوف في المقدمة.
فأين نحن اليوم من اندية الدوري السعودي والقطري والإماراتي؟ أين نحن من مشهد الاحتراف الذي يتسع أمام أعيننا، فيما لا يزال لاعبنا العراقي يصارع كي يجد البيئة التي تستثمر موهبته وتحفظ قيمته؟
لسنا ضد أشقائنا، ولا ننتقص من كفاءة مدرب أو لاعب بسبب جنسيته. لكن المصيبة أن نصل إلى مرحلةٍ نشعر فيها بأن الآخرين تجاوزونا، لا بخطوة، بل بمسافةٍ تكبر كل يوم، وأن يصبح تاريخنا حجةً نلوذ بها كلما عجزنا عن تبرير حاضرنا.
المأساة ليست أن يتقدم الآخرون؛ المأساة أن نتأخر نحن، ثم نتصرف وكأن أمجاد الماضي ستتكفّل وحدها بإنقاذ المستقبل.
لقد أتعبتنا الشعارات، وأوجعتنا المقارنات، وأرهقنا الحنين إلى زمنٍ كان فيه العراق رقماً صعباً، لا اسماً يستدعي الشفقة على ما آل إليه واقعه الكروي.
يا سادة الكرة العراقية، نحن لا نخشى أن نخسر مباراة؛ نحن نخشى أن نخسر مكانتنا، وأن نستيقظ ذات يوم فنكتشف أن أمجادنا لم تعد سوى جنازةٍ جميلة لتاريخٍ لم نحسن حمايته.
نعم، الكرة العراقية في محنة. والأشد مرارةً أن هذه المحنة لم تعد تُقاس بما خسرناه فحسب، بل بما كان يمكن أن نكونه، ولم نعده بعد.