أ.د. أيمن الدسوقي
استاذ العلاقات الدولية في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية
جامعة القاهرة
كان عام 2017 عاماً مفصليا في العلاقات الخارجية لإقليم كوردستان-العراق؛ حيث بدا أن الإقليم برئاسة السيد مسعود البارزاني، عم رئيس الإقليم الحالي السيد نيجيرفان البارزاني، يتحول عن الدبلوماسية الموازية إلى الدبلوماسية التأسيسية. وتُشير الدبلوماسية الموازية إلى انخراط الكيانات دون الوطنية Subnational Entities أو الأقاليم في العلاقات الدولية، عن طريق إقامة اتصالات دائمة أو مؤقتة مع كيانات خارجية عامة أو خاصة، وانتهاج أفعال ذاتية الدعم تجاه الفاعلين الدوليين الأجانب، سواء أكانواْ حكوميين أو غير حكوميين. والدبلوماسية الموازية، بهذا المعنى، أصبحت ظاهرة طبيعية في السياسة الدولية، وشائعة في أقاليم عديدة حول العالم. ولكن يختلف مفهوم الدبلوماسية الموازية عن “الدبلوماسية التأسيسية Protodiplomacy؛ والتي تُستخدم لوصف مبادرات الأقاليم وأنشطتها الخارجية، وروابطها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بالدول الأجنبية التي تتضمن رسالة استقلالية بشكل أو بآخر، وترادف السعي “الخارجي” لتحقيق الاستقلال.
ففي ذلك العام، نظمت حكومة كوردستان الإقليمية استفتاء للاستقلال عن العراق. وبرغم أن جل الكورد العراق أيّدوا الاستقلال، فان التداعيات السلبيّة للاستفتاء على المستويات الاتحادية والإقليمية والدولية جعل السيد مسعود البارزاني يفرمل أو يجمّد توجهه الاستقلالي. ومنذئذ، شرعت قيادة الإقليم في إعادة تنظيم البيت من الداخل، وإعادة توجيه السياسة الخارجية للإقليم لتعود إلى سيرتها الطبيعيّة في السعي إلى تعظيم مصالحه الاقتصادية والسياسية والثقافية دون السعي إلى حيازة اعتراف دولي باستقلال كوردستان-العراق.
ويبدو أن النشاط الدبلوماسي لرئيس الإقليم الحالي، السيد نيجيرفان البارزاني، يصب في هذا الاتجاه، بل وفي رفد السياسة الخارجية العراقية بدعم مطلوب في علاقاتها الإقليمية. وسوف أشير فقط هنا إلى مثالين للدلالة على ذلك؛ أولهما يتعلق بتقدم كوردستان للعمل كقناة دبلوماسية خلفية بين الولايات المتحدة وإيران، وثانيهما قيام السيد نيجيرفان البارزاني بدور الوسيط بين العراق وسوريا.
فقد كشفت مصادر عراقية وكوردية مطلعة أن رئيس إقليم كوردستان العراق، نيجيرفان البارزاني، اضطلع خلال الأشهر الماضية بدور وساطة غير معلن بين الولايات المتحدة وإيران، مستفيدًا من علاقاته الجيدة مع الجانبين، بهدف فتح قناة اتصال تساعد على خفض التصعيد ودفع المفاوضات. ووفق المصادر، التقى البارزاني مرتين قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، إسماعيل قآني، ونقل إليه رسائل أمريكية.
وجاءت الوساطة في ظل شكوك لدى إدارة الرئيس دونالد ترامب بشأن قدرة المسؤولين الإيرانيين المنخرطين في الاتصالات الدبلوماسية على اتخاذ قرارات ملزمة، بالنظر إلى الدور المحوري للحرس الثوري في رسم السياسات الأمنية والإقليمية الإيرانية. ولذلك سعت واشنطن إلى الوصول، عبر البارزاني، إلى مراكز القوة الفعلية داخل النظام الإيراني والتحقق من موقفها من التفاوض.
وتشير المعلومات إلى أن واشنطن طلبت من البارزاني في مايو الماضي التواصل مع قيادة الحرس الثوري، وأفضت اتصالاته إلى تلقي إشارات تفيد بدعم الحرس للمسار التفاوضي. كما طُرحت لاحقًا فكرة عقد اجتماع أمريكي-إيراني سري في أربيل، لكنها لم تتحقق بسبب مخاوف إيرانية من المخاطر الأمنية، بما في ذلك احتمال تعرض الوفد الإيراني للاستهداف الإسرائيلي.
ويعزز قدرة البارزاني على أداء هذا الدور امتلاكه شبكة علاقات واسعة داخل إيران، إلى جانب علاقاته الوثيقة بواشنطن. كما يسمح الموقع السياسي والجغرافي لإقليم كوردستان بالتحرك بين الطرفين. ومع ذلك، فإن نجاح الوساطة يظل مرهونًا بمعالجة الخلافات الجوهرية بين الولايات المتحدة وإيران، خاصة الملفات الأمنية والإقليمية ومضيق هرمز، وليس بمجرد توفير قناة اتصال بينهما.
وامتد نشاط البارزاني في الوساطة إلى العلاقات العراقية-السورية، حيث سعى إلى تخفيف التوترات وتقريب وجهات النظر بين بغداد ودمشق، في ظل التحولات السياسية والأمنية التي شهدتها سوريا وانعكاساتها المباشرة على العراق. ويستفيد البارزاني في هذا المسار أيضًا من شبكة علاقاته الإقليمية وقدرته على التواصل مع أطراف مختلفة، بما يعزز موقع أربيل كقناة للحوار في القضايا الإقليمية المعقدة.
وتركزت تحركاته على المساعدة في بناء جسور التواصل بين القيادة السورية الجديدة والقيادات العراقية، في وقت أثارت فيه التطورات السورية مخاوف لدى بعض القوى السياسية العراقية، خاصة بشأن أمن الحدود، ونشاط الجماعات المسلحة، ومستقبل العلاقات بين البلدين. وسعى البارزاني إلى تخفيف هذه المخاوف وتشجيع التواصل المباشر بدلًا من استمرار حالة الحذر المتبادل.
وفي هذا السياق، عمل البارزاني على تسهيل الاتصالات واللقاءات بين مسؤولين من الجانبين، مستفيدًا من علاقاته مع دمشق وبغداد. ويكتسب هذا المسار أهمية خاصة لأن استقرار العلاقات السورية-العراقية يرتبط بمجموعة من الملفات الأمنية والسياسية الحساسة، وفي مقدمتها ضبط الحدود، ومكافحة التنظيمات المتطرفة، ومنع انتقال حالة عدم الاستقرار من سوريا إلى العراق.
وبذلك، تعكس تحركات بارزاني بين واشنطن وطهران من جهة، وبين سوريا والعراق من جهة أخرى، محاولة أوسع لتكريس دور إقليم كوردستان باعتباره وسيطًا إقليميًا وقناة اتصال بين أطراف يصعب عليها التواصل بصورة مباشرة، مستفيدًا من سياسة تقوم على الحفاظ على علاقات متوازنة مع القوى المتنافسة. وهكذا، تثبت التجربة الكوردية أن الدبلوماسية الموازية تحمل إمكانات وظيفية كبيرة، سواء بالنسبة للسياسة الخارجية للدولة الأم، أو بالنسبة إلى الاستقرار الإقليمي ككل.