نبيل عبد الأمير الربيعي
لم تكن انتفاضة تشرين حدثاً عابراً في التاريخ السياسي العراقي، ولا مجرد موجة احتجاجية فرضتها ظروف اقتصادية واجتماعية قاسية، بل كانت لحظة استثنائية في استعادة الوعي الوطني، وانبعاث الضمير الشعبي في مواجهة منظومة سياسية استنزفت الدولة، وأهدرت ثروات البلاد، وأضعفت ثقة المواطن بمؤسساتها. لقد مثلت تشرين الحقيقة الناصعة التي كشفت الفجوة العميقة بين تطلعات العراقيين وممارسات القوى التي احتكرت السلطة باسم الديمقراطية، بينما أفرغتها من مضمونها الحقيقي.

خرج الشباب من مختلف المحافظات، ومن خلفيات اجتماعية وفكرية متعددة، لا تجمعهم أيديولوجيا حزبية أو مرجعية سياسية واحدة، بل توحدهم قضية وطن جرى اختطاف قراره، ومطالب مشروعة في العيش الكريم، والعمل، والعدالة الاجتماعية، وبناء دولة المواطنة. وكان شعار (نريد وطن) أكثر من هتاف في ساحات الاحتجاج؛ لقد عبر عن أزمة هوية سياسية، وعن رفض صريح لتحويل العراق إلى ساحة تتقاسمها المصالح الحزبية والطائفية والولاءات الخارجية.
لقد كشفت تشرين عجز الطبقة السياسية الحاكمة عن بناء دولة المؤسسات، وأظهرت أن الانتخابات وحدها لا تكفي لصناعة الديمقراطية ما لم تقترن بسيادة القانون، واستقلال القضاء، والمساءلة، واحترام إرادة الشعب. فالديمقراطية ليست صناديق اقتراع تستخدم لتجديد مواقع النفوذ، ولا محاصصة توزع بموجبها مؤسسات الدولة بين القوى المتنفذة، وإنما منظومة قيم دستورية تضمن حرية المواطن وكرامته وحقه في المشاركة ومحاسبة من يحكمه.
وكان الثمن الذي دفعه المحتجون باهظاً ومفجعاً. فقد واجهوا الرصاص الحي وعمليات القمع والاختطاف والتهديد، وسقط مئات الشهداء، وأُصيب آلاف آخرون، بعضهم بإعاقات دائمة، في مشاهد ستظل وصمة عار في سجل كل من تورط في سفك دماء العراقيين أو تستر على مرتكبي تلك الجرائم. ولم تكن المطالبة بكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين عن قتل المتظاهرين مطلباً انتقامياً، بل استحقاقاً وطنياً وأخلاقياً، لا يمكن بناء دولة عادلة من دونه.
إن أخطر ما واجهته تشرين لم يكن القمع وحده، بل محاولات تشويه أهدافها، واختزالها في صراعات حزبية، أو اتهامها بالعمالة والتآمر، في محاولة لإفراغها من مضمونها الوطني. فحين يعجز أصحاب السلطة عن مواجهة المطالب بالحجة والإنجاز، يلجؤون إلى التخوين والتضليل، وكأن المطالبة بوطن مستقل، ودولة عادلة، وحياة كريمة، أصبحت جريمة تستوجب العقاب.
مع ذلك، لا ينبغي أن نقرأ تشرين بوصفها ملحمة بطولية مكتملة الانتصار، أو أن نغفل ما واجهته من تحديات داخلية، وما رافق مسيرتها من تباينات في الرؤى والتنظيم والقيادة. فالحركات الشعبية، مهما بلغت تضحياتها، تحتاج إلى مشروع سياسي وطني واضح، وإلى تنظيم مدني ديمقراطي قادر على تحويل الغضب الشعبي إلى قوة تغيير مؤسسي. وهذه إحدى أهم دروس تشرين التي ينبغي للقوى المدنية والتقدمية والشخصيات الوطنية استخلاصها، بعيداً عن تقديس التجربة أو التقليل من شأنها.
إن استعادة روح تشرين لا تعني الاكتفاء باستذكار الشهداء ورفع الشعارات في المناسبات، بل تقتضي مواصلة النضال السلمي من أجل إصلاح النظام السياسي، ومكافحة الفساد، وحصر السلاح بيد الدولة، وإنهاء هيمنة الأحزاب على مؤسساتها، وترسيخ استقلال القرار العراقي. كما تتطلب بناء ثقافة سياسية جديدة تتجاوز الانقسامات الطائفية والقومية، وتؤمن بأن المواطنة هي الأساس الذي تتساوى أمامه الحقوق والواجبات.
لقد أثبتت تشرين أن الشباب العراقي ليس جيلاً مستسلماً لليأس، وأن الوعي الوطني لا يمكن إلغاؤه بالقوة، مهما اشتدت محاولات القمع والتضليل. وقد أعادت إلى المجال العام مفردات الحرية والكرامة والسيادة، ووضعت سؤال الدولة في صدارة النقاش العراقي: لمن تكون السلطة؟ ولمن تُصرف الثروة؟ ومن يحمي المواطن حين تصبح مؤسسات الدولة عاجزة عن حمايته؟
إن الوفاء لشهداء تشرين لا يتحقق بتحويل ذكراهم إلى مادة للاستهلاك السياسي، ولا باستثمار دمائهم في صراعات المصالح، بل بتحويل مطالبهم إلى برنامج وطني قابل للتحقق، وبالدفاع عن حق الأجيال الجديدة في مستقبل لا تتحكم فيه المحاصصة والفساد والسلاح المنفلت.
ستبقى تشرين حقيقة وطنية في الذاكرة العراقية، لا لأنها أنهت منظومة الفساد، بل لأنها كشفت حقيقتها، وعرّت تناقضاتها، وأعادت إلى العراقيين الثقة بقدرتهم على الاحتجاج والمطالبة بالتغيير. وقد تتعثر مسارات الإصلاح، وتتراجع موجات الاحتجاج، لكن الأفكار التي تولد من معاناة الشعوب لا تموت بسهولة.
تشرين ليست مجرد ذكرى نستعيدها كل عام، بل مقياس أخلاقي وسياسي نحاكم به السلطة، ونختبر من خلاله صدق القوى التي تدّعي تمثيل الشعب. إنها صوت العراق الذي أراد أن يكون وطناً لجميع أبنائه، لا غنيمة تتقاسمها الأحزاب، ولا تابعاً لإرادات الآخرين. وسيظل سؤال تشرين مفتوحاً ما دامت العدالة مؤجلة، وما دام حلم الدولة المدنية والمواطنة المتساوية لم يتحول إلى واقع ملموس.