الباحثة السياسية /عمشه حسين سنجاري
منذ اندلاع الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران في عام 2026، عادت الممرات البحرية في المنطقة لتكون في قلب الأزمة. ولم يعد مضيق هرمز وباب المندب مجرد ممرات تستخدم لنقل النفط والتجارة، بل أصبح أمنهما مرتبطًا بشكل مباشر بأمن الطاقة وحركة التجارة في المنطقة.
بالنسبة للسعودية، أصبحت المشكلة أكثر تعقيدًا، لأن معظم صادراتها النفطية تتجه إلى الأسواق الآسيوية. ومع اضطراب حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، حاولت السعودية الاعتماد أكثر على الطرق البديلة، وخاصة خط أنابيب شرق–غرب الذي ينقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر. لكن في الوقت نفسه، تصاعدت المخاطر في البحر الأحمر وباب المندب بسبب استمرار الصراع في اليمن وهجمات الحوثيين على السفن والبنية التحتية المرتبطة بالسعودية.
وهنا تظهر المشكلة الأساسية: السعودية لديها بدائل لتجاوز هرمز، لكن بعض هذه البدائل نفسها أصبحت تحت الضغط.
هرمز والطريق التقليدي لصادرات السعودية
يعتبر مضيق هرمز من أهم الممرات البحرية لنقل النفط في العالم، ويمر من خلاله جزء كبير من صادرات دول الخليج. وتزداد أهميته بالنسبة للسعودية لأن جزءًا كبيرًا من صادراتها يتجه إلى الأسواق الآسيوية مثل الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية.
ولهذا فإن أي اضطراب في هرمز لا يؤثر فقط على حركة السفن، وإنما يفرض على السعودية البحث عن طرق أخرى لإخراج النفط والوصول به إلى الأسواق.
وقد ظهرت هذه المشكلة بشكل واضح خلال الحرب على إيران، عندما أصبحت حركة النفط عبر الخليج أكثر صعوبة. ونتيجة لذلك، بدأت السعودية باستخدام قدر أكبر من طاقتها التصديرية عبر البحر الأحمر، من خلال خط شرق–غرب وميناء ينبع.
لكن هذا الحل لا يخلو من مشكلة أخرى.
خط شرق–غرب: البديل السعودي عن هرمز
يمتد خط أنابيب شرق–غرب لمسافة تقارب 1200 كيلومتر، ويربط مناطق إنتاج النفط في شرق السعودية بميناء ينبع على البحر الأحمر. ويعد هذا الخط من أهم الوسائل التي يمكن للسعودية من خلالها تقليل اعتمادها على مضيق هرمز.
فبدلًا من نقل النفط من الموانئ الشرقية عبر الخليج ثم هرمز، يمكن نقله عبر الأنابيب إلى ينبع، وبعد ذلك تحميله على ناقلات في البحر الأحمر.
وقد استخدمت السعودية هذا الطريق بشكل أكبر عندما تعرضت حركة الملاحة عبر هرمز للاضطراب. ووفقًا لرويترز، قامت السعودية بتحويل نحو 4 ملايين برميل يوميًا إلى البحر الأحمر خلال الأزمة، ما جعل خط شرق–غرب وميناء ينبع جزءًا مهمًا من استراتيجية تصدير النفط.
لكن التطورات في سبتمبر 2026 أظهرت أن هذا البديل نفسه يمكن أن يتعرض للخطر. فقد أدى هجوم بطائرات مسيّرة على خط شرق–غرب إلى توقف شحنات النفط عبر ينبع لفترة، الأمر الذي دفع السعودية إلى زيادة استخدام موانئها في الخليج.
وهنا تظهر نقطة مهمة في الأزمة: السعودية لديها طريق بديل عن هرمز، لكن حماية هذا الطريق أصبحت جزءًا من المشكلة نفسها.
من هرمز إلى باب المندب
بعد وصول النفط إلى ينبع، توجد عدة طرق يمكن أن تسلكها الناقلات للوصول إلى الأسواق المختلفة. وبالنسبة للشحنات المتجهة إلى آسيا، فإن أحد أهم الطرق هو الاتجاه جنوبًا عبر البحر الأحمر ثم المرور من باب المندب إلى خليج عدن والمحيط الهندي.
وهنا يدخل الصراع اليمني في الموضوع بشكل مباشر.
فباب المندب يقع عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، ولذلك فإن السيطرة أو التهديد في هذه المنطقة يمكن أن يؤثر على حركة السفن القادمة من البحر الأحمر والمتجهة إلى آسيا.
وخلال سبتمبر 2026، تصاعدت تحركات الحوثيين على الساحل الغربي لليمن والمناطق القريبة من باب المندب. وأفادت الأمم المتحدة بأن الحوثيين تقدموا باتجاه مناطق قريبة من المضيق وسيطروا على مدينة المخا، التي تقع بالقرب من باب المندب، كما تحدثت تقارير عن سيطرتهم على مواقع وجزر استراتيجية في المنطقة.
وفي الوقت نفسه، استمرت التهديدات للسفن المرتبطة بالسعودية. وهذا لا يعني أن باب المندب أصبح مغلقًا بشكل كامل أمام جميع السفن، وهي نقطة يجب الانتباه إليها، لكن ارتفاع مستوى الخطر يمكن أن يكون له تأثير كبير حتى بدون إغلاق المضيق.
فشركات الشحن والتأمين لا تنظر فقط إلى ما إذا كان الطريق مفتوحًا أم مغلقًا، وإنما تنظر أيضًا إلى مستوى الخطر الموجود فيه. وكلما ارتفع الخطر، ارتفعت تكلفة التأمين والنقل، وقد تختار بعض الشركات طرقًا أطول لتجنب المنطقة.
وقد ظهر ذلك بالفعل في تكلفة التأمين على الناقلات المرتبطة بالسعودية. ففي 24 سبتمبر 2026، أفادت رويترز بأن تكاليف التأمين ضد مخاطر الحرب للناقلات التي تتعامل مع ميناء ينبع ارتفعت بشكل كبير مقارنة بالأشهر السابقة، نتيجة تصاعد المخاطر في البحر الأحمر.
المأزق البحري للسعودية
من هنا يمكن فهم المأزق الذي تواجهه السعودية بشكل أوضح.
من الشرق يوجد مضيق هرمز، الذي يمثل الطريق البحري الأساسي لصادرات الخليج، لكنه أصبح تحت ضغط بسبب الحرب مع إيران.
ومن الغرب يوجد البحر الأحمر وميناء ينبع، الذي يمثل أحد أهم البدائل السعودية لتجاوز هرمز، لكن الوصول من خلاله إلى آسيا يعتمد في جزء مهم منه على المرور عبر باب المندب، حيث يتصاعد الصراع في اليمن.
لذلك فإن المشكلة ليست أن السعودية فقدت كل طرقها البحرية، وإنما أن أكثر من طريق مهم أصبح معرضًا للضغط في الوقت نفسه.
وهذا يجعل تصدير النفط أكثر تعقيدًا. فإذا أصبح هرمز غير مستقر، يمكن للسعودية استخدام خط شرق–غرب. وإذا أصبح باب المندب أكثر خطورة، يمكنها محاولة استخدام طرق أخرى عبر البحر الأحمر أو قناة السويس أو رأس الرجاء الصالح. لكن كل طريق من هذه الطرق يحتاج إلى وقت وتكاليف وترتيبات مختلفة.
وبالتالي، فإن امتلاك السعودية لعدة طرق لا يعني أن هذه الطرق متساوية من حيث السرعة والتكلفة والأمان.
كيف يمكن للسعودية التعامل مع الأزمة؟
أول خيار يبقى أمام السعودية هو الحفاظ على خط شرق–غرب وتشغيله بأكبر قدرة ممكنة، لأنه يمثل أهم وسيلة لتجاوز هرمز والوصول إلى البحر الأحمر.
لكن إذا استمرت التهديدات في باب المندب، يمكن استخدام الطريق الشمالي عبر البحر الأحمر وقناة السويس لبعض الشحنات. هذا الطريق لا يحتاج إلى المرور من باب المندب إذا كانت السفن متجهة شمالًا، لكنه ليس حلًا كاملًا للصادرات المتجهة إلى آسيا، كما أن بعض أنواع الناقلات الكبيرة تحتاج إلى ترتيبات خاصة عند استخدام قناة السويس أو منظومة سوميد.
وهناك أيضًا الطريق حول رأس الرجاء الصالح، لكنه طريق أطول بكثير، وبالتالي يعني زيادة في زمن الرحلة وتكاليف الوقود والتأمين واستخدام السفن.
كما يمكن للسعودية الاستفادة من مواقع وموانئ أخرى في المنطقة. وقد ظهرت خلال الأزمة عمليات نقل من سفينة إلى أخرى بالقرب من ميناء صحار في سلطنة عمان، وهو ما سمح بإعادة تنظيم جزء من صادرات النفط بعيدًا عن بعض نقاط الضغط.
لكن هذه الخيارات لا تعني وجود حل واحد ينهي الأزمة. هي بالأحرى مجموعة من البدائل التي يمكن استخدامها بحسب وضع كل طريق.
ماذا يحدث إذا استمر الضغط على هرمز وباب المندب؟
إذا استمر الضغط على هرمز وباب المندب في الوقت نفسه، فقد تواجه السعودية وضعًا تصبح فيه عملية تصدير النفط أكثر تكلفة وتعقيدًا، حتى إذا بقيت الممرات مفتوحة من الناحية القانونية والملاحية.
في هذه الحالة، يمكن أن تستمر بعض السفن في استخدام الطرق الحالية، بينما تتجه سفن أخرى إلى طرق أطول لتقليل المخاطر. وهذا قد يؤدي إلى زيادة تكاليف التأمين والشحن، إضافة إلى زيادة الوقت المطلوب للوصول إلى الأسواق الآسيوية.
أما إذا تعرضت عدة طرق في الوقت نفسه للاضطراب، مثل هرمز وباب المندب وخط شرق–غرب، فإن المشكلة تصبح أكبر؛ لأن السعودية ستحتاج إلى توزيع صادراتها بين عدة مسارات بدل الاعتماد على طريق واحد.
وهنا يمكن فهم أهمية ما حدث في سبتمبر، عندما أدى توقف خط شرق–غرب إلى زيادة صادرات السعودية من موانئ الخليج، وارتفعت عمليات التحميل من رأس تنورة، كما استخدمت السعودية عمليات نقل من سفينة إلى أخرى قرب عمان.
هذا يوضح أن السعودية تحاول التعامل مع الأزمة من خلال تنويع طرق التصدير وليس الاعتماد على طريق واحد فقط.
الصراع في اليمن وتأثيره على أمن الطاقة السعودي
الصراع في اليمن أصبح مرتبطًا بشكل مباشر بأمن الطاقة السعودي بسبب موقع باب المندب.
فبالنسبة للسعودية، لا يمكن فصل أمن البحر الأحمر عن أمن صادرات النفط. أي تهديد في جنوب البحر الأحمر يمكن أن يؤثر على الطريق الذي تستخدمه السعودية لتجاوز هرمز، وبالتالي فإن تطورات الحرب في اليمن يمكن أن تكون لها نتائج تتجاوز حدود اليمن نفسه.
وهذا يجعل باب المندب جزءًا من المعادلة البحرية السعودية. فالسعودية تقع بين الخليج العربي من جهة والبحر الأحمر من جهة أخرى، ولذلك حاولت طوال سنوات تطوير أكثر من وسيلة لتصدير النفط وتقليل اعتمادها على مضيق واحد.
لكن أحداث عام 2026 أظهرت أن البدائل يمكن أن تواجه هي الأخرى مشاكل.
فخط شرق–غرب يوفر طريقًا لتجاوز هرمز، لكنه يصل إلى البحر الأحمر. والبحر الأحمر يرتبط بباب المندب، حيث تصاعد الصراع مع الحوثيين. وفي المقابل، العودة إلى الموانئ الشرقية تعني زيادة الاعتماد على الخليج ومضيق هرمز.
وهكذا أصبحت السعودية أمام شبكة من الخيارات، لكن كل خيار منها يحمل درجة مختلفة من المخاطر والتكلفة.
الخاتمة
المشكلة التي تواجهها السعودية اليوم لا يمكن اختصارها في سؤال: هل تستطيع تجاوز مضيق هرمز أم لا؟
السعودية لديها بالفعل بدائل، أهمها خط شرق–غرب وموانئ البحر الأحمر، كما تستطيع استخدام طرق أخرى في حال أصبح أحد المسارات أكثر خطورة. لكن المشكلة تظهر عندما يتعرض أكثر من طريق للضغط في الوقت نفسه.
فهرمز يمثل ضغطًا من الشرق، وباب المندب يمثل ضغطًا من الجنوب، بينما أصبح خط شرق–غرب نفسه هدفًا للهجمات خلال الأزمة.
لذلك فإن التحدي الحقيقي أمام السعودية هو الحفاظ على قدرة شبكة التصدير على العمل في ظل هذه الظروف، وليس فقط البحث عن طريق بديل واحد.
وفي حال استمر الصراع في اليمن إلى جانب استمرار التوتر حول هرمز، فإن أهمية باب المندب بالنسبة للسعودية ستزداد، لأن أي اضطراب فيه يمكن أن يؤثر على أحد الطرق التي تعتمد عليها المملكة لتجاوز هرمز والوصول إلى الأسواق الآسيوية.
وبالتالي، فإن الأزمة الحالية توضح أن أمن الطاقة لا يعتمد فقط على امتلاك النفط، وإنما أيضًا على القدرة على نقله عبر طرق آمنة ومستقرة. وكلما زاد الضغط على هذه الطرق، أصبحت الجغرافيا البحرية جزءًا أساسيًا من الحسابات السعودية.