مظفر العقابي
القاهرة
لم تكن ليلة العراق والكويت في جدة مجرد تسعين دقيقة، ولا ثلاث نقاط تُضاف إلى جدول خليجي الديار العربية 27، بل كانت ليلةً عاد فيها العراق إلى قلوب أبنائه من أوسع أبواب الفرح، ليلة شعر فيها العراقيون أن شيئاً من الوطن الذي يسكن في أعماقهم قد نهض من جديد، وركض على أرض الملعب، وقاتل حتى آخر نبضة، ثم عاد إليهم منتصراً.
تحت حرارة جدة ورطوبتها، كان لاعبونا يركضون وهم يحملون أكثر من مجرد شعار العراق؛ كانوا يحملون ذاكرة شعب، وأحلام جماهير، وحنين أجيال انتظرت طويلاً لحظة تقول فيها: هذا هو العراق الذي نعرفه.
كانت الظروف قاسية، وكانت هناك أخطاء تحكيمية أثارت علامات الاستفهام، وتقنية VAR لم تكن دائماً عند مستوى الحدث، لكن شيئاً واحداً لم يستطع أحد أن ينتزعه من أسود الرافدين: إرادتهم.
كلما ضاق الملعب، اتسع قلب العراق، وكلما أثقل التعب أقدام اللاعبين، كان الإصرار يدفعهم إلى الأمام. حتى جاءت لحظة الانتصار، وفاز العراق على الكويت بعد أربع سنوات من مواجهات انتهت بالتعادل، وكأن كل ذلك الانتظار انفجر دفعة واحدة في فرحة لا تشبه سواها.
والأجمل أن العراق لم يكسب النقاط وحدها؛ لقد كسب وجوهاً شابة للمستقبل، ومنح أرنولد خيارات جديدة، مؤكداً أن مشروعه يسير في خطين متوازيين: المنافسة الآن، وبناء منتخب أقوى للاستحقاقات المقبلة.
لقد كانت المباراة رسالة إلى الجميع: هذا المنتخب يستطيع أن يتطور، وأن يرتفع مستواه من مباراة إلى أخرى.
وربما لم يصل العراق إلى قمته بعد، لكننا في جدة رأينا ما يجعلنا نؤمن بالطريق إليها.
فخلف كل لاعب عراقي أبٌ ينتظر، وأمّ تدعو، وطفل يحلم، ومغترب يشتاق، وجماهير لا تريد سوى لحظة تشعر فيها أن العراق بخير.
لهذا كانت الفرحة أكبر من ثلاث نقاط.
كانت دمعة وطن، وحضناً للذاكرة، ونبضاً عراقياً عاد ليقول:
من جدة بدأت الحكاية… وإلى قمة الديار العربية نمضي، بإذن الله.
نحمل الحلم في عيوننا، وننتظر من الأسود فصولاً أجمل تليق بتاريخ العراق وكبريائه العظيم، وبجماهيره الوفية، ووطنه الذي يستحق الفرح دائماً.