(58)
دلزار اسماعيل رسول
تُداعبني في كلّ صباحٍ رغبةٌ عارمةٌ في اصطياد طيفكِ من بين زحام الوجوه، وكأنّ المدينة بكاملها لا تضمّ سِواكِ… حين خطوتُ نحو مكاننا المألوف، لم تكن عيناي تبحثان إلا عن السكينة التي تُشرق من عينيكِ… وهناك… في تلك البوابة الدائرية الهادئة التي اعتدت الدخول فيها، رأيتُكِ تخطين خطوات … تتهادي في مِشيتكِ كغزالٍ يرتادُ نبعاً صافياً، كلُّ خطوةٍ منها موزونةٌ بنغمٍ خفيّ …. برقةٍ تُذيب المدى، وتَهبُ ما حولكِ إطاراً من البهاء؛ فعلمتُ حينها أنّ نهاري لم يبدأ إلا بمشهد حُسنكِ، وأنّ السرور كلّه قد اختُصر في تلك اللحظة…
تتوقف عقارب الزمان حين تدنو خطاي منكِ، ويتهيب الفؤاد عظَم هذا الودّ الذي كَبُر في صدري عاماً بعد عام… ليس في قلبي ترددٌ ولا وجل، بل هي مهابة العشق الصادق حين يتجلى في أبهى صُورهِ… كلّما أطلّت ابتسامتكِ العذبة، وتسلل صوتكِ كالماء الزلال وأنتِ تُبادلين الآفاق حديثاً رزيناً، أدركتُ أنّ الوصول إلى شغاف قلبكِ هو الرهان الأجمل في هذه الحياة، وأنّ كسب ودّكِ يعادل الدنيا وما فيها…
تدانيتُ منكِ بلهفةٍ يكسوها الرفق، ورغم لمحةِ التعب الخفيفة التي غفت على ملامحكِ، إلا أنها أضفت عليكِ رقةً فوق رقتكِ، وكأنكِ زهرةٌ يبللها الندى… أهديتكِ طرفةً عابرة كي أرى ثغركِ البسّام ينجلي عن ضحكةٍ دافئة؛ وتلك الضحكة وحدها كانت مكافأتي الجليلة… وحين هممتِ بالرحيل، سعى روحي خلف طيفك… وأبحرتْ عيناي خلف خطواتكِ، تشيعكِ بدعواتٍ دافئة أن يحفظكِ الله، وأن تدوم بيننا أسباب اللقاء…وأن يبقى الحبل بيننا موصولا… لا يقطعه جفاء…
ويمضي الوقت، وتتبدل المشاهد والأماكن… وتبقى أنت الحقيقة الوحيدة في دفتر وجودي… وصورتكِ هي الشاخص الوحيد في مخيلتي، تتحدى الزحام وتستعلي على الضجيج… لقد غدوتِ لي المرفأ والوجهة، وأصبح يقيني أشدّ بأنّ الحبّ الخالص هو أبهى ما نقتنيه … في رحلتنا هذه…سأظل أسير في الأماكن التي آوَتْنَا…وسأبقى أطوف في المدى الذي يجمعنا، مشدوداً بلهفةِ العشاق، أترقبُ الموعد المقبِل بشغفٍ لا يهدأ؛ فأنتِ القَدَرُ الأجمل الذي لا أرتضي عنه بديلاً … وأنتِ السكنُ الذي حُفر في وجداني إلى الأبد…