كرميان صلاح الدين
قراءة فلسفية وتاريخية في صيرورة النهضة الكوردية ومعایر السياسة الدولية تتجسد في الذاكرة الجمعية لشعوب الشرق الأوسط تساؤلات كبرى حول مصائر الجماعات البشرية، لكن قلة منها تلك التي واجهت أسئلة الوجود والتلاشي بالصلابة والثبات اللذين أبداهما الشعب الكوردي ومع ذلك، فإن الكرد وقضيتهم وكيانهم السياسي وحدهم ما زالوا أصيلين تمامًا، سواء من الناحية الثورية أم من ناحية الشرعية السياسية التاريخية. ويمكننا القول إنهم حالة فريدة ونادرة في الشرق الأوسط؛ فكيانهم ووجودهم ليسا نتاجًا أنشأتهما الاتفاقيات الدولية، بل إن المقاومة الكردية بنت نفسها بنفسها بكل ما تملكه من مقومات، وأوصلتها إلى هذه المرحلة تضحياتٌ تمثّلت في بحر من الدماء، ونضالٌ دام أكثر من قرن، وحكمةٌ سياسية محافظة.
وبالمقارنة مع أنظمة ودول وسلطات بلدان الشرق الأوسط، فإنها المجتمع الوحيد الذي استطاع، بفضل أصالته التاريخية وشرعيته السياسية، أن يكون مختلفًا. في حين أن جيرانه القريبين ليسوا سوى نتاج كيانات صاغتها القوى العظمى والمصالح العليا في القرن الماضي.
فأيّ ثورة عربية أو تركية أو فارسية، من تلك الموجودة اليوم، تستطيع أن تقول إنها حافظت على نموذجٍ مماثل للنموذج الكردي؟
في ظل المنعطفات الجيوسياسية الراهنة التي يعيشها العراق وإقليم كوردستان، تتكثف التطورات الإقليمية والدولية لتطرح تساؤلاً مركزياً يتجاوز حدود الزمن الآني .
من ما نخاف؟ هذا التساؤل ليس هروباً من الواقع، بل هو استنطاق فلسفي وتاريخي لعمق النهضة المستقبلية للكورد، وشهادة على أن النهج الكوردایتي ظل –ولا يزال– أحد أنبل وأقوى نضالات الشرق الأوسط وأكثرها أصالة منذ أكثر من قرن مضى من حیث :
أولاً: جذور الأصالة التاريخية في النهج الكوردایتي :
لم يكن النضال الكوردي عبر التاريخ الحديث مجرد رد فعل عابر على طغيان الأنظمة المركزية، بل كان حركة تحرر وطني وفكري نابعة من تراب الأرض ومن شعور عميق بالهوية والثقافة.
* حراسة الوجود: منذ اتفاقيات التقسيم الكبرى (مثل لوزان وسان ريمو) وإلى اليوم، واجه الكورد محاولات مستمرة للطمس والإلغاء، لكنهم حافظوا على جوهرهم الإنساني والثقافي بأسسیتین :
🔸 أخلاقية النضال: اتسم النهج الكوردایتي بالدفاع عن الحرية والتعايش السلمي، متجنباً الوقوع في فخ الشوفينية، مما جعله نضالاً نبيلاً يستمد مشروعيته من عدالة القضية لا من لغة القوة الغاشمة.
🔸الاستمرارية التاريخية: عبر قرن كامل من الثورات والانتفاضات والتجارب الديمقراطية، أثبت الكورد أنهم أصحاب قضية حية لا يمكن طيها أو تجاوزها في معادلات المنطقة.
ثانياً: الواقع الراهن في العراق وكوردستان: معادلة التحدي والاستقرار ، يعيش العراق وإقليم كوردستان اليوم مخاضات سياسية واقتصادية وأمنية معقدة، تتداخل فيها التوازنات الداخلية مع التدخلات الإقليميةبٵنماط :
🔹 إشكالية الدولة المركزية: لا يزال العراق يعاني من أزمات بنيوية في بناء الدولة، حيث تتقاذفه أجندات الصراع المذهبي والسياسي، مما يجعل تجربة إقليم كوردستان الاستقرارية والديمقراطية محط أنظار واهتمام دائمين.
🔹 شراكة بلا شراكة حقيقية: يواجه الإقليم تحديات مستمرة تتعلق بالحقوق الدستورية، والملفات الاقتصادية العالقة، والضغط المستمر لتقويض الكيان الدستوري لكوردستان.
🔹 فرصة النهضة من قلب الأزمات: رغم قسوة الظروف الراهنة، فإنها تمثل مخاضاً لتوليد وعي سياسي جديد يؤكد على ضرورة وحدة الصف الداخلي وترتيب البيت الكوردستاني لمواجهة المخاطر بحكمة وصلابة.
ثالثاً: السياسة الدولية وموقع القضية الكوردية في صراع المصالحاراهنة حیث تتحرك السياسة الدولية وفق منطق المصالح، وغالباً ما تتأرجح مواقف القوى الكبرى تجاه القضية الكوردية بحسب ضرورات المرحلة وتوازنات القوى الإقليمية :
①البراغماتية الدولية: نظرت القوى الكبرى إلى الكورد مراراً كحلفاء أثداء في الحرب ضد الإرهاب والاستبداد، لكن المصالح الاستراتيجية غالباً ما كانت تفرض قيوداً على الدعم السياسي طويل الأمد.
②العمق الجيوسياسي: تدرك الدبلوماسية الدولية أن أي استقرار حقيقي في الشرق الأوسط لا يمكن أن يتحقق دون إنصاف الشعوب التواقة للحرية، وفي مقدمتها الشعب الكوردي الذي يمثل ركيزة استقرار محورية في المنطقة.
③ المسؤولية الذاتية: تدرك الفلسفة الكوردية المعاصرة أن الاعتماد على الحلفاء الدوليين وحده لا يكفي، بل يجب أن يستند إلى القوة الذاتية والوعي السياسي الداخلي والقدرة على المناورة الذكية وسط رمال السياسة المتحركة.
رابعاً: الفلسفة الكوردية في مواجهة الخوف: “من ما نخاف؟”
حين نتأمل المضمون العميق لعنوان “من ما نخاف؟”، ندرك أنه يعبر عن تحول جثيم من موقع الضحية المدافع إلى موقع الفاعل التاريخي الذي يملك زمام مبادرته في هذه امعدلات :
1.جاوز فخ الترهيب: إن الشعوب التي قدمت مئات الآلاف من التضحيات، وتجاوزت محارق الأنفال والقصف الكيميائي وحملات الإبادة، لا يمكن أن ترهبها التهديدات السياسية أو الضغوط الاقتصادية المعاصرة او حیل قانونیة داخل اروقة البرلمانات للنیل من شرعیته .
2. الوعي المستقبلي: الخوف الحقيقي ليس من ضغط الآخرين، بل من تراجع الإرادة الذاتية أو الانقسام الداخلي؛ لذا فإن النهضة المستقبلية للكورد تبنى على أساس استعادة الثقة بالنفس وتطوير المؤسسات الديمقراطية.
3. الرسالة التاريخية: الكورد ليسوا طارئين على الجغرافيا ولا على التاريخ، وقضيتهم العادلة هي جزء من الضمير الإنساني العالمي، ومن يمتلك الحق والتاريخ والأصالة لا يحق له أن يخاف المستقبل، بل هو من يصنعه.
سؤال يطرح نفسه في خضم هذا المشهد المترامي الأطراف: كيف يمكن للقيادة والصف الوطني الكوردستاني تحويل هذه التحديات الراهنة إلى فرصة تاريخية كبرى لتوحيد الرؤية السياسية وضمان الحقوق القومية والاستراتيجية في مستقبل الشرق الأوسط؟ و نیل الاستقلال .