التطبيل السياسي.. عندما يصبح الفشل إنجازاً !

عرفان الداوودي

من يحاسب من يجمّل الفشل ويحوّل المسؤول إلى «قائد وزعيم وهيبة»؟

في العراق، لم تعد مشكلة بعض المسؤولين تقتصر على ضعف الأداء أو سوء الإدارة، بل ظهرت حول بعض مواقع السلطة ظاهرة أخطر: صناعة صورة وهمية للمسؤول، وتحويل الفشل إلى إنجاز، والعجز إلى بطولة، والمسؤول العادي إلى «قائد وزعيم وهيبة وسيف وشيخ»!

وهنا يبرز سؤال سياسي وقانوني وأخلاقي لا يجوز تجاهله:

هل أصبحت الدولة بحاجة إلى مستشارين ومستشارات ومؤسسات إعلامية حقيقية تراقب الأداء وتكشف الخلل، أم إلى جيوش إلكترونية ووجوه إعلامية تلمّع المسؤول وتصفق له؟

لقد شهد العراق خلال السنوات الماضية توسعاً في ظاهرة استثمار بعض مشاهير مواقع التواصل الاجتماعي والمدونين والمؤثرين في الخطاب الحكومي والإعلامي، وهو أمر يحتاج إلى شفافية كاملة: من يدفع؟ ولماذا؟ وبأي عقد؟ وما طبيعة الخدمة المقدمة؟ وهل المال عام أم خاص؟ وهل الإعلان السياسي معلن بوصفه إعلاناً أم يقدم للجمهور باعتباره رأياً مستقلاً؟

هذه ليست أسئلة شخصية، وإنما أسئلة مال عام ونزاهة وحق المواطن في معرفة الحقيقة.

أما أن يتحول بعض الإعلاميين والمحللين والمدونين إلى أبواق دائمة لأي مسؤول، فهنا تتحول المسألة من حرية رأي إلى مشكلة عندما يكون هناك مقابل مالي غير معلن أو تضليل متعمد للرأي العام.

آلاء طالباني ومسؤولية الموقع العام

السيدة آلاء تحسين حبيب طالباني الأسدي
ليست شخصية مجهولة في الحياة السياسية العراقية؛ فقد كانت عضواً في مجلس النواب، وتظهر السجلات البرلمانية اسمها ضمن أعضاء المجلس، كما أفادت تقارير صحفية في 17 حزيران 2026 بتكليفها مستشارة لرئيس مجلس الوزراء لشؤون الأسرة والمرأة. (المراقب النيابي العراقي⁠)

ومن هنا فإن السؤال ليس موجهاً إليها باعتبارها امرأة، ولا يتعلق بانتمائها السياسي أو العائلي، وإنما يتعلق بالموقع العام ومسؤولية شاغله:

ما هي الآليات التي تعتمدها الحكومة في اختيار الشخصيات التي تتولى تقديم المشورة في مواقع حساسة؟

وما حدود الصلاحيات؟

وما طبيعة العلاقة بين المستشار الحكومي والإعلام والمؤثرين ومنظمات المجتمع المدني؟

وهل توجد قواعد معلنة لمنع تضارب المصالح أو استغلال المال العام في صناعة صورة إعلامية للحكومة أو لمسؤوليها؟

هذه أسئلة مشروعة، والإجابة عنها تكون بالوثائق لا بالشعارات.

أخطر من الفساد المالي: تزييف وعي المواطن

الفساد المالي يمكن أن تكشفه أجهزة الرقابة والقضاء، أما تزييف وعي المواطن فإنه أخطر من ذلك في بعض الأحيان؛ لأن المواطن عندما يرى عشرات الصفحات والحسابات والشخصيات الإعلامية تكرر الرسالة نفسها، قد يعتقد أن الفاشل ناجح، وأن المسؤول المقصر منقذ، وأن الأزمة إنجاز!

وهنا تصبح مهمة الإعلام الحقيقي ضرورية.

فالصحفي ليس موظف علاقات عامة عند المسؤول.

والمحلل السياسي ليس موظف دعاية.

والمدون ليس جزءاً من مكتب المسؤول الإعلامي.

والمثقف لا يفقد ضميره بمجرد أن يجلس أمام صاحب سلطة.

الصحافة تسأل، والمواطن يحاسب، والإعلام يراقب، والمسؤول يجيب.

أما تحويل الإعلام إلى منصة للتصفيق، فهو إلغاء لدوره الأساسي.

«أنت القائد… أنت الزعيم… أنت الهيبة!»

والمشهد الأكثر إيلاماً هو ما نشاهده أحياناً على مواقع التواصل الاجتماعي:

أنت القائد!
أنت الزعيم!
أنت الهيبة!
أنت السيف!
أنت الشيخ!
حياك شيخ!

وبعد ذلك صورة للمسؤول، ثم عشرات التعليقات المتشابهة، وكأننا أمام مهرجان مديح لا أمام دولة ومؤسسات وقوانين.

أيها السادة، العراق ليس بحاجة إلى صناعة آلهة سياسية صغيرة.

العراق بحاجة إلى مسؤول يعمل، ومؤسسة تنجز، وقانون يطبق، ورقابة تسأل، وصحافة تكشف، ومواطن يعرف أين ذهبت أمواله.

المسؤول الذي ينجز لا يحتاج إلى مئات المطبلين.

الإنجاز يتحدث عن صاحبه.

والطريق الذي يُعبد بالمديح لا يستطيع أن يخفي الحفر أمام المواطنين إلى الأبد.

أين دور البرلمان والقضاء وهيئة النزاهة؟

إذا كانت هناك أموال عامة تُصرف على الترويج أو العلاقات العامة أو الحملات الإعلامية، فالسؤال القانوني واضح:

هل الصرف تم وفق تخصيص قانوني وعقد أصولي وإجراءات شفافة؟

وإذا كانت هناك أموال تُدفع إلى أشخاص أو منصات للترويج لمسؤولين، فالمطلوب نشر العقود وآليات الإحالة وقيمة المبالغ ومصدرها والجهة المستفيدة.

أما إذا كان الحديث عن أموال خاصة، فالمطلوب أيضاً أن يكون المحتوى الإعلاني أو المدفوع واضحاً للجمهور، حتى لا يُقدَّم الإعلان على أنه رأي مستقل.

هذه ليست حملة ضد أحد.

بل هي دعوة إلى كشف الحقيقة أمام الرأي العام.

لا أحد فوق النقد

المستشار، والوزير، والنائب، وعضو مجلس المحافظة، والمدير العام، ورئيس الحزب، والمسؤول الأمني، جميعهم موظفون في دولة ومؤسسات، وليسوا فوق النقد.

ومن حق المواطن أن يسأل:

ماذا أنجزت؟

كم أنفقت؟

ما الذي وعدت به؟

ما الذي تحقق؟

ومن المسؤول عن الإخفاق؟

وأين ذهبت الأموال؟

ولماذا بقيت المشكلة؟

ومن حق الصحفي أن يطرح هذه الأسئلة من دون أن يتحول إلى عدو سياسي.

ومن حق المسؤول أن يجيب، لا أن يبحث عن جيوش إلكترونية للرد على منتقديه.

الخيانة الحقيقية هي خيانة الحقيقة

ليس المطلوب من الإعلام أن يعادي المسؤولين، كما أنه ليس مطلوباً منه أن يصفق لهم.

المطلوب أن يقول الحقيقة.

فإذا نجح المسؤول، نقول نجح.

وإذا أخفق، نقول أخفق.

وإذا أنجز مشروعاً، نشيد بالإنجاز.

وإذا فشل، نكتب عن الفشل.

أما أن تتحول الصحافة والتحليل السياسي ومواقع التواصل إلى سوق للمديح السياسي، فهذه كارثة على الديمقراطية نفسها.

لذلك فإن أخطر ما يمكن أن يفعله المثقف والإعلامي ليس أن ينتقد مسؤولاً فاشلاً، وإنما أن يعرف فشله ثم يقف أمام الناس ليقول:

«أنت القائد… أنت الزعيم… أنت الهيبة… أنت السيف… أنت الشيخ!»

هذه ليست صحافة.

وليست ثقافة.

وليست مسؤولية وطنية.

هذه صناعة صورة على حساب الحقيقة.

والدولة التي تريد بناء مؤسسات حقيقية لا تحتاج إلى المطبلين، وإنما تحتاج إلى صحفيين أحرار، ومثقفين مستقلين، وقانون يطبق على الجميع، ورقابة لا تخاف من أحد.

والسؤال الذي يجب أن يبقى مطروحاً أمام الحكومة والبرلمان والجهات الرقابية:

هل نريد دولة تُقاس فيها المسؤولية بحجم الإنجاز، أم دولة يُقاس فيها المسؤول بحجم التصفيق الذي يحصل عليه؟

الجواب يجب ألا يكون بياناً إعلامياً.

الجواب يجب أن يكون بالوثائق، والعقود، والأرقام، والنتائج على الأرض

قد يعجبك ايضا