بختيار زيور… شاعرٌ حمل جبال كردستان في قلبه

محمد علي محيي الدين

في مدينة السليمانية، تلك المدينة التي طالما أنجبت الشعراء والحالمين وحراس اللغة الكردية، وُلد الشاعر الكردي بختيار زيور عام 1908، في بيتٍ تفيض أروقته بالعلم والأدب. فقد كان والده الملا عبد الله زيور واحداً من أهل الثقافة والمعرفة، ومنه ورث الابن حساسية اللغة وولعه المبكر بالكلمة، فشبّ وهو يرى الشعر أكثر من مجرد فن، بل صوتاً للروح ومرآةً لهموم الناس وآمالهم.

كانت السليمانية آنذاك مدينةً نابضة بالحياة الفكرية، تختلط فيها المجالس الأدبية بأحاديث السياسة والتحرر، وتنمو في فضائها أسئلة الهوية والحرية والانتماء. وفي هذا المناخ تفتحت شخصية بختيار زيور، فبدأ كتابة الشعر وهو في السابعة عشرة من عمره، وكأن الكلمات وجدت فيه بيتها الطبيعي منذ وقت مبكر. لم يكن شاعراً تقليدياً يكتفي بوصف العواطف والطبيعة، بل حمل منذ بداياته هماً قومياً وإنسانياً واضحاً، وجعل من قصيدته مساحة للتنوير وبعث الوعي في نفوس الشباب الكردي، خاصة في عقد الأربعينيات الذي كان مليئاً بالتحولات السياسية والفكرية.
امتاز بختيار زيور بعقل منفتح على المعرفة الحديثة، وكان مؤمناً بأن النهضة لا تقوم على الحماسة وحدها، بل على الثقافة والعلم والانفتاح على تجارب الشعوب الأخرى. ولهذا اهتم بالترجمة إلى جانب الشعر، فقام بترجمة بعض مقالات المفكر الإسلامي الكبير جمال الدين الأفغاني، في محاولة لنقل الأفكار التنويرية والإصلاحية إلى القارئ الكردي، وربط الثقافة المحلية بالحراك الفكري الأوسع في العالم الإسلامي والعربي.
ومع مرور الوقت، بدأت شهرته تتسع في الأوساط الأدبية الكردية، خصوصاً عندما نشر عدداً من قصائده السياسية التي لامست وجدان الناس، فكانت قصائده أشبه بنداءات حرية تخرج من أعماق الجبال والقرى والمدن الكردية. وقد برزت قصائد مثل “وردة الحرية” و”الراعي” و”على قمة جبل بيره كرون” بوصفها نماذج لشعره الوطني الذي امتزجت فيه العاطفة بالقضية، والجمال بالحزن، والحلم بالألم.
كان شعره قريباً من الناس رغم عمقه الفكري، إذ استطاع أن يحول معاناة الإنسان الكردي وأشواقه إلى صور شعرية نابضة بالحياة. وكانت الطبيعة الكردستانية حاضرة بقوة في نصوصه؛ الجبال والينابيع والسهول والرياح لم تكن مجرد خلفيات جمالية، بل رموزاً للكرامة والصمود والحرية. ولهذا شعر القارئ الكردي أن قصائد بختيار زيور تتحدث بلسانه وتعبر عن روحه.
وفي عام 1945 اتجه إلى كتابة القصة القصيرة أيضاً، في دليل على تعدد اهتماماته الأدبية ورغبته في توسيع أدوات التعبير. لكنه ظل وفياً للشعر بوصفه لغته الأعمق والأكثر قدرة على احتضان قلقه الفكري والوجداني. وقد أصدر ديواناً شعرياً مطبوعاً، غلب عليه الطابع الوطني والقومي، كما كتب عمله المعروف “لجنة ضائعة” الذي جاء أقرب إلى الملحمة الشعرية، وفيه ظهرت قدرته على السرد الشعري وبناء الصور الكبيرة التي تتجاوز حدود القصيدة التقليدية.
غير أن حياة بختيار زيور لم تكن سهلة أو مستقرة. فقد عاش قلق المثقف الذي يرى واقعه مثقلاً بالخيبات والانقسامات، ويحلم في الوقت نفسه بعالم أكثر عدالة وحرية. وكان يحمل داخله صراعاً فكرياً وإنسانياً عميقاً، حتى أُصيب في سنواته الأخيرة بانهيار عصبي نتيجة تلك المعاناة النفسية والفكرية التي أثقلت روحه الحساسة.
ورغم قصر عمره، ترك أثراً واضحاً في الحركة الأدبية الكردية الحديثة، إذ عُدّ من الأصوات الشعرية التي ساهمت في تشكيل الوعي القومي والثقافي لدى جيل كامل من الشباب الكردي. وقد كانت الصحف والمجلات الكردية تحتفي بنصوصه، وترى فيه شاعراً مختلفاً جمع بين الحس الوطني والرؤية الإنسانية والانفتاح الثقافي.
وفي الحادي والثلاثين من كانون الأول عام 1952، رحل بختيار زيور عن عمر ناهز الرابعة والأربعين، ودُفن في مدينته السليمانية التي أحبها وكتب عنها كثيراً، تاركاً وراءه قصائد ما زالت تحتفظ بحرارتها وصدقها حتى اليوم. لقد كان واحداً من أولئك الشعراء الذين لم يكتبوا الشعر للزينة أو الشهرة، بل كتبوه لأن أرواحهم لم تكن تستطيع الصمت، ولأنهم آمنوا بأن الكلمة الحرة قادرة على أن تبقى، حتى بعد أن يغيب أصحابها بسنوات طويلة.

قد يعجبك ايضا