التدخل بين الزوجين باسم النصيحة وصلة الرحم

هاشم أمير الهاشمي

يقدم المقال تأسيساً متكاملاً لضبط حدودالخصوصية الزوجية والتمييز بين التدخل الإصلاحيالمشروع والفضول الهدّام. ويشرح التقرير الأبعادالنفسية والتربوية والاجتماعية التي تترتب علىاقتحام الأقارب للبيوت تحت غطاءالنصيحةأوصلة الرحم، مؤكداً أن الاستقرار الأسري يقومعلى حماية السكن والمودة ومنع تحول الخلافاتالطبيعية إلى معارك عائلية مفتوحة

كم مرة بدأت خلافات زوجية صغيرة، ثم تسللت إليهاألسنة «طيبة» أو فضولية، فتحولت إلى معارك عائليةلا تنتهي؟ وكم من نصيحة قُدِّمت باسم الحبوالحرص، فصارت بابًا لنقل الكلام، أو فرضالوصاية، أو كسر خصوصية بيت كان يمكن أن يلتئمبجلسة هادئة؟

في هذا المقال نحاول أن نفتح نافذة عملية وهادئةعلى موضوع يمس كل بيت تقريبًا: تدخل بعضالأقارب والمعارف في الحياة الزوجية تحت عنوان«النصيحة» أو «صلة الرحم». سنفرق هنا بينالتدخل الذي يرفع الظلم ويصلح ذات البين، والتدخلالذي يتغذى على الفضول والتتبع وتضخيم العيوب.

ستجد في هذا المقال إجابات عن أسئلة تشغل بالك،مثل: متى يكون كلام الأهل مقبولًا فعلًا؟ وما الحدودالتي لا يجوز تجاوزها حتى مع أقرب الناس؟ وكيفتحمي خصوصية بيتك من غير أن تقطع رحمك؟ وماالفرق بين الإصلاح الحقيقي وفرض الوصاية باسمالخبرة أو القرابة؟

لن نتحدث بلغة التنظير الجاف، بل بلغة قريبة منواقع الشباب والمقبلين على الزواج والمتزوجين حديثًا،وحتى من الآباء والأمهات الذين يريدون الخيرلأبنائهم. ننطلق من القرآن الكريم وروايات أهل البيتعليهم السلام، ونصل بها إلى مشكلات الحياةاليومية.

الغاية بسيطة: أن يعرف الشاب والشابة، والزوجوالزوجة، متى يفتح الباب للناصح الأمين، ومتىيغلقه في وجه المتطفل، حتى تبقى البيوت سكنًاومودة ورحمة، لا ساحة للتدخلات والقطيعة.

ان العلاقة الزوجية قائمة على السكن والمودةوالرحمة، وان الاصل فيها المعاشرة بالمعروف لامحاكمة احد الزوجين امام الجمهور. قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَنتَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾. فالخطابيوجه الزوج الى ضبط انفعاله، ولا يفتح باباللمتطفلين كي يجعلوا الكراهة العابرة دليلا علىفساد العقد، كما ان قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنسَوُا ٱلْفَضْلَبَيْنَكُمْيؤسس لادارة الخلاف بمنطق حفظ الجميل،لا بمنطق جمع العيوب واستعمالها في التحريض.‏

وعندما يبلغ النزاع درجة الشقاق، لا يجعل القرآن كلقريب حكما، بل يحدد طريقا مؤسسيا مضبوطا: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَٱبْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِوَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾. ودلالة الآية ان القرابة معتبرة في باب التحكيم، لكنهاليست كافية وحدها، بل لا بد من صفة الحكموالخبرة والامانة وقصد الاصلاح. فالتدخل المشروعليس اقتحاما عاطفيا، وانما وساطة مقيدة بموضوعالنزاع ومصلحة الطرفين.‏

ويعضد ذلك قوله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّننَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَٱلنَّاسِ﴾. فالنجوى ليست مذمومة بذاتها، وانما يفتقدالكلام خيره اذا انفصل عن غاية صحيحة. وبذلكيميز القرآن بين حديث خاص يحفظ الكرامة ويعالجالمشكلة، وحديث سري يوسع دائرة الشكوى ويصنعاصطفافات عائلية. فالمعيار ليس كثرة الكلام ولاارتفاع نبرة الغيرة، بل مقدار ما يحققه الكلام منمعروف واصلاح.

النصيحة في اصلها ارادة الخير للمنصوح، وليستاظهار التفوق عليه او استحصال النفوذ في قراره. اما صلة الرحم فهي وصل لا استيلاء، ورعاية لامراقبة، واعانة لا مصادرة. لا ذريعة لاختراق البيوت. وكل ممارسة تفضي الى البغضاء والقطيعة تحتاجالى مراجعة عنوانها الشرعي، مهما تزينت باسمالقرابة.‏

والمقصود ليس تحريم كل نصح علني، بل بيان انالاصل في معالجة الخطأ صيانة وجه المخطئ، ولاسيما في مسائل تمس العلاقة الخاصة. فالنصيحةامام الابوين والاخوة والاولاد تتحول غالبا الىتشهير، ويصبح دفاع الزوج او الزوجة عن نفسهجزءا من معركة الكرامة، فيتعذر الاصلاح الذي كانهو الغاية المعلنة.‏

التدخل في الشأن الزوجي يكشف احيانا خللا فيالتوحيد العملي؛ اذ يتوهم المتدخل انه يملك حقتدبير حياة غيره، مع ان الله تعالى جعل لكل انسانمسؤولية واختبارا وحدودا. والامر بالمعروف لا يعنيتسليم النفس لهوى الناصح، بل يعني ان يكون الامرمعروفا حقيقة، وان تكون الطريقة مؤدية اليه.

فالسؤال التفصيلي عن الخلافات، وتفتيش الهاتف،واستنطاق الاولاد، واستدعاء الجيران، كلها قد تنتقلمن طلب المعرفة الى تجسس محرم او قريب منالتحريم. ولا يصير كشف العيب مباحا لمجرد انالكاشف قريب، بل يتوقف على حاجة معتبرة كدفعضرر محقق او حماية مظلوم عاجز.‏

البيت الزوجي يحتاج الى مساحة امان، لان الفرد لايستطيع معالجة الخلاف اذا كان يتوقع ان كل كلمةستغادر البيت وتصبح مادة للتعليق. ويؤدي التدخلالمتكرر الى رفع التوتر، وزيادة الحذر، وتضخم سوءالظن، وقد تظهر اثاره في اضطراب النوم والقلقوالصداع واضطراب الشهية، كما يضعف قدرةالزوجين على الحوار الهادئ. ومن هنا تكونالخصوصية الزوجية عاملا وقائيا للصحة النفسية، لاترفا اجتماعيا.

وتظهر الخطورة التربوية حين يدخل الاولاد فيالنزاع، فيطلب منهم نقل الرسائل او اختيار طرف اومراقبة احد الوالدين. هذا السلوك يربك شعورهمبالامان، ويحولهم الى شهود على صراع الكبار، وقديورثهم نماذج عدوانية في التواصل. والواجب انيحفظ القريب مقام الابوة والامومة، وان يمنعاستخدام الطفل اداة ضغط، وان يوجه الزوجين الىالحوار المباشر او الاستعانة بمختص امين عندالحاجة.

صلة الرحم لا تقتصر على حضور المناسبات، لكنهاكذلك لا تعني تحويل العائلة الى جهاز رقابة. الصلةالنافعة تكون بالسؤال العام، والاعانة عند الحاجة،وحفظ السر، والدعاء، والزيارة التي لا تحملالاستجواب. اما الرسالة الاجتماعية للاصلاحفتتحقق حين يختار الاهل شخصا واحدا او اثنينمن ذوي الحكمة، ويستأذنون الطرفين، ويحددانموضوع البحث، ويلتزمان بعدم نقل التفاصيل.

ومن النماذج الحسنة ان يستمع المصلح الى كلطرف منفردا، ويفصل بين الوقائع والتفسيرات،ويمنع الشتائم، ويبحث عن الحق الواجب قبل الرغبةالشخصية. ومن النماذج السيئة ان يبدأ المتدخلبعبارات مثل: اتركها، او لا تسكتي له، او نحن اعرفبمصلحتك، قبل معرفة حقيقة النزاع. وقد يكونالصمت المؤقت اصلح من النصيحة اذا كان الناصحغاضبا، او منحازا، او ناقلا لكلام سمعه من طرفواحد. فالسكوت في موضع حفظ الفتنة قد يكوننصرة للاسرة، لا تخليا عن المسؤولية.‏

قد يقال: ان القريب مأمور بصلة رحمه، فكيف يسكتعن مشكلاتهم؟ والجواب ان الصلة درجات،والنصيحة لها شروط، وليس كل سكوت اهمالا. وقديقال: ان التدخل واجب عند وقوع المنكر، والجواب انالواجب يتعلق بالمنكر المتيقن وبالقدرة على التأثيروبالطريقة الاقل ضررا، اما الظنون والخلافاتالعادية فلا تجعل المتدخل قاضيا على الناس. وقديقال: ان كتمان المشكلة يضيع الحق، والجواب انالكتمان ليس مطلوبا عند الظلم، بل المطلوب حصرالشكوى في اهل الخبرة والامانة، مع منع التشهيروالتوسع.

اما اثار التدخل غير المنضبط فتشمل فقدان الثقة،وتثبيت صورة سلبية عن احد الزوجين، واتساع دائرةالخصومة، وتحويل الخلاف القابل للعلاج الى نزاعبين عائلتين، وربما التعجيل بالطلاق. وفي المقابل،يثمر التدخل المنضبط تخفيف العنف، وكشف الظلم،واعادة بناء الحوار، وحماية الاطفال، متى التزمالمصلح بالعدل والسرية والرفق.

ان الاصل في الحياة الزوجية حفظ الخصوصيةوالمعاشرة بالمعروف؛ وان النصيحة الشرعية فعلاصلاح لا فعل سيطرة؛ وان صلة الرحم لا تبررالتجسس ولا نقل الكلام ولا افشاء الاسرار؛ وانالتحكيم العائلي مشروع عند الشقاق بشرط الكفاءةوالامانة وقصد الاصلاح؛ وان حماية الاطفالوالصحة النفسية من مقتضيات الاصلاح؛ وانالسكوت عن الظلم يختلف عن السكوت عن الخلافاتالطبيعية.

ويوصي البحث بتربية الابناء على حرمة اسرارالبيوت، وتعليم المقبلين على الزواج مهارات الحواروطلب المساعدة، وانشاء قنوات اسرية للوساطة لاتقوم على التشهير، واعتماد قاعدة الاستئذان قبلالتدخل، وقاعدة الاقتصار على قدر الحاجة، وقاعدةتقديم السلامة ودفع الضرر عند وجود عنف اوتهديد. كما يوصي بان يكون المصلح عادلا بينالطرفين، حافظا للسر، قليل الكلام، واضح الغاية،وان ينسحب اذا غلب على ظنه ان حضوره يزيدالنزاع. وبذلك تستعيد النصيحة معناها الرسالي،وتبقى صلة الرحم جسرا للرحمة لا مدخلا لهدمالميثاق الزوجي.

قد يعجبك ايضا