تانيا ملكشاهي
في واحدة من أكثر التجارب السينمائية الكوردية طموحاً، قدم المخرج والكاتب الكوردي هلكوت مصطفى فيلمه الروائي الجديد «لن ترى الجنة إذا قتلتك امرأة»، حاملاً إلى الشاشة قصة إنسانية وحربية تدور أحداثها في أجواء الحرب على تنظيم داعش، وتضع المرأة الكوردية في مركز الحكاية بوصفها مقاتلة وصاحبة قرار وإرادة، لا مجرد شخصية هامشية في سردية الحرب.
تجري أحداث الفيلم بالقرب من مدينة الموصل عام 2016، في زمن كانت فيه المدينة وأطرافها تعيش تحت وطأة تنظيم داعش، بينما تحولت شوارعها وبيوتها وكنائسها إلى مساحات للخراب والخوف والموت. وفي هذا العالم المظلم تظهر فيان، وهي مقاتلة كوردية في صفوف قوات البيشمركة، تؤدي دورها الممثلة آفان جمال، لتبدأ رحلة محفوفة بالمخاطر بحثاً عن شقيقتها الصغرى هيلين، التي يُعتقد أنها وقعت في قبضة أحد مسلحي التنظيم. (موقع نبض
لا تبدأ حكاية فيان من موقع البطلة التقليدية التي تبحث عن المجد أو البطولة، وإنما من دافع إنساني شديد العمق: إنقاذ شقيقتها. ومن هنا تتحول المهمة العسكرية إلى رحلة شخصية، تختلط فيها مشاعر الحب والخوف والانتقام والأمل، وتصبح الحدود بين المعركة من أجل الأرض والمعركة من أجل الإنسان أكثر تداخلاً.
تظهر فيان في بداية الفيلم كمقاتلة وقناصة تعرف طبيعة الحرب وتدرك خطورتها. إلا أن مهمتها الجديدة تفرض عليها الانتقال من موقع المقاتل الذي يراقب العدو من بعيد إلى موقع أكثر خطورة، حيث يتعين عليها التسلل إلى قلب المناطق التي يسيطر عليها تنظيم داعش.
وتكشف المصادر المتاحة أن الفيلم يفتتح بمشهد سينمائي طويل تدور أحداثه عام 2016، حيث تتحرك الكاميرا عبر فجوة في جدار، ثم تتبع مقاتلة مسلحة وسط الشوارع المدمرة وصولاً إلى كنيسة مهدمة، حيث تنجح في إنقاذ فتاة محتجزة. ومن خلال هذه البداية يضع هلكوت مصطفى المشاهد مباشرة في أجواء الفيلم: مدينة مدمرة، حرب مستمرة، وأشخاص يحاولون النجاة من عالم فقد الكثير من إنسانيته) موقع نبض
لكن إنقاذ فتاة واحدة لا ينهي مهمة فيان. فهدفها الحقيقي هو الوصول إلى شقيقتها هيلين، التي تبحث عنها وسط عالم مليء بالموت والخطر، ويقودها ذلك إلى مواجهة شخصية خطرة يشار إليها باسم «القناص السويدي».
وهنا يأخذ الفيلم منحى أكثر تشويقاً؛ فالقصة لا تعتمد فقط على المواجهة العسكرية المباشرة، بل تقوم على التسلل والمطاردة والخداع والانتظار، وهي عناصر تمنح العمل طابعاً يجمع بين الدراما الإنسانية وأفلام الحرب والتشويق. (موقع نبض
ربما تكمن أهمية الفيلم الأساسية في اختياره امرأة كوردية لتكون محور الحكاية. فهلكوت مصطفى لا يقدم فيان باعتبارها مجرد مقاتلة تحمل السلاح، وإنما بوصفها امرأة تحمل في داخلها قصة شخصية ومشاعر إنسانية، وتدخل الحرب وهي مدفوعة بحب أختها ورغبتها في إنقاذها.
وهذه الزاوية تمنح الفيلم بعداً يتجاوز الأحداث العسكرية؛ إذ يصبح السلاح في يد فيان وسيلة للدفاع عن الحياة، بينما يصبح الموت الذي يحيط بها اختباراً مستمراً لإنسانيتها.
وقد أكد هلكوت مصطفى أن أحد أهدافه من الفيلم هو لفت أنظار العالم إلى شجاعة وبطولة المرأة الكوردية، مشيراً إلى أنه التقى بعدد من مقاتلات البيشمركة اللواتي شاركن في الحرب ضد تنظيم داعش، واستفاد من قصصهن في بناء عالم الفيلم وشخصياته. (Rudaw)
منذ الوهلة الأولى يلفت عنوان الفيلم «لن ترى الجنة إذا قتلتك امرأة» الانتباه، فهو عنوان صادم وغامض في الوقت نفسه، ويبدو كأنه جملة تنتمي إلى عالم الحرب والعنف، لكنه يحمل في داخله مفارقة واضحة: امرأة هي التي تحمل السلاح وتطارد الرجل المسلح، والمرأة التي اعتاد البعض أن يضعها في موقع الضحية تصبح هي صاحبة المبادرة والقوة.
ومن هنا يمكن قراءة العنوان بوصفه جزءاً من البناء الدرامي للفيلم، وليس مجرد عبارة دعائية. إنه يقلب الصورة التقليدية للمرأة في أفلام الحروب، ويضعها في مواجهة مباشرة مع الرجل المسلح، لتصبح هي التي تطارد وتواجه وتقرر مصير المواجهة.
لا تبدو الموصل في الفيلم مجرد خلفية جغرافية للأحداث، بل تتحول إلى شخصية صامتة تشارك في صناعة الدراما.
فالمدينة المدمرة والكنائس والأحياء الخالية والجدران التي تحمل آثار الحرب، كلها تشكل فضاءً بصرياً يعكس حالة الشخصيات الداخلية. وبين أنقاض المدينة تبحث فيان عن شقيقتها، وكأنها تبحث في الوقت نفسه عن جزء من حياتها التي سرقتها الحرب.
وبذلك تصبح الخرابة في الفيلم رمزاً لما تفعله الحروب بالمدن والإنسان معاً؛ فالدمار لا يطال الحجر وحده، وإنما يمتد إلى الذاكرة والعائلة والأحلام.
ورغم أن المحرك الأساسي للأحداث هو البحث عن شقيقة مفقودة، فإن الفيلم يفتح أبواباً أوسع على قضايا الحرب والمرأة والعنف والتطرف. فالمأساة الشخصية التي تعيشها فيان تتقاطع مع مأساة آلاف العائلات التي فرقتها الحرب، ومع قصص النساء اللواتي وجدن أنفسهن في مواجهة تنظيم متطرف حاول تحويل الخوف إلى وسيلة للسيطرة على المجتمع.
ولهذا لا تبدو رحلة فيان مجرد عملية عسكرية لإنقاذ شخص واحد، وإنما رحلة لاستعادة الإنسان من بين أنقاض الحرب.
اكتسب الفيلم أهمية إضافية بعد اختياره للمشاركة في الدورة الـ83 لمهرجان فينيسيا السينمائي الدولي، حيث أقيم عرضه العالمي الأول في 7 أيلول 2026، ولاقى ترحيباً واهتماماً من نقاد وشخصيات سينمائية. كما اختارته اللجنة الوطنية العراقية بالإجماع لتمثيل العراق في سباق جوائز الأوسكار لعام 2027. (Kurdistan24 )
ووصف المدير الفني لمهرجان فينيسيا ألبرتو باربيرا الفيلم بأنه عمل قوي وجذاب، مشيراً إلى أن قوة الفيلم وجماله ومضمونه السياسي والإنساني كانت من الأسباب التي دفعته إلى دعوته للمشاركة في المهرجان. (Rudaw)
كما أثار الفيلم اهتمام عدد من النقاد والممثلين العالميين، الذين أشادوا بقصته وطريقة تقديمه للحرب ودور المرأة الكوردية. (Rudaw)
يواصل هلكوت مصطفى من خلال هذا العمل مساره في تقديم قصص كوردية إلى الجمهور العالمي. فبعد تجربته السينمائية السابقة «الكلاسيكو»، وفيلمه الوثائقي «إخفاء صدام حسين»، يعود هذه المرة إلى عالم الروائي، ليقدم قصة تدور في منطقة جغرافية يعرفها العالم من خلال أخبار الحرب، لكنه يحاول أن يمنحها وجهاً إنسانياً مختلفاً.
وفي «لن ترى الجنة إذا قتلتك امرأة»، لا يريد المخرج أن يروي فقط قصة الحرب على داعش، بل يريد أن يقول إن خلف أخبار الحروب والأرقام والخرائط توجد وجوه بشرية، وعائلات تنتظر أبناءها، ونساء يواجهن الموت، وأشخاص يقاتلون من أجل إنقاذ من يحبون.
وهنا تكمن قوة الحكاية: فيان لا تقاتل فقط لأنها مقاتلة، وإنما تقاتل لأنها أخت.
وربما لهذا السبب تحديداً يخرج الفيلم من إطار قصة الحرب التقليدية، ليصبح قصة عن الحب والخوف والشجاعة والتضحية، وعن امرأة كوردية تدخل إلى قلب واحدة من أكثر الحروب قسوة، حاملة سلاحها في يد، وذاكرة أختها في اليد الأخرى.
إنها حكاية امرأة ترفض أن تكون رقماً في سجل الحرب، وتختار أن تصنع مصيرها بنفسها؛ حكاية تبدأ من أنقاض الموصل، لكنها تتطلع إلى أن تصل إلى جمهور عالمي، حاملة معها صورة مختلفة للمرأة الكوردية: امرأة تقاوم، تحمي، تبحث، وتقاتل من أجل الحياة.