ثورة أيلول.. حين تحوّل النضال إلى مشروع لبناء المستقبل

رمزي ميركاني

تحلّ ذكرى ثورة أيلول، التي اندلعت في 11 أيلول عام 1961، بوصفها واحدة من أبرز المحطات في التاريخ الكوردي المعاصر. ولم تكن هذه الثورة مجرد مواجهة عسكرية أو حدثاً عابراً، بل مثّلت تعبيراً عن إرادة سياسية واجتماعية رفضت التهميش والإقصاء، وسعت إلى بناء علاقة جديدة بين الشعب الكوردي والدولة العراقية تقوم على الاعتراف بالحقوق والشراكة الوطنية.
جاءت الثورة في ظروف سياسية معقدة أعقبت ثورة 14 تموز 1958، التي حملت في بدايتها آمالاً كبيرة ببناء عراق جديد يتسع لجميع مكوناته. وكان الزعيم ملا مصطفى بارزاني من المؤيدين للثورة الجمهورية، وعاد من منفاه للمشاركة في بناء الدولة الجديدة. غير أن الخلافات السياسية تصاعدت لاحقاً، وتراجعت مساحة العمل الديمقراطي، وتعرض الحزب الديمقراطي الكوردستاني للملاحقة، وأُغلقت جريدة «خه‌بات»، كما تصاعدت الضغوط العسكرية على المناطق الكوردستانية.
في ظل انسداد أبواب الحوار، تحولت المطالبة بالحقوق إلى نضال مفتوح، وانطلقت ثورة أيلول بقيادة ملا مصطفى بارزاني. ولم يكن حمل السلاح هدفاً بحد ذاته، بل كان جزءاً من مشروع سياسي سعى إلى تحقيق الديمقراطية في العراق والحكم الذاتي لكوردستان ضمن إطار العراق، مع التأكيد على ضرورة الاعتراف بالتعدد القومي وحقوق الشعب الكوردي.
ومن أهم ما ميّز ثورة أيلول أنها لم تبقَ حركة عسكرية محدودة، بل تحولت إلى حالة شعبية واسعة. فقد شارك فيها أبناء مناطق وفئات اجتماعية مختلفة، وأسهمت في الانتقال من الانتماءات المحلية الضيقة إلى شعور أوسع بالانتماء إلى كوردستان. كما جمعت الثورة بين الفلاح والمثقف والطبيب والمعلم وأصحاب المهن، ودفعت النساء أيضاً إلى تحمل مسؤوليات أكبر في مجالات الإعالة والتعليم والصحة وإسناد البيشمركة.
ولم تقتصر آثار الثورة على الجانب الاجتماعي، بل أسهمت في ظهور تجربة إدارية وسياسية مهمة. فمع اتساع المناطق الواقعة تحت نفوذ الثورة، أصبحت هناك حاجة إلى إدارة شؤون السكان، ولذلك تأسس عام 1964 مجلس قيادة الثورة ومكتبه التنفيذي، وبدأت تتشكل نواة لإدارة كوردية في ظروف الحرب. وقد شكلت هذه التجربة أساساً مهماً للخبرة السياسية والإدارية التي استفادت منها الحركة الكوردية في مراحل لاحقة، وصولاً إلى تجربة الحكم الذاتي والمؤسسات بعد انتفاضة 1991 وانتخابات 1992.
وكان للإعلام والثقافة دور بارز في الثورة أيضاً. فقد استمرت جريدة «خه‌بات» في نقل أخبار الثورة وأفكارها، وأدت مجلة «الكادر» دوراً في التثقيف السياسي والفكري، بينما افتُتحت عام 1963 إذاعة «صوت كوردستان» لتكون وسيلة تصل إلى الناس وتتجاوز المسافات. كما أسهمت الأغاني والقصائد والأعمال الفنية والمسرحية في حفظ ذاكرة الثورة ونقل رسالتها إلى الأجيال.
وفي الوقت نفسه، أدركت قيادة الثورة أن القضية الكوردية لا يمكن أن تبقى محصورة داخل كوردستان والعراق، ولذلك جرى العمل على إيصالها إلى المجتمع الدولي من خلال مخاطبة الأمم المتحدة والتواصل مع الشخصيات السياسية والصحفية والدبلوماسية في الخارج. وأظهرت هذه التجربة أهمية الجمع بين النضال الداخلي والعمل السياسي والدبلوماسي، مع إدراك أن الدول تتحرك في النهاية وفق مصالحها وحساباتها.
استمرت ثورة أيلول أربعة عشر عاماً، وانتهت مرحلتها عام 1975 بعد اتفاق الجزائر وما ترتب عليه من توقف الدعم للحركة الكوردية. وكانت تلك النهاية انتكاسة سياسية مؤلمة، لكنها لم تعنِ نهاية القضية أو النضال؛ إذ جاءت ثورة كولان عام 1976 امتداداً لمسيرة أيلول، واستمرت الحركة الكوردية في النضال السياسي والعسكري. كما مثّل اتفاق 11 آذار 1970 محطة مهمة، لأنه فتح الباب أمام الاعتراف الرسمي بالحقوق القومية للشعب الكوردي وإمكانية بناء علاقة جديدة بين بغداد وكوردستان.
ومن أهم الدروس التي تركتها ثورة أيلول أن القضية السياسية لا يمكن أن تُحل بالقوة وحدها، وأن الاتفاقات السياسية تحتاج إلى إرادة حقيقية لتنفيذها. كما أثبتت أن قوة أي حركة لا تقوم على المقاتلين وحدهم، بل تحتاج إلى السياسي والمثقف والإعلامي والطبيب والمعلم والدبلوماسي، وإلى مؤسسات قادرة على إدارة شؤون المجتمع.
وبالنظر إلى المسيرة الممتدة من أيلول إلى كولان، ثم انتفاضة 1991 وبناء البرلمان والحكومة والمؤسسات، يمكن القول إن الثورة أسهمت في تكوين وعي سياسي واجتماعي ترك أثراً عميقاً في تجربة إقليم كوردستان. فقد انتقلت القضية تدريجياً من ساحات المواجهة إلى ميادين السياسة والإدارة والدبلوماسية وبناء المؤسسات.
إن الوفاء لثورة أيلول لا يكون باستعادة ذكراها كل عام فقط، وإنما بفهم دروسها وتحويل تضحيات الماضي إلى طاقة لبناء المستقبل. فالمطلوب اليوم هو الحفاظ على المكتسبات، وتقوية المؤسسات، وترسيخ الشراكة، واحترام التنوع، والعمل من أجل حلول سياسية مستدامة. وبذلك تبقى ثورة أيلول أكثر من ذكرى تاريخية؛ إنها تجربة تؤكد أن الشعوب تستطيع، بالصمود والتنظيم والوعي، أن تحول المحن والتضحيات إلى أساس لمستقبل أكثر أمناً واستقراراً وازدهاراً.

قد يعجبك ايضا