متابعة ـ التآخي
كان هواء البحر والاستحمام في مياه البحر يوصفان في الماضي بصفتهما علاجا لبعض الأمراض، حتى إن عديد المدن الساحلية في بريطانيا تأسست أو ازدهرت بوصفها منتجعات صحية.
لكن في الوقت الحالي، تشير البيانات إلى أن الأشخاص الذين يعيشون في المناطق الساحلية بإنجلترا يعانون مستويات أعلى من الأمراض مقارنة بمن يعيشون في مناطق أخرى.
وتكشف دراسة جديدة، تابعت جيلين من البريطانيين منذ الولادة وحتى منتصف العمر، أن تفسير هذه الظاهرة قد لا يكون موجودا في البحر على الإطلاق. فالنشأة على الساحل لم تجعل الأشخاص أكثر عرضة للإصابة بأمراض مزمنة متعددة بحلول منتصف العمر.
وفي كلا الجيلين، كان الأشخاص الذين غادروا المناطق الساحلية بين عمري 16 و42 عاما هم الأقل عرضة للإصابة بعدة أمراض مزمنة، بينما كان الأشخاص الذين انتقلوا إلى المناطق الساحلية من بين الأكثر عرضة للإصابة بها.
وقاد الدراسة ستيفن جفراج، أستاذ في جامعة كوليدج لندن. وأوضح جفراج أن ارتفاع معدلات المرض في المجتمعات الساحلية لا يعود ببساطة إلى العيش قرب البحر، وإنما يعكس مزيجا من الحرمان الاقتصادي والاجتماعي والهجرة الانتقائية، حيث يكون الأشخاص الذين يتمتعون بصحة أفضل أكثر ميلا إلى مغادرة المناطق الساحلية، بينما يكون الأشخاص الذين يعانون أوضاعا صحية أسوأ أكثر احتمالا للبقاء فيها أو الانتقال إليها.
وليست الفكرة القائلة إن العيش قرب الساحل قد تكون له فوائد صحية مجرد تصور شائع.فقد ربطت دراسات سابقة بين الحياة بالقرب من البحر وتحسن الصحة التي يقومها الأشخاص بأنفسهم، إلى جانب انخفاض مستويات الضغوط النفسية لدى بعض الفئات منخفضة الدخل. كما يمكن أن تكون مستويات بعض أنواع التلوث أقل في المناطق القريبة من المياه.
ولكن لفهم هذه العلاقة على امتداد حياة الأشخاص، استخدم فريق جفراج اثنتين من أطول الدراسات المستمرة في مجال العلوم الاجتماعية البريطانية.
وتشمل البيانات دراسة نمو الطفل الوطنية لعام 1958 ودراسة المجموعة البريطانية لعام 1970، وهما دراستان تابعتا جميع الأشخاص الذين ولدوا في بريطانيا خلال أسبوع واحد محدد في كل عام من عامي 1958 و1970.
وضمت البيانات 13,691 شخصا في المجموعة الأكبر سنا و14,683 شخصا في المجموعة الأصغر سنا، وكان جميع المشاركين من إنجلترا وويلز. ركز الباحثون على 9 حالات صحية أبلغ المشاركون عن تشخيصهم بها من جانب الأطباء، وهي: الربو والسكريوآلام الظهر والسرطان ومشكلات السمعوارتفاع ضغط الدم وأمراض العين وأمراضالقلب والاكتئاب.
وأظهرت البيانات أن أكثر من شخص واحد من كل أربعة في المجموعة الأكبر سنا كان يعاني حالتين صحيتين مزمنتين أو أكثر عند بلوغه 55 عاما.
وفي المجموعة الأصغر سنا، كان شخص واحد من كل خمسة قد وصل إلى المستوى نفسه بحلول سن 46 عاما. لكن اللافت أن المراهقين الذين كانوا يعيشون على الساحل لم يكونوا أكثر مرضا من غيرهم، وظهرت النتيجة نفسها في المجموعتين، سواء بعد ضبط العوامل الأخرى أو من دونه.
قسم الباحثون المشاركين وفق مكان إقامتهم خلال فترة المراهقة ومرة أخرى في أوائل الأربعينات من العمر، إلى أربع مجموعات:من عاشوا في الداخل في المرحلتين و من عاشوا على الساحل خلال المرحلتين و من انتقلوا إلى الساحل و من غادروا الساحل.
وكان نحو 78% من المشاركين يعيشون في المناطق الداخلية في المرحلتين، بينما انتقل نحو شخص واحد من كل 20 شخصا إلى الساحل خلال الفترة بينهما، في حين غادر الساحل عدد أكبر قليلا. وفي الجيل الأكبر سنا، كان 35% من الأشخاص الذين انتقلوا إلى الساحل يعانون حالتين صحيتين مزمنتين أو أكثر عند بلوغ 55 عاما، مقارنة بـ 25% ممن غادروا الساحل.
أما الأشخاص الذين بقوا في المكان نفسه فكانوا بين المجموعتين، وكان الفارق بين من ظلوا في المناطق الساحلية ومن ظلوا في المناطق الداخلية صغيرا بدرجة لا تسمح باستبعاده كونه نتيجة للصدفة.
وبذلك لم يكن أكبر اختلاف في هذه المجموعة بين سكان الساحل وسكان المناطق الأخرى، بل بين مجموعتين من الأشخاص الذين غيروا أماكن إقامتهم، بفارق بلغ 10 نقاط مئوية.وفي الجيل الأصغر، ظهر النمط نفسه ولكن بفارق أقل. فبلغت نسبة من عانوا حالتين مرضيتين أو أكثر 14% بين من غادروا الساحل، و19% بين من انتقلوا إليه، و20% بين من ظلوا يعيشون فيه.
وكان الأشخاص الذين غادروا المناطق الساحلية هم المجموعة الوحيدة التي اختلفت عن جميع المجموعات الأخرى بدرجة تتجاوز ما يمكن تفسيره بالصدفة.
أخذ الباحثون في الاعتبار عددا من العوامل، بينها الجنس، والطبقة الاجتماعية للأب عند الولادة، ومستوى الحرمان في الحي الذي عاش فيه الشخص عند سن 16 عاما، وما إذا كان الشخص يعاني بالفعل حالتين صحيتين أو أكثر عند سن 42 عاما.
لكن الباحثين لم يتمكنوا من تحديد عنوان سكني لكل شخص طوال حياته، ولذلك تعكس النتائج نمطا إحصائيا وليس إثباتا لعلاقة سببية.
وعند النظر إلى مكان الإقامة في سن 42 عاما، بدا أن الحياة في المناطق الساحلية مرتبطة بمخاطر صحية أعلى. ففي الجيل الأكبر سنا، كان سكان المناطق الساحلية أكثر عرضة بنسبة 22% للإصابة بحالتين صحيتين مزمنتين أو أكثر عند سن 55 عاما، مقارنة بسكان المناطق الداخلية