منال الغنام
في العراق تعلّمنا أن نحمل المفاتيح طويلاً وأن نقف أمام الأبواب أكثر مما ينبغي.
مفتاحٌ للسكن
ومفتاحٌ للعمل ومفتاحٌ للخدمة ومفتاحٌ للفرصة ومفتاحٌ للحياةالكريمة…
لكن المشكلة أن كثيراً من هذه المفاتيح لا تجد أبواباً تُفتح بها أو تجد أبواباً لا تُفتح إلا بمفتاح آخر لا يحمله المواطن العادي.
«مفتاح بلا باب» ليست مجرد صورة فلسفية انقلها لكم بل ربما تكون واحدة من أكثر الصور تعبيراً عن واقعنا العراقي.
لدينا العقول لكن أبواب القرار لا تفتح دائماً أمام أصحاب الكفاءة.
لدينا الشباب لكن أبواب العمل تضيق أمامهم.
لدينا الثروات لكن أبواب التنمية لا تزال تبحث عن مفتاحها.
لدينا القوانين لكن باب العدالة يفقد معناه حين يشعر المواطن أن القانون قد يكون صارماً مع الضعيف ومرناً مع صاحب النفوذ.
لدينا جامعات وكفاءات وخبرات عراقية يشار إليها بالبنان ومع ذلك يقف كثير من أصحاب الشهادات والخبرات سنوات أمام باب الوظيفة بينما قد يدخل آخرون من أبواب لا يعرفها إلا أصحاب العلاقات.
وهنا يصبح السؤال أكبر من مجرد شكوى مواطن أين الخلل؟
في المفاتيح أم في الأبواب؟
العراق ليس فقيراً بالمفاتيح.
لدينا النفط والمياه والأرض والعقول والتاريخ والموقع الجغرافي والثروات البشرية والطاقات الشبابية.
لكن الثروة وحدها لا تصنع دولة كما أن كثرة الموارد لا تعني بالضرورة حسن إدارتها.
الدول لا تتقدم بكثرة ما تملكه وإنما بقدرتها على تحويل ما تملكه إلى فرص حقيقية لمواطنيها.
ولذلك فإن العراق لا يحتاج إلى أبواب جديدة بقدر حاجته إلى أبواب عادلة.
باب الوظيفة يجب أن يُفتح للكفاءة.
باب المسؤولية يجب أن يُفتح لمن يملك القدرة والنزاهة.
باب الاستثمار يجب أن يُفتح أمام المستثمر الجاد لا أمام من يمتلك شبكة العلاقات الأقوى.
وباب الدولة يجب أن يكون مفتوحاً أمام المواطن دون أن يضطر إلى البحث عن واسطة تشرح للدولة حقه.
لقد أرهق المواطن العراقي من فكرة أن هناك دائماً باباً خلف الباب ومفتاحاً خلف المفتاح.
حتى أصبح السؤال أحياناً ليس
هل أستحق؟ بل من أعرف؟
وهذه واحدة من أخطر التحولات التي يمكن أن تصيب أي مجتمع عندما تتراجع قيمة الاستحقاق أمام قيمة العلاقة ويتحول القانون من قاعدة عامة إلى تجربة تختلف باختلاف الأشخاص.
لكن الإنصاف يقتضي أن نقول أيضاً إن العراق ليس صورة سوداء بالكامل.
هناك مؤسسات تعمل ومشاريع تُنجز وكفاءات تتقدم وأجيال جديدة ترفض أن ترث أخطاء الماضي كما هي.
وهناك عراقيون في مواقع مختلفة يحاولون أن يجعلوا من المسؤولية خدمة لا امتيازاً ومن المنصب أمانة لا غنيمة.
المشكلة أن هذه الجهود تحتاج إلى نظام يحميها ويجعلها قاعدة لا استثناءً.
نحن بحاجة إلى الانتقال من دولة الأبواب الشخصية إلى دولة الأبواب المؤسسية
أي أن يعرف المواطن الطريق إلى حقه وأن يعرف المسؤول حدود صلاحياته وأن يكون القانون هو المفتاح الوحيد الذي يفتح الأبواب أمام الجميع.
العراق الذي نريده لا ينبغي أن يجعل المواطن يبحث عن مفتاح خاص لكل مشكلة.
لا نريد أن نحتاج إلى واسطة للحصول على وظيفة ولا إلى نفوذ للحصول على خدمة ولا إلى علاقة للوصول إلى مسؤول ولا إلى صبر استثنائي للحصول على حق طبيعي.
نريد دولة يكون فيها الحق مفتاحاً كافياً لفتح الباب.
أما المواطن فعليه أيضاً أن يدرك أن التغيير لا يبدأ دائماً من القصور الحكومية بل من الثقافة التي نقبل بها نحن.
حين نرفض الواسطة عندما لا نحتاجها فقط ونرفضها عندما تُعرض علينا أيضاً وحين نختار الكفاءة على القرابة والنزاهة على الولاء الشخصي وحين نحاسب المسؤول على عمله لا على انتمائه نكون قد بدأنا فعلاً بتغيير شكل الأبواب.
لقد آن للعراق أن يتوقف عن صناعة المفاتيح التي لا تفتح إلا أبواباً محددة وأن يصنع بدلاً منها مفتاحاً واحداً اسمه القانون.
فحين يكون القانون عادلاً لا يحتاج المواطن إلى ألف واسطة.
وحين تكون المؤسسات قوية لا يصبح المسؤول باباً مغلقاً في وجه الناس.
وحين تصبح الكفاءة معياراً لن يبقى الشاب العراقي يحمل شهادته كأنه يحمل مفتاحاً صدئاً يبحث به عن باب.
ربما حان الوقت لأن نسأل أنفسنا بصدق
كم مفتاحاً نملك في هذا البلد؟ وكم باباً حقيقياً مفتوحاً أمام المواطن؟
فالعراق لا تنقصه المفاتيح…
العراق يحتاج إلى أبواب تُفتح بالاستحقاق وتبقى مفتوحة بالقانون.
وعندها فقط لن يكون المواطن مضطراً لأن يقضي عمره واقفاً أمام بابٍ مغلق يحمل في يده مفتاحاً لا يعرف لماذا لم يعد يفتح شيئاً.