أنس الشيخ مطهر
في العراق، لا تحتاج القضايا الكبرى دائماً إلى حل. يكفي أحياناً أن يتغير اسمها.
فما كان بالأمس «نزاعاً» يمكن أن يصبح «اختلافاً في وجهات النظر»، وما كان «فساداً» يصبح «مخالفة إدارية»، وما كان «سلاحاً خارج الدولة» يتحول إلى «سلاح يحتاج إلى تنظيم»، وما كان يفترض أن يكون «تسليماً للسلاح» يصبح «إعادة تنظيم واحتواء». وهكذا تنتقل القضية من مواجهة جوهر المشكلة إلى إعادة تعريفها لغوياً، حتى يصبح من الصعب معرفة أين انتهى الخلاف وأين بدأ الحل.
هذا ما كشفه الجدل الأخير حول سلاح الفصائل المسلحة، حين أثار تصريح لأحد أبرز السياسيين العراقيين نقاشاً واسعاً حول معنى الموعد المحدد لحسم الملف في الثلاثين من أيلول، وحول ما إذا كان المطلوب تسليم السلاح فعلاً أم تنظيمه واحتواء الأزمة. ثم جاء توضيح مكتبه ليؤكد أن المقصود ليس التخلي عن معالجة الملف، وإنما اعتماد مسار هادئ ومتدرج يقوم على التفاهمات والضمانات.
قد يبدو الأمر في ظاهره مجرد اختلاف في التعبير. لكنه في العراق ليس كذلك. فاللغة السياسية هنا لم تعد مجرد وسيلة لوصف الواقع، بل أصبحت في كثير من الأحيان وسيلة لإعادة تشكيل الواقع نفسه.
المشكلة أن الكلمات التي يفترض أن تكون واضحة عندما يتعلق الأمر بالدولة والسلاح والقانون، تصبح فجأة قابلة للتأويل إلى ما لا نهاية. «النزع» يصبح «تنظيماً»، و«التسليم» يصبح «إعادة ترتيب»، و«الحل» يصبح «احتواء»، و«الانسحاب» قد يصبح «إعادة انتشار»، و«المحاسبة» تتحول إلى «معالجة»، بينما تبقى الوقائع الأساسية على الأرض كما هي.
وهنا تكمن واحدة من أعمق أزمات الدولة العراقية: ليس فقط أن القوى السياسية تختلف على الحلول، بل إنها كثيراً ما تختلف حتى على تعريف المشكلة.
والإسلاميون، بحكم تجربتهم الطويلة في السياسة والفكر والجدل الديني، معروفون بخبرة خاصة في التعامل مع اللغة وتأويل المصطلحات وإعادة صياغة المعاني بما يتيح أكثر من قراءة للنص الواحد. وفي السياسة العراقية، لم تعد هذه القدرة مجرد مهارة خطابية، بل تحولت أحياناً إلى وسيلة لإدارة الأزمات نفسها؛ إذ يمكن للكلمة أن تمنح كل طرف مساحة للمناورة، وأن تسمح له بالقول إنه لم يتنازل، حتى عندما يكون أمام تسوية سياسية.
وهذه ليست مشكلة لغوية بريئة. إنها مشكلة سياسية بامتياز.
فاللغة عندما تصبح أداة للهروب من الاستحقاقات، تتحول إلى جزء من المشكلة. وحين تقول الدولة «حصر السلاح بيدها»، ثم يبدأ الجدل حول ما إذا كان الحصر يعني نزع السلاح أو تنظيمه أو نقل قرار استخدامه أو إعادة هيكلته، فإن السؤال الحقيقي يصبح: ما الذي سيحدث للسلاح فعلياً؟ ومن سيملك القرار النهائي باستخدامه؟ وهل سيكون هناك طرف واحد يحتكر القوة، أم أن تعدد القوى سيستمر مع تغيير العناوين فقط؟
والأمر في الحقيقة أوضح من كل هذه التأويلات: المراد هو ألا يكون في العراق سلاح موازٍ لسلاح الدولة، ولا قوة مسلحة تمتلك قرارها خارج مؤسسات الدولة. هذه هي القضية ببساطة، والموضوع لا يحتمل لعبة تحويل المعاني وتبديل الكلمات. يمكن مناقشة كيفية الوصول إلى هذه النتيجة، ويمكن الاختلاف حول الجدول الزمني والضمانات والآليات، لكن لا ينبغي تحويل جوهر القضية إلى معركة لغوية.
الأمر نفسه ينطبق على كثير من الملفات العراقية الأخرى. كم من أزمة لم تُحل، وإنما أُعيدت تسميتها؟ وكم من اتفاق لم يكن أكثر من صياغة لغوية تسمح للأطراف المختلفة بأن تعلن انتصارها في الوقت نفسه؟ وكم من قانون جرى تفسيره بطريقة تجعل النص الواحد قابلاً لأن يكون مع الدولة حيناً، ومع القوى السياسية حيناً آخر؟
لقد اعتاد العراقيون على سماع عبارات من نوع «التوافق»، و«التفاهم»، و«التوازن»، و«المصلحة الوطنية»، و«المعالجة السياسية»، و«الخصوصية العراقية». وهي كلمات تبدو جميلة ومحترمة، لكنها تصبح خطرة عندما تستخدم لتأجيل السؤال الحقيقي: من يتحمل المسؤولية؟ ومن يملك القرار؟ وما الذي سيتغير على الأرض؟
وهنا تحديداً تظهر براعة بعض القوى السياسية العراقية في التعامل مع اللغة العربية. فهي تعرف أن الجملة يمكن أن تحمل أكثر من معنى، وأن الكلمة الواحدة يمكن أن تفتح باباً واسعاً للتأويل. وبذلك يصبح السياسي قادراً على مخاطبة جمهورين مختلفين في الوقت نفسه: يطمئن أنصاره بأنه لم يتنازل عن شيء، ويبعث إلى خصومه رسالة بأنه مستعد للتسوية.
هذه ليست براعة في إدارة الدولة بقدر ما هي براعة في إدارة الكلمات.
ولعل أخطر ما في ذلك أن المجتمع العراقي أصبح معتاداً على هذه اللعبة. يسمع التصريح، ثم ينتظر التوضيح، ثم يأتي توضيح التوضيح، وربما تفسير التوضيح، وفي النهاية تضيع القضية الأصلية بين الكلمات.
لكن الدول لا تُبنى بالتوضيحات.
الدولة تُبنى عندما يكون معنى القانون واضحاً، وعندما تكون القرارات قابلة للتنفيذ، وعندما يعرف المواطن من يملك السلاح، ومن يملك قرار الحرب والسلم، ومن يحاسب من يخالف القانون.
في قضية السلاح تحديداً، لا يحتاج العراق إلى قاموس سياسي جديد. يحتاج إلى إجابة بسيطة: هل توجد جهة واحدة في البلاد تملك القرار النهائي باستخدام القوة المسلحة، أم توجد جهات أخرى تستطيع الاحتفاظ بسلاحها وقرارها، مهما تغير الاسم الذي يطلق على ذلك؟
إذا كان الهدف هو دولة تحتكر القوة وفق القانون، فلا ينبغي أن تكون المعركة حول الكلمات. يمكن أن يختلف السياسيون على الطريق، وعلى الجدول الزمني، وعلى الضمانات، لكن لا ينبغي أن يختلفوا على الغاية.
أما إذا أصبح الخلاف على «نزع» السلاح أم «تنظيمه»، وعلى «تسليمه» أم «إعادة هيكلته»، وعلى «إنهاء» الفصائل أم «فك ارتباطها السياسي»، فإن العراق قد يجد نفسه أمام حل لغوي لمشكلة واقعية.
وهذه هي المعضلة العراقية الأكبر: أن السياسة كثيراً ما تنجح في تغيير أسماء الأشياء أكثر مما تنجح في تغيير الأشياء نفسها.
العراق لا يحتاج إلى مزيد من الكلمات التي يمكن تأويلها. يحتاج إلى كلمات قليلة، واضحة، لا تحتاج إلى توضيح.
ففي الدولة الحقيقية، لا ينبغي أن يكون السؤال: ماذا قصد السياسي عندما قال ذلك؟
بل: ماذا سيحدث غداً على الأرض.