صالح شيخ محمد الكسنزاني
لا شك أننا نقف اليوم على أعتاب مرحلة جديدة من تاريخنا، مرحلة تفرض علينا جميعًا أن نعيد النظر في طموحاتنا وأحلامنا، وأن نحول آمالنا إلى مشاريع حقيقية وخطوات عملية نحو بناء مستقبل أفضل.
لقد عانت كوردستان، عبر عقود طويلة، من ويلات الحروب والاحتلالات والصراعات، وتعرضت قراها ومدنها وثرواتها للكثير من الدمار والنهب والتخريب. ومع ذلك، ظل الشعب الكوردي، بما عرف عنه من قوة وصمود وإرادة، متمسكًا بأمله في بناء مستقبل يليق به.
لقد كانت كوردستان، في مراحل تاريخية مختلفة، مركزًا حضاريًا مهمًا في المنطقة، وهي اليوم بحاجة إلى إعادة بناء هويتها الاقتصادية على أسس حديثة ومستدامة. ومن هنا، فإن إنشاء مدينة صناعية واقتصادية في كل محافظة من محافظات إقليم كوردستان يمثل طموحًا مشروعًا وحلمًا يستحق أن نتكاتف جميعًا لتحقيقه.
فالصناعة ليست مجرد وسيلة لتوفير فرص العمل وتحسين مستوى المعيشة، بل هي أساس من أسس القوة الاقتصادية والاستقلال والتنمية. وكلما امتلك الشعب قدرته على إنتاج غذائه وصناعة احتياجاته وتطوير موارده، ازدادت قدرته على حماية مستقبله وتعزيز مكانته بين شعوب المنطقة.
لقد أدى الدمار الذي تعرضت له مناطق واسعة من كوردستان إلى تراجع كبير في البنية الاقتصادية والإنتاجية، وأصبح العديد من أبناء شعبنا يعتمدون على ما توفره الأسواق من احتياجات أساسية. وهذا الواقع المرير ينبغي ألا يكون قدرًا دائمًا، بل دافعًا لنا كي نتحرك ونبني ونزرع ونصنع وننتج.
إن مستقبل كوردستان لا يمكن أن يُبنى بالاعتماد على الآخرين وحدهم، وإنما بالعلم والعمل والإنتاج والاستثمار في الإنسان. ولذلك، فإن من واجبنا أن نوجه طاقات شبابنا نحو التعليم والتخصص والمشاريع الإنتاجية، وأن نوفر لهم بيئة تساعدهم على الإبداع والعمل بدلًا من أن تتحول طاقاتهم إلى ضحية للبطالة أو اليأس أو الأفكار الهدامة.
كما أن الحفاظ على الثقافة والهوية الكوردستانية مسؤولية جماعية، تتطلب الوعي والتمسك بالقيم الأصيلة والانفتاح على العالم، في الوقت نفسه ينبغي أن لا نسمح لأي جهة، أياً كانت، بأن تستغل حاجات شبابنا أو ظروفهم من أجل خدمة أجندات لا تخدم مستقبل مجتمعنا.
إن الشعوب التي لا تنتج غذاءها، ولا تصنع احتياجاتها الأساسية، تبقى رهينة للاعتماد على الخارج. ولذلك، علينا أن نسأل أنفسنا: أين نحن من طموحات أجدادنا؟ وأين نحن من الدور الحضاري الذي أسهم أبناء هذه المنطقة في صنعه عبر التاريخ؟
إن المرحلة الراهنة تتطلب منا أن نتعاون ونتكاتف، وأن نضع الخلافات جانبًا، وأن نجعل التنمية الاقتصادية والإنتاج والعمل المشترك أولوية. فلنعمل على إعادة بناء اقتصاد قوي، ولنستثمر في الإنسان والأرض والموارد، ولنحوّل كوردستان إلى مساحة للإنتاج والصناعة والاستثمار والتقدم.
وقد ارتبطت أرض كوردستان أيضًا بمحطات مهمة في التاريخ الديني والإنساني؛ إذ يرد في القرآن الكريم، في دعاء النبي نوح عليه السلام: ﴿رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾، كما يرتبط جبل الجودي، في الرواية القرآنية، بقصة سفينة نوح عليه السلام. وهذه الأرض، بما تحمل من تاريخ وحضارة وموارد، تستحق منا أن نبذل كل ما نستطيع من أجل تنميتها وازدهارها.
إن الوحدة بين جميع أطياف الشعب الكوردستاني، والتعاون بين الكفاءات ورجال الأعمال والمثقفين والأكاديميين والشباب، يمكن أن تفتح الطريق أمام نهضة اقتصادية حقيقية، وأن تمنح كوردستان دورًا أكثر فاعلية ومحورية في المنطقة، بإذن الله.
فلنستعد للعمل معًا، ولنجعل من الإنتاج والصناعة والاستثمار والتعليم مفاتيح لمستقبلنا. ولنبنِ غدًا مشرقًا يليق بشعب عظيم، صمد عبر التاريخ، وحافظ على هويته، وما زال يتطلع إلى مستقبل أكثر أمنًا وازدهارًا وكرامة.