يونس حمد – أوسلو
من أبرز الصفات التي يحتاج إليها لاعب خط الدفاع، ولا سيما الظهير، القوة البدنية والبنية الجسدية المتينة، فضلاً عن الطول الذي يمنحه أفضلية في الالتحامات والكرات العالية. وقد شهدت ثمانينيات القرن الماضي بروز جيل مميز من اللاعبين الذين قدموا مستويات استثنائية، وامتلكوا مهارات وقدرات أسهمت في تحقيق الانتصارات وصناعة أمجاد كرة القدم في كردستان.
ومن بين أولئك اللاعبين يبرز اسم سرتيب محمد، اللاعب الذي عُرف بطول قامته وقوته البدنية، وكان شرسًا داخل الملعب، هادئًا ومتزنًا خارجه. امتلك سرتيب قوة بدنية استثنائية، قلّما كانت تُرى لدى غيره من اللاعبين، إلى جانب صلابته الدفاعية وإصراره الكبير على أداء واجبه داخل المستطيل الأخضر.
لم تكن بدايات سرتيب محمد في عالم كرة القدم سهلة، فقد واجه خلال مسيرته الأولى بعض الظروف والصعوبات التي لم تكن عائقًا أمام طموحه، بل أسهم تجاوزها في إثراء تجربته ومنحه مزيدًا من الإصرار والعزيمة. وكان دائمًا فخورًا ببداياته المتواضعة وبما استطاع أن يصل إليه لاحقًا بفضل العمل الجاد والمثابرة.
بدأ سرتيب مسيرته مع الفرق المحلية، ولعب لفريق أطلس الشعبي، أحد أعرق وأقوى الفرق الشعبية في أربيل، عاصمة إقليم كردستان. وسرعان ما لفت الأنظار بفضل مستواه الدفاعي المميز، حتى إن كل من شاهد أداءه كان يتمنى رؤيته في الملعب بصورة أكبر.
وبسبب بعض الظروف الشخصية، لم يتمكن سرتيب في بداية مشواره من اللعب مع الأندية الجماهيرية، إلا أن إصرار الجماهير وإلحاحها الكبير دفعاه في نهاية المطاف إلى التوقيع مع نادي أربيل، ليبدأ مرحلة جديدة ومهمة في مسيرته الرياضية.
كان سرتيب لاعبًا موهوبًا وبارعًا، ويُعد واحدًا من أبرز المدافعين الذين عرفتهم ملاعب كرة القدم الكوردستانية في تلك الحقبة. ولم تقتصر ميزاته على الجانب الفني والبدني، بل تميز أيضًا بأخلاقه الرفيعة، وهدوئه، وجديته في التعامل مع زملائه والجماهير وكل من حوله.
وفي موسم 1988–1989، سجل سرتيب محمد هدفًا رائعًا بقميص ناديه في مرمى نادي الموصل، من خارج منطقة الجزاء، على ملعب جامعة الموصل. وكان الهدف من اللقطات التي بقيت عالقة في ذاكرة الجماهير، ولا سيما أنه جاء في أجواء استثنائية شهدت سلسلة من الأهداف، قبل أن تُطفأ أضواء الملعب، في مشهد زاد من غرابة المباراة وخصوصيتها.
كانت رحلة لاعبي كرة القدم في ثمانينيات القرن الماضي حافلة بالتحديات والإنجازات في آنٍ واحد. فقد أدوا أدوارًا بارزة في انتصارات فرقهم ونجاحاتها، وقدموا مستويات مميزة في ظروف لم تكن سهلة، ليتركوا وراءهم إرثًا رياضيًا يستحق أن يُروى للأجيال.
إن استعادة ذكريات هؤلاء اللاعبين، ولا سيما أصحاب المهارات العالية والخبرة الواسعة، ليست مجرد كتابة مقال أو عمود رياضي، وإنما هي محاولة لتوثيق جانب مهم من تاريخ كرة القدم في كردستان، وحفظ ذاكرة جيل كامل عاش كرة القدم بشغف، ودافع عن ألوان فرقه بإخلاص، وترك بصمته في الملاعب وفي ذاكرة الجماهير.
لقد ترك هؤلاء اللاعبون أثرًا واضحًا في مسيرتهم الرياضية، وما زال جمهور تلك الحقبة يتذكرهم بوصفهم لاعبين استثنائيين، قدموا أداءً مميزًا في أصعب الظروف، وكانوا جزءًا أصيلًا من مرحلة مهمة في تاريخ الرياضة الكوردستانية.
وفي نهاية هذه الرحلة، جدير بالذكر أن اللاعب سرتيب محمد ترك كرة القدم التي أحبها وعشقها، واتجه إلى المنفى، تاركًا خلفه ذكريات جميلة ومحطات رياضية وإنجازات لا تزال حاضرة في ذاكرة من عاصروه وشاهدوا أداءه في ملاعب الثمانينيات.
سرتيب محمد… اسم من جيلٍ لم يكن يبحث عن الشهرة، بقدر ما كان يبحث عن شرف الدفاع عن قميص فريقه، فبقي اسمه حاضرًا في ذاكرة كرة القدم الكوردستانية.