عرفان الداوودي
حين يتحدث مسعود بارزاني عن العرب، فهو لا يتحدث بلغة السياسة والمصالح، بل بلغة الأخوة والتاريخ والإنسانية.
في زمنٍ كثرت فيه الأصوات النشاز، وارتفعت فيه جعجعة بعض المتلونين الذين يتبدلون حسب اتجاه الريح، يبقى الموقف الحقيقي هو الذي لا يتغير بتغير الظروف والمصالح.
ومن هنا تأتي أهمية المواقف التي عبّر عنها الرئيس مسعود بارزاني تجاه المواطنين العرب، والتي تؤكد أن كوردستان ليست أرضاً للعنصرية ولا للطائفية، وإنما مساحة للتعايش والاحترام وحفظ كرامة الإنسان.
لقد كان موقف بارزاني واضحاً في رفض حملات التحريض والكراهية ضد العرب، والتأكيد على أن الإنسان لا يُحاسب على جريمة غيره، وأن المواطن العربي أو اللاجئ الذي لجأ إلى إقليم كوردستان هرباً من الحرب والأزمات يجب أن يُعامل باحترام وأمان. وقد صدرت عنه مواقف واضحة ترفض تحميل فئة كاملة مسؤولية تصرفات أفراد.
وهذه ليست مجرد كلمات للاستهلاك الإعلامي، بل تعكس مدرسة سياسية ترى أن الاختلاف القومي أو الديني أو المذهبي لا يمكن أن يكون مبرراً لإهانة الإنسان أو التحريض عليه.
نيجيرفان بارزاني: العرب ملح كوردستان
وفي الاتجاه نفسه، جاءت كلمات رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني، عندما خاطب الإعلامي علي عادل قائلاً إن العرب هم «ملح الإقليم»، مؤكداً مشاعر المحبة، وداعياً العرب إلى ألا يعتبروا أنفسهم غرباء في كوردستان.
إنها رسالة واضحة لا تحتاج إلى كثير من التفسير:
كوردستان ليست للكورد وحدهم في معنى الإقصاء، كما أنها ليست ضد العرب. كوردستان بيت لكل من يحترم أرضها وقوانينها وكرامة أهلها.
العربي الذي يعيش في أربيل أو السليمانية أو دهوك أو أي مدينة أخرى، ويعمل ويستثمر ويعيش بأمان، ليس عدواً للكورد.
والكردي الذي يعيش في بغداد أو البصرة أو الموصل أو ديالى ليس عدواً للعرب.
هذه هي الحقيقة التي يجب أن يفهمها أصحاب العقول الهادئة، لا أصحاب الأصوات العالية.
لا مكان للعنصرية بين الشعوب
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه المجتمعات ليس الاختلاف، وإنما تحويل الاختلاف إلى كراهية.
فالكورد والعرب عاشوا قروناً طويلة في هذه المنطقة، وتداخلت بينهم المصالح والصداقات والعلاقات الاجتماعية والمصاهرة والجيرة والتاريخ المشترك.
نعم، هناك خلافات سياسية.
نعم، هناك ملفات دستورية وقانونية عالقة.
نعم، هناك أخطاء ارتكبت من هذا الطرف أو ذاك.
لكن الخلاف السياسي لا يمنح أحداً رخصة لإهانة شعب كامل، ولا يبرر العنصرية ضد قومية أو مذهب أو طائفة.
ومن يحاول اليوم أن يصنع العداء بين العرب والكورد بسبب موقف سياسي أو تغريدة أو تصريح، إنما يخدم أجندة لا تخدم الشعبين.
إلى أصحاب «الجعجعة» والمتلونين
أما بعض الذين يطلقون كلمات نشاز هنا وهناك، ثم يغيرون مواقفهم كلما تغيرت مصالحهم، فنقول لهم:
السياسة ليست جعجعة، والوطنية ليست شتائم، والرجولة ليست تحريضاً على شعب، والقومية ليست كراهية للآخر.
من يريد أن ينتقد سياسة حكومة أو حزب أو مسؤول، فلينتقدها كما يشاء وبالأدلة والحجة والقانون.
أما أن يتحول النقد السياسي إلى خطاب عنصري ضد العرب أو الكورد أو التركمان أو المسيحيين أو أي مكون عراقي، فهذه ليست سياسة، وإنما سقوط أخلاقي وخطاب يهدد السلم المجتمعي.
لقد تعب العراقيون من لغة الكراهية.
وتعبوا من الذين يشعلون الفتنة ثم يقفون بعيداً يتفرجون على نتائجها.
بارزاني… موقف يتجاوز الحسابات
ما يميز موقف الرئيس مسعود بارزاني أنه يضع الإنسان قبل الحسابات السياسية، ويرفض أن يدفع الأبرياء ثمن أخطاء الآخرين.
وهذا الموقف ينسجم مع صورة كوردستان التي يريدها كثيرون: إقليم آمن، منفتح، يحترم التنوع، ويستقبل من يلجأ إليه هرباً من الخوف والحرب.
ولهذا فإن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى الجميع هي:
لا للكراهية… لا للعنصرية… لا للطائفية… نعم للأخوة والتعايش والاحترام.
العرب والكورد ليسوا أعداء.
والكورد والعرب ليسوا طارئين على تاريخ هذه المنطقة.
إنهم أبناء وطن واحد، وجيران وتاريخ ومصالح مشتركة، وما يجمعهم أكبر بكثير مما يفرقهم.
وفي النهاية، تبقى الكلمات الصادقة أثقل من ألف تصريح وألف منشور:
كوردستان أرض التعايش، والعرب أهلها وضيوفها وإخوتها، ومن يحاول زرع الكراهية بين أبناء المنطقة لن ينجح في تغيير حقيقة التاريخ ولا في تمزيق أواصر الأخوة.
أما المتلونون وأصحاب الأصوات النشاز، فسيبقون يرفعون أصواتهم ما شاءوا…
لكن التاريخ لا يكتب بالجعجعة، وإنما بالمواقف
وفي الختام، فإن مستقبل العراق وكوردستان لا يُبنى بالكراهية ولا بالتعصب ولا بتبادل الاتهامات، وإنما بالتعايش والاحترام المتبادل وقبول الآخر.
علينا أن نرفض كل خطاب يحاول زرع الفتنة بين الكورد والعرب وسائر مكونات العراق، وأن ندرك أن اختلاف القومية أو الدين أو المذهب ليس سبباً للعداء، بل هو جزء من تنوع هذا الوطن وثروته الإنسانية.
إن رسالة بارزاني هي رسالة سلام وتعايش: لا أحد غريباً إذا كان يحترم الآخرين ويحترم القانون، ولا مكان للعنصرية في مجتمع يريد أن يعيش بأمان وكرامة.
فلنجعل من كوردستان والعراق نموذجاً للأخوة، حيث يعيش الكوردي والعربي والتركماني والمسيحي والإيزيدي وسائر المكونات جنباً إلى جنب، تجمعهم المواطنة والكرامة والاحترام.
لنختلف في السياسة، ولكن لا نختلف في الإنسانية.
لنختلف في الرأي، ولكن لا نختلف على حق الإنسان في الكرامة.
ولنترك الكراهية للمتلونين وأصحاب الأصوات النشاز، ولنجعل التعايش والسلام لغة الأجيال القادمة.
فالعراق وطن الجميع… وكوردستان بيت للتعايش، والأخوة بين شعوبه أقوى من كل خطاب عنصري وطائفي.