نوري جاسم
في الذكرى الثانية لرحيله، لا تبدو الكتابة عن الشيخ ستار البرزنجي استعادةً لاسمٍ غاب، بقدر ما هي استعادةٌ لصوتٍ ما زال حاضرًا في ذاكرة مدينةٍ أحبها وأحبته؛ مدينة كركوك، التي شهدت خطواته الأولى، واحتضنت مسيرته الطويلة في الرياضة والإعلام، وظلت شاهدة على رجلٍ جمع في شخصيته بين شغف الملاعب وصدق الكلمة وعمق الصحبة والسلوك. عرفته إنسانًا واعيًا، مخلصًا، صادقًا، ذكيًا، حسن الصحبة، جميل المعشر، وفيًّا لمن أحب، متواضعًا في حضوره، عميقًا في نظرته إلى الحياة والناس.

ولم تكن هذه الصفات عنده عباراتٍ تُقال، وإنما كانت ملامحَ تظهر في مواقفه وعلاقاته وطريقة تعامله مع من حوله. وكان ستار عبدالله أحمد، المعروف بالشيخ ستار البرزنجي، ابنَ كركوك التي وُلد فيها عام 1941، وعاش بين أهلها ورياضاتها وميادينها الثقافية والإعلامية. ومنذ وقت مبكر، اختار أن يكون قريبًا من الناس، فدخل عالم الرياضة لاعبًا ومدربًا وإداريًا، ثم انتقل إلى الإعلام الرياضي، حتى أصبح واحدًا من أبرز الأصوات التي ارتبطت بذاكرة الرياضة في المدينة. ولم تكن تجربته الإعلامية عابرة؛ فقد كان من رواد الإعلام الرياضي في كركوك، إذ قدم عام 1975 أول برنامج رياضي باللغة الكوردية في تلفزيون كركوك، ثم سجل عام 1976 محطةً أخرى بقيت حاضرة في تاريخ الإعلام الرياضي الكوردي، عندما أصبح أول معلّق رياضي كوردي في كركوك.
وهنا لا تكمن أهمية التجربة في كونها سبقًا زمنيًا فحسب، وإنما في أن الشيخ ستار كان واحدًا من أولئك الذين صنعوا الطريق وهم يسيرون فيه؛ لم ينتظر مؤسسةً أو تجربةً مكتملة الأركان، بل كان جزءًا من صناعة البدايات نفسها. وكان يعرف الرياضة من داخلها؛ لاعبًا ومدربًا ومعلقًا وصحفيًا ومقدم برامج، ثم إداريًا حمل مسؤوليات رياضية امتدت سنوات طويلة. وأسهم في تأسيس نادي سولاف الرياضي، وترأسه لسنوات، كما شغل منصب نائب رئيس اتحاد كرة القدم – فرع كركوك – لمدة ثلاثة عشر عامًا، ورئاسة اتحاد كرة السلة في كركوك لمدة اثني عشر عامًا.
وفي الميدان التربوي والرياضي، كان له حضور آخر؛ فقد قاد الفرق المدرسية في المحافظة، وأسهم معها في تحقيق بطولات على مستوى العراق، مؤكدًا أن الرياضة في نظره لم تكن مجرد منافسة ونتيجة، وإنما مدرسةٌ لبناء الإنسان والانضباط وروح الفريق. ولكن اختزال الشيخ ستار في الرياضة والإعلام وحدهما لا ينصف الرجل.
فثمة جانب آخر في شخصيته ربما كان أكثر هدوءًا، لكنه كان أعمق أثرًا؛ إنه جانب السلوك والصحبة.
كان الشيخ ستار من أهل السلوك في المنهج الصوفي، ومن مريدي الطريقة العلية القادرية الكسنزانية، وكان لهذا الجانب الروحي حضورٌ في تكوينه وشخصيته وعلاقاته. وفي هذا السياق تبرز واحدة من أهم صفحات حياته، وهي صحبته الطويلة ورفقته المتميزة للسيد الشيخ محمد المحمد الكسنزان الحسيني، قدّس أسراره. وكانت تلك الصحبة بالنسبة إلى من عرف الشيخ ستار عن قرب أكثر من مجرد معرفة أو لقاءات عابرة؛ فقد امتدت سنوات طويلة، وتشكلت في إطار من المحبة والاحترام والوفاء، وهي قيمة كان الشيخ ستار يعرف معناها جيدًا. ومن يعرف أهل السلوك يدرك أن الصحبة ليست مجرد قربٍ مكاني، وإنما هي أثرٌ يتشكل في النفس مع مرور الزمن؛ في الكلمة، والموقف، والأدب، والوفاء، وحسن المعاملة. ولعل كثيرًا من الصفات التي عرفناها في الشيخ ستار كانت تعكس هذا العمق الإنساني والروحي الذي حمله معه في حياته. وكان يستطيع أن يكون حاضرًا في صخب الملاعب، ثم يعود إلى هدوء الإنسان الذي يعرف قيمة الصمت. وكان يعرف كيف يخاطب الجمهور، لكنه كان يعرف كذلك قيمة الكلمة حين تكون بين الإنسان وأخيه الإنسان. وهذه الثنائية هي التي جعلت شخصيته أكثر اتساعًا من مجرد مهنة أو لقب.
لقد عاش الشيخ ستار زمنًا طويلًا، وشهد تحولات كبيرة في كركوك وفي الرياضة والإعلام. رأى أجيالًا تأتي وأخرى تغادر، وعرف الملاعب في بداياتها، وعرف الميكروفون حين كان للصوت الرياضي وقعٌ مختلف، وشهد تطور الإعلام الرياضي وتبدل وسائله. ومع ذلك بقي قريبًا من جوهر ما آمن به: الإنسان أولًا. ولذلك فإن الذين عرفوه لا يتذكرونه فقط بوصفه «أول معلّق رياضي كوردي في كركوك»، ولا بوصفه إداريًا رياضيًا تولى مواقع عديدة، وإنما يتذكرونه بوصفه الشيخ ستار؛ الإنسان الذي كانت له شخصيته الخاصة، وحضوره الخاص، ورفقته الخاصة، وذاكرته التي تختزن عقودًا من تاريخ مدينة كركوك ورياضتها وإعلامها. وحين رحل مساء الأول من سبتمبر عام 2025، عن عمر ناهز أربعة وثمانين عامًا، لم يكن الغياب غياب رجلٍ واحد فحسب؛ فقد غابت معه صفحة من ذاكرة جيل كامل، وغاب صوتٌ عرفته الملاعب والمنابر الرياضية، ووجهٌ ألفته أوساط الرياضة والإعلام في كركوك. لكن بعض الناس لا تنتهي حكاياتهم عند لحظة الرحيل. وتبقى أصواتهم في ذاكرة الذين سمعوهم، وتبقى مواقفهم في ذاكرة الذين عاشوا معهم، وتبقى سيرتهم في ذاكرة المدن التي احتضنت خطواتهم. وهكذا يبقى الشيخ ستار البرزنجي حاضرًا بين الميكروفون والملاعب، وبين الصحبة والسلوك، وبين ذاكرة كركوك وذاكرة من عرفوه.
رحل الرجل، وبقي الأثر.
رحل الصوت، وبقي صداه.
وربما كان أجمل ما يمكن أن يقال في الذكرى الثانية لرحيله: إن الإنسان لا يُقاس بعدد السنوات التي عاشها، وإنما بما تركه من أثرٍ في حياة الآخرين.
رحم الله الشيخ ستار البرزنجي، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن صحبته ومحبته وخدمته للرياضة والإعلام والناس خير الجزاء.
وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ..