الكرد والجغرافيا الصعبة: محمود الحفيد ومعركة تحويل الهوية إلى مشروع سياسي

الاستاذ الدكتور
نزار الربيعي

لم تكن القضية الكردية، في جوهرها التاريخي، مجرد قضية جماعة بشرية طالبت بحقوقها في لحظة اضطراب سياسي، بل كانت وما تزال سؤالاً عميقاً عن العلاقة بين الهوية والجغرافيا والقوة، وعن قدرة شعب موزع بين حدود الدول ومصالح الإمبراطوريات على أن يحول شعوره بذاته من حقيقة ثقافية واجتماعية إلى مشروع سياسي قابل للحياة. وفي قلب هذا السؤال تبرز تجربة الملك محمود الحفيد البرزنجي بوصفها واحدة من أكثر التجارب دلالة في التاريخ الكردي الحديث؛ لأنها لم تكن ثورة عسكرية فحسب، ولم تكن طموح زعيم محلي إلى توسيع نفوذه، بل محاولة مبكرة لنقل الكرد من موقع الجماعة التي تعيش التاريخ إلى موقع الجماعة التي تريد أن تصنع تاريخها بنفسها.
كانت الجغرافيا بالنسبة إلى الكرد نعمة ونقمة في آن واحد. فمن جهة منحتهم الجبال حصانة نسبية، وحافظت على لغتهم وعاداتهم وبناهم الاجتماعية وخصوصيتهم الثقافية عبر قرون طويلة، لكنها من جهة أخرى جعلت المجال الكردي موزعاً بين مراكز سياسية متعددة، وأخضعته بصورة مستمرة لمعادلات إقليمية ودولية تتجاوز قدرة القوى المحلية على التحكم بها. وحين انهارت الدولة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى، بدا للحظة أن التاريخ فتح نافذة استثنائية أمام الشعوب التي كانت تعيش داخل الإمبراطورية لكي تعيد تعريف نفسها سياسياً. غير أن سقوط الإمبراطوريات لا يعني بالضرورة ولادة الدول التي تحلم بها الشعوب؛ إذ إن الفراغ الذي تتركه الإمبراطوريات سرعان ما تملؤه قوى أخرى، وتتحول المبادئ المعلنة عن حق الشعوب في تقرير مصيرها إلى موضوع تفاوض تحكمه المصالح وموازين القوى.
في هذه اللحظة التاريخية ظهر محمود الحفيد باعتباره زعيماً يمتلك رصيداً دينياً واجتماعياً، لكنه أدرك تدريجياً أن الزعامة التقليدية لم تعد كافية في عالم يتغير بسرعة. كانت المسألة الأساسية أمامه هي: كيف يمكن تحويل النفوذ الروحي والاجتماعي إلى سلطة سياسية؟ وكيف يمكن تحويل الانتماء الكردي، الذي كان قائماً في اللغة والذاكرة والعشيرة والمكان، إلى مشروع يمتلك مؤسسات ورموزاً وقراراً سياسياً؟ هنا تكمن القيمة التاريخية لتجربته؛ فهو لم يكتفِ بالدفاع عن مجتمع محلي في مواجهة سلطة خارجية، وإنما حاول أن يمنح ذلك المجتمع تصوراً سياسياً عن ذاته.
إن الانتقال من الهوية إلى المشروع السياسي هو أصعب مراحل تطور الحركات القومية. فالهوية تستطيع أن تعيش قروناً من دون دولة، لأنها تسكن اللغة والعائلة والذاكرة والأغنية والموروث، أما المشروع السياسي فيحتاج إلى أكثر من الشعور المشترك؛ يحتاج إلى مؤسسات وقيادة وموارد وتحالفات ورؤية للعلاقات الخارجية وقدرة على إدارة التناقضات الداخلية. ومن هنا يمكن قراءة تجربة محمود الحفيد باعتبارها مختبراً مبكراً لهذا الانتقال. لقد امتلك رمزاً قوياً للشرعية، وامتلك قدرة على تعبئة قطاعات من المجتمع الكردي، واستفاد من لحظة انهيار النظام العثماني، لكنه وجد نفسه في مواجهة قوة بريطانية تمتلك تفوقاً عسكرياً وإدارياً واستخبارياً، وتتعامل مع المنطقة من منظور استراتيجي أوسع بكثير من حدود السليمانية.
كانت بريطانيا تنظر إلى كردستان ضمن شبكة معقدة من الاعتبارات: أمن العراق الجديد، ومستقبل ولاية الموصل، والتوازن مع تركيا وإيران، وخطوط الاتصال والمصالح الإمبراطورية. أما محمود الحفيد فكان ينظر إلى اللحظة من زاوية حق الكرد في أن تكون لهم سلطة تعبر عنهم. ومن هنا لم يكن الصدام مجرد خلاف شخصي بين زعيم محلي وإدارة بريطانية، بل اصطداماً بين منطقين: منطق شعب يريد تحويل هويته إلى سيادة، ومنطق قوة دولية تريد ترتيب الجغرافيا وفق حساباتها الاستراتيجية. وهذه الحقيقة تقدم أول درس كبير من تجربة الحفيد: عدالة القضية لا تعني تلقائياً انتصارها، لأن السياسة الدولية لا تعمل وفق العدالة وحدها، وإنما وفق العلاقة بين الحق والقوة والقدرة على تحويل المطالب إلى مصالح يمكن فرضها أو التفاوض عليها.
ويكشف تاريخ محمود الحفيد كذلك أن الجغرافيا السياسية قد تكون أقسى من الجغرافيا الطبيعية. فالجبال يمكن عبورها، أما حدود المصالح الدولية فعبورها أكثر تعقيداً. كان المجال الكردي محاطاً بدول وقوى تخشى أن يؤدي قيام كيان كردي مستقل أو واسع الصلاحيات إلى إعادة تشكيل الخريطة الإقليمية. لذلك لم يكن مشروع الحفيد يتحرك في فراغ، بل في منطقة تتقاطع فيها مشاريع بريطانيا وتركيا وإيران والعراق الناشئ، فضلاً عن الانقسامات المحلية والعشائرية. وهذا ما جعل المشروع الكردي مطالباً منذ بداياته بأن يحل معادلة شديدة الصعوبة: كيف يوحد الداخل من دون أن يستفز الخارج إلى درجة تؤدي إلى حصاره؟ وكيف يستفيد من التنافس الدولي من دون أن يتحول إلى أداة في يد إحدى القوى؟
ومن أهم العبر التي تقدمها تجربة محمود الحفيد أن الاعتماد على القوى الخارجية يحمل دائماً تناقضاً داخلياً. فالقوة الدولية قد تدعم حركة محلية عندما تتوافق مصالحها معها، لكنها لا تتردد في التخلي عنها عندما تتغير الحسابات. وقد خبر الكرد هذه الحقيقة في مراحل متعددة من تاريخهم الحديث. لم يكن الخطأ في الاتصال بالعالم الخارجي؛ فالحركات القومية لا تستطيع العمل في عزلة، وإنما يكمن الخطر في تحويل الدعم الخارجي إلى بديل عن بناء القوة الداخلية. إن الحليف الدولي يمكن أن يكون عاملاً مساعداً، لكنه لا يستطيع أن يكون أساس المشروع الوطني، لأن المصالح الخارجية متغيرة بينما المصالح الوطنية يفترض أن تكون أكثر ثباتاً.
والدرس الثاني يتعلق بالوحدة الداخلية. فالقضية التي تواجه قوى إقليمية ودولية أكبر منها تحتاج إلى أعلى درجات التماسك الداخلي. وقد أظهرت التجربة الكردية أن الانقسامات العشائرية والسياسية والمناطقية كثيراً ما منحت القوى الخارجية قدرة على المناورة داخل المجتمع الكردي نفسه. لم تكن تلك الانقسامات ظاهرة كردية استثنائية؛ فهي سمة عرفتها معظم المجتمعات التي انتقلت من البنى التقليدية إلى السياسة الحديثة، لكن أثرها في الحالة الكردية كان مضاعفاً بسبب غياب الدولة الجامعة وتعدد مراكز النفوذ. ومن هنا تبدو تجربة الحفيد درساً مبكراً في أن الهوية المشتركة لا تكفي وحدها لصناعة الوحدة السياسية؛ فالوحدة تحتاج إلى مؤسسات وقواعد للتوافق وآليات لإدارة الخلاف.
أما الدرس الثالث فهو أن البطولة، مهما كانت عظيمة، لا تستطيع وحدها بناء دولة. تحتاج الأمم إلى الرموز، لأن الرموز تمنحها الثقة والذاكرة والمعنى، لكن الدولة تحتاج كذلك إلى الإدارة والاقتصاد والقانون والمؤسسات والتعليم والقدرة على إنتاج الشرعية بصورة مستمرة. وتكمن أهمية تجربة المملكة الكردية المرتبطة بمحمود الحفيد في أنها كشفت هذا الانتقال من منطق الثورة إلى سؤال الحكم. فالنجاح في مقاومة قوة خارجية شيء، والنجاح في إدارة مجتمع وبناء مؤسسات مستقرة شيء آخر. ومن هنا فإن القيمة الحقيقية لتجربة الحفيد لا تكمن في تمجيدها أو إدانتها، وإنما في قراءتها باعتبارها محاولة تاريخية مبكرة لاختبار شروط الدولة الكردية.
كما تكشف التجربة أن الزمن السياسي عنصر حاسم في نجاح المشاريع القومية. فقد تظهر فكرة عادلة في لحظة لا يكون النظام الدولي مستعداً لقبولها، ثم تعود الفكرة نفسها بعد عقود في ظروف أكثر ملاءمة. ولذلك فإن إخفاق مشروع سياسي في تحقيق أهدافه المباشرة لا يعني بالضرورة أن الفكرة التي حملها قد ماتت. محمود الحفيد لم ينجح في إقامة دولة كردية مستقرة ودائمة، لكن التجربة أسهمت في تثبيت فكرة أن للكرد إرادة سياسية تتجاوز المطالب المحلية. وهنا يتحول الإخفاق العسكري إلى رأسمال رمزي، وتتحول التجربة المحدودة زمنياً إلى جزء من ذاكرة طويلة المدى.
إن التاريخ لا يقيس الرجال فقط بما امتلكوه في حياتهم، بل بما بقي من أسئلتهم بعد رحيلهم. وما يجعل محمود الحفيد حاضراً هو أن الأسئلة التي واجهها ما تزال ذات معنى: كيف تتعامل الحركة الكردية مع القوى الكبرى؟ كيف توازن بين الطموح والواقعية؟ كيف تحول التنوع الداخلي إلى مصدر قوة بدلاً من أن يكون مدخلاً للانقسام؟ كيف تحمي قرارها الوطني من الارتهان للخارج؟ وكيف تنتقل من شرعية النضال إلى شرعية المؤسسة؟ هذه الأسئلة تجعل دراسة الحفيد أكثر من استعادة للماضي؛ إنها قراءة في البنية العميقة للمسألة الكردية.
ومن الخطأ اختزال تجربة الحفيد في ثنائية الانتصار والهزيمة. فالتاريخ السياسي أكثر تعقيداً من نتائج المعارك. قد ينتصر جيش ويخسر المعنى، وقد تنهزم ثورة وتترك وراءها فكرة تستمر أجيالاً. وإذا كانت قوات الحفيد لم تستطع قلب موازين القوة الدولية، فإن تجربته ساهمت في إدخال فكرة الإرادة السياسية الكردية إلى المجال الإقليمي والدولي بصورة أكثر وضوحاً. لقد أصبح الكرد، في تلك المرحلة، ليسوا مجرد سكان منطقة جبلية تتنافس عليها الدول، بل طرفاً يمتلك مطالب وقيادات ورؤية سياسية، حتى وإن اختلفت القوى الدولية مع تلك الرؤية أو سعت إلى احتوائها.
ولعل أعمق درس يمكن استخلاصه هو أن الجغرافيا لا تتحول إلى وطن سياسي بمجرد أن يسكنها شعب، بل عندما يستطيع ذلك الشعب بناء عقد سياسي يجمع أبناءه ويمنحهم تصوراً مشتركاً للمستقبل. لقد امتلك الكرد هوية راسخة قبل محمود الحفيد، لكن تجربته كانت من المحاولات التي دفعت باتجاه تحويل هذه الهوية إلى سؤال سياسي مباشر. وهذا التحول هو الذي منح تجربته أهميتها؛ إذ نقل القضية من نطاق الدفاع عن الخصوصية إلى نطاق المطالبة بالقدرة على تقرير المصير وإدارة المجال الكردي بإرادة أهله.
ومع ذلك، فإن قراءة محمود الحفيد من منظور الحاضر تفرض الابتعاد عن صناعة الأسطورة المطلقة. فالزعيم التاريخي يصبح أكثر أهمية عندما نراه بحدوده البشرية والسياسية، لا عندما نجرده من الأخطاء والتناقضات. لقد تحرك الحفيد ضمن إمكانات عصره، واستند إلى أدوات اجتماعية وسياسية كانت متاحة في زمنه، وواجه قوة دولية تمتلك موارد تفوق موارده بدرجات كبيرة. وقد اتخذ قرارات نجحت في لحظات وأخفقت في أخرى. لكن قيمة تجربته تكمن تحديداً في هذا الجانب الإنساني؛ فهي تسمح للأجيال اللاحقة بأن تتعلم من النجاح والإخفاق معاً.
إن الأمم الناضجة لا تستخدم تاريخها لتصنع تماثيل صامتة، بل لتحول التجارب إلى معرفة. وإذا كانت تجربة محمود الحفيد قد قدمت شيئاً للكرد، فهي أن القضية العادلة تحتاج إلى استراتيجية عادلة في دقتها أيضاً؛ وأن الشجاعة يجب أن ترافقها قراءة دقيقة لموازين القوى؛ وأن الوحدة الداخلية ليست شعاراً أخلاقياً بل ضرورة أمن قومي؛ وأن العلاقات الدولية ينبغي أن تقوم على المصالح المتبادلة لا على الثقة العاطفية بالحلفاء؛ وأن الدولة لا تولد من الثورة وحدها بل من المؤسسة والقانون والإدارة والاقتصاد والتعليم؛ وأن الذاكرة القومية تصبح أكثر قوة عندما تستطيع نقد نفسها بقدر ما تستطيع الاحتفاء بأبطالها.
لقد كانت معركة محمود الحفيد، في أحد أعمق معانيها، معركة ضد تحويل الجغرافيا الكردية إلى مجرد هامش تابع لمراكز القرار المحيطة بها. أراد أن يكون للكرد صوت في تقرير مصير المكان الذي يعيشون فيه. وربما لم تكن أدوات المرحلة كافية لتحقيق ذلك الحلم، وربما كانت التوازنات الدولية أقوى من قدرة المشروع الناشئ، لكن السؤال الذي طرحته التجربة لم يختفِ. ولهذا بقي اسم محمود الحفيد يتجاوز حدود سيرته الشخصية إلى معنى أوسع يتعلق بإرادة شعب في الانتقال من الوجود الثقافي إلى الفعل السياسي.
وبعد أكثر من قرن على تلك التجربة، تبدو العبرة الأهم أن التاريخ لا يمنح الشعوب ضمانات، وإنما يمنحها فرصاً. والفرق بين الأمة التي تعبر الفرصة والأمة التي تفقدها يكمن في قدرتها على قراءة اللحظة، وتوحيد قرارها، وبناء مؤسساتها، وتحديد أولوياتها، وفهم البيئة الدولية من دون الارتهان لها. لقد كان محمود الحفيد ابن مرحلة شديدة الاضطراب، لكنه حاول أن يجيب عن سؤال أكبر من مرحلته: كيف يستطيع شعب بلا دولة أن يجعل العالم يعترف بأنه صاحب قضية وإرادة ومستقبل؟
وهنا تكمن دلالة تجربته للأجيال الكردية اللاحقة. فالمستقبل لا يُبنى بتكرار الماضي، ولا بمجرد استحضار أسماء أبطاله، وإنما بفهم الأسباب التي جعلت أحلامهم تصطدم بالواقع. الوفاء الحقيقي لمحمود الحفيد ليس في تحويله إلى صورة مثالية خارج التاريخ، بل في تحويل تجربته إلى مدرسة سياسية: مدرسة تعلم أن الكرامة تحتاج إلى قوة، والقوة تحتاج إلى وحدة، والوحدة تحتاج إلى مؤسسة، والمؤسسة تحتاج إلى عقل سياسي يعرف متى يقاوم ومتى يفاوض، ومتى يتمسك بالمبدأ ومتى يغير الوسيلة من أجل حماية الهدف.
وهكذا فإن قصة الكرد والجغرافيا الصعبة ليست قصة شعب حاصرته الجبال والحدود فحسب، بل قصة إرادة حاولت مراراً أن تجعل من المكان وطناً سياسياً ومن الهوية مشروعاً للمستقبل. وكان محمود الحفيد أحد أبرز الذين جسدوا هذه المحاولة في بدايات القرن العشرين. قد تختلف القراءات في تقييم قراراته وتحالفاته وثوراته، لكن من الصعب تجاهل حقيقة أن تجربته طرحت مبكراً جوهر السؤال الكردي الحديث: كيف تتحول أمة تمتلك التاريخ واللغة والذاكرة إلى قوة سياسية قادرة على حماية حقها في تقرير مستقبلها؟ إن الإجابة لم تكن سهلة في زمن الحفيد، وما تزال تحتاج إلى الحكمة والوحدة والواقعية والاستقلال في القرار. وتلك، ربما، هي أكبر العبر التي يتركها التاريخ للأحياء: أن النضال لا يبلغ غايته حين يثبت الشعب أنه قادر على التضحية فقط، بل حين يثبت أيضاً أنه قادر على تحويل التضحية إلى مؤسسة، والذاكرة إلى استراتيجية، والهوية إلى مستقبل.

قد يعجبك ايضا