أوس ستار الغانمي
المشكلة تبدأ عندما تتحول الحداثة إلى تقليد، وعندماتتحول الخدمة إلى ضرورة اجتماعية، وعندما يصبحالإنفاق على الطفل وسيلة لإثبات الحب، وعندمايصبح نشر التفاصيل الخاصة شرطاً للشعوربالنجاح، وعندما تصبح الأم في منافسة مستمرة معصور أمهات أخريات لا تعرف ظروفهن الحقيقية،وعندما يتحول الطفل من مركز العلاقة الأسرية إلىواجهة تعرض أمام الجمهور….
في العراق، كان الطفل حين يتضايق من الغازاتيجد حوله جيشاً صغيراً من النساء يعرفن ماذايفعلن؛ جدة تمسح على بطنه، وأم تحمله، وخالةتقترح طريقة أخرى، وحبوبة تستعيد وصفة سمعتهامن أمها، وبين يد وأخرى يمر الطفل محاطاً بخبرةعائلية تراكمت عبر أجيال، حتى إن أبسط تفاصيلرعايته كانت تتحول إلى مناسبة تجتمع حولهاالأسرة، ومن بينها أول حمام للطفل الذي كان يتمفي الطشت، وسط ضحكات النساء وتعليقاتهنودعواتهن، بينما يبدو المشهد اليوم مختلفاً في بعضالبيئات العراقية؛ فبدلاً من الطشت هناك مركز عناية،وبدلاً من تجمع نساء العائلة هناك موعد محجوز،وبدلاً من الاحتفاظ بالذكرى داخل البيت هناككاميرا تلتقط اللحظة ثم تنقلها إلى منصات التواصلالاجتماعي، فيتحول أول حمام من طقس عائليبسيط إلى تجربة قابلة للتصوير والاستهلاك والعرضأمام الآخرين.
المشهد قد يبدو ساخراً للوهلة الأولى، وربما يستحقبعض النكات التي تتداولها المنصات، لكن خلف«شاور الأربعين» قصة اجتماعية أكبر من مجرداختلاف في طريقة تحميم الرضيع، لأن ما يتغير هناهو موقع الأسرة نفسها في عملية الرعاية، فالعائلةالتي كانت تؤدي معظم تفاصيل العناية بالطفلداخل البيت بدأت تستعين بسوق واسع من الخدماتالمتخصصة، من جلسات التصوير إلى منتجاتالعناية ومستلزمات الأطفال، وصولاً إلى مراكز تقدمخدمات مرتبطة بالأم والرضيع، وهو تحول يرتبطبتغير نمط الحياة، وصغر حجم الأسرة، وانشغالالوالدين بالعمل، وتراجع حضور الأسرة الممتدة فيتفاصيل الحياة اليومية، فضلاً عن التأثير المتزايدلمنصات التواصل الاجتماعي التي جعلت تجاربالآخرين حاضرة أمام الأسرة طوال الوقت.
حين خرجت الرعاية من البيت
لم تكن الجدة العراقية في الماضي مجرد امرأة كبيرةفي السن تعيش داخل الأسرة، وإنما كانت تمثلمصدراً للخبرة الاجتماعية في تفاصيل الحياةاليومية، فالأم الجديدة كانت تتعلم منها طريقةالتعامل مع الرضيع، وتستشيرها في نومه وبكائهوحمامه وطعامه، وتراقبها وهي تتعامل مع الطفل،بينما تشارك الخالات والعمات في هذه العمليةبصورة تجعل رعاية الطفل مسؤولية جماعية أكثر مماهي مهمة فردية تقع على الأم وحدها، ومع تغير شكلالأسرة العراقية بدأت هذه المنظومة تتراجع تدريجياً،وصار الأب والأم يواجهان تفاصيل التربيةبأنفسهما، وفي الوقت نفسه ظهرت أمامهما خدماتيمكن شراؤها لتوفير جزء من هذه المهام.
هذه النقلة لا تعني أن الأسرة العراقية فقدت قدرتهاعلى الرعاية، ولا أن كل خدمة حديثة تمثل تهديداًللهوية، فالحياة نفسها تغيرت، والأم التي تعمللساعات طويلة تحتاج إلى خدمات توفر لها الوقت،والأسرة الصغيرة تحتاج أحياناً إلى الاستعانةبمتخصصين، كما أن بعض الممارسات القديمة كانتقائمة على تجارب شعبية تحتاج إلى مراجعة علمية،لكن المسألة تصبح أكثر تعقيداً عندما لا تعود الخدمةمجرد وسيلة للمساعدة، وإنما تتحول إلى جزء منالصورة الاجتماعية للأمومة، بحيث تبدأ بعضالأمهات بمقارنة ما تقدمه لأطفالها بما تقدمه أمهاتأخريات.
الأمومة تحت أنظار الجمهور
هنا تبدأ الحكاية الحقيقية للسوشيال ميديا، فالأمالتي كانت في الماضي تربي طفلها بعيداً عن أعينالآخرين أصبحت اليوم محاطة بصور يومية لأمهاتأخريات يعرضن تفاصيل حياتهن؛ ملابس الطفل،غرفة نومه، ألعابه، حفلات ميلاده، عربته، طعامه،جلسات تصويره، منتجات العناية به وحتى تفاصيلالمناسبات الصغيرة التي كانت تبقى داخل البيت،ومع تكرار هذه الصور يتشكل معيار اجتماعي جديدللأمومة، معيار لا يقول للأم بصورة مباشرة ماذايجب أن تفعل، لكنه يجعلها ترى باستمرار ما تفعلهالأخريات، فتبدأ المقارنة من دون أن تشعر.
المشكلة هنا ليست في الأم التي تحب تصويرطفلها، فالصورة في حد ذاتها ذكرى جميلة، وإنمافي التحول الذي يجعل الأم تشعر بأنها مطالبةبتقديم نسخة مثالية من حياتها أمام الآخرين، وكأنعليها أن تثبت أن طفلها يعيش أفضل حياة ممكنة،وأن تثبت في الوقت نفسه أنها أم تهتم بأدقتفاصيله، ولذلك تصبح بعض الخدمات جزءاً منعملية العرض الاجتماعي، ويصبح الطفل حاضراًفي المشهد باعتباره طفلاً، وباعتباره أيضاً صورةتعكس مستوى الأسرة وذوقها وقدرتها على الإنفاق.
وهنا يظهر مفهوم اجتماعي يستحق التوقف عنده: تسليع الأمومة، أي انتقال بعض جوانب الرعاية منمجال العلاقة الإنسانية والعائلية إلى مجال السوق،حيث يمكن شراء منتج أو خدمة أو تجربة تمنح الأمشعوراً بأنها تقدم الأفضل لطفلها، وتزداد قوة هذاالسوق عندما ترتبط الخدمات بصورة اجتماعيةجذابة، لأن الأم لا تشتري الخدمة وحدها، وإنماتشتري معها شعوراً بالرضا، وربما شعوراً بأنهاتواكب العصر ولا تقصر عن غيرها.
الطفل الذي وُلد ومعه حساب على الشاشة
الأمر يتجاوز الاستهلاك إلى الخصوصية، فالطفلالعراقي المعاصر يمكن أن يبدأ حياته الرقمية قبل أنيعرف معنى كلمة «إنترنت»، صورته الأولى قدتُنشر، واحتفال ولادته قد يوثق، وأول حمام قد يتحولإلى جلسة تصوير، وأول ابتسامة قد تصبح فيديو،وأول عيد ميلاد قد يأخذ شكل إنتاج كامل للنشر،ومع مرور السنوات تتراكم حول الطفل ذاكرة رقميةصنعتها الأسرة قبل أن يصبح قادراً على اتخاذ قراربشأنها.
وهذه المسألة تفتح باباً مهماً أمام الإعلام والأسرةالعراقية معاً: أين ينتهي حق الوالدين في مشاركةفرحتهم بأطفالهم، وأين يبدأ حق الطفل فيالخصوصية؟ فالأب والأم يتعاملان مع الصورةباعتبارها لحظة جميلة، بينما قد ينظر إليها الطفلبعد سنوات بطريقة مختلفة تماماً، خصوصاً عندمايجد تفاصيل من طفولته منشورة أمام أشخاص لايعرفهم، ولذلك أصبحت الخصوصية الرقمية للأطفالواحدة من القضايا التي تفرض نفسها مع اتساعاستخدام منصات التواصل.
بين «الحبوبة» والمؤثرة
المفارقة الأبرز أن الأم العراقية أصبحت أمام نوعينمختلفين من الخبرة؛ خبرة الجدة التي جاءت منسنوات طويلة من التجربة داخل الأسرة، وخبرةالمنصات التي تقدم يومياً نصائح وصوراً وتجارب لاتنتهي، وقد يكون بعض هذا المحتوى مفيداً ومبنياًعلى معرفة علمية، بينما يحمل بعضه الآخر أفكاراًتجارية أو تجارب شخصية يجري تقديمها وكأنهاقواعد عامة، وهنا تصبح مسؤولية الأسرة أكبر فيالتمييز بين المعلومة الطبية والمحتوى التسويقي، وبينالنصيحة المتخصصة وتجربة شخصية تعرض أمامالجمهور.
ولذلك فإن عودة الحديث عن دور الجدة لا تعنيالعودة إلى كل ما كان سائداً في الماضي، وإنماتعني الاعتراف بأن الأسرة فقدت جزءاً من الذاكرةالحية التي كانت تنتقل من جيل إلى آخر، وفيالمقابل حصلت على مصادر معرفة أوسع وأسرع،والسؤال الحقيقي هو كيف يمكن الجمع بين الاثنين؛أن تستفيد الأم من المعرفة العلمية الحديثة، وأنتحتفظ في الوقت نفسه بالعلاقة الإنسانية مع أجيالعائلتها، بدلاً من أن يصبح الهاتف هو المرجع الأولوالأخير في كل تفصيل من تفاصيل التربية.
ليست حرباً بين الطشت والسبا
من السهل أن يتحول هذا الموضوع إلى معركة بينجيلين، جيل يقول إن كل شيء كان أجمل فيالماضي، وجيل يرى أن الماضي كان مليئاً بالعاداتالتي تجاوزها الزمن، لكن هذه المقارنة تختصرقضية معقدة في شكل بسيط، لأن المجتمع العراقيتغير اقتصادياً واجتماعياً وتكنولوجياً، وتغيرت معهظروف العمل والسكن وحجم الأسرة وطريقةالتواصل، وبالتالي فإن بعض العادات القديمةستتغير بصورة طبيعية، وبعض الخدمات الجديدةستصبح جزءاً من الحياة اليومية، وهذا بحد ذاته لايمثل مشكلة.
المشكلة تبدأ عندما تتحول الحداثة إلى تقليد، وعندماتتحول الخدمة إلى ضرورة اجتماعية، وعندما يصبحالإنفاق على الطفل وسيلة لإثبات الحب، وعندمايصبح نشر التفاصيل الخاصة شرطاً للشعوربالنجاح، وعندما تصبح الأم في منافسة مستمرة معصور أمهات أخريات لا تعرف ظروفهن الحقيقية،وعندما يتحول الطفل من مركز العلاقة الأسرية إلىواجهة تعرض أمام الجمهور.
ماذا نريد أن نحمل معنا إلى المستقبل؟
العراق لن يعود إلى زمن الطشت كما كان، وهذاربما ليس مطلوباً أصلاً، لأن المجتمعات لا تعيش إلىالخلف، لكن المستقبل يستطيع أن يمنح الأسرةالعراقية فرصة لبناء صيغة أكثر توازناً، صيغةتستفيد من الطب والخدمات الحديثة والتكنولوجيا مندون أن تسمح لها بابتلاع العلاقات الإنسانية،وتستخدم الهاتف لتوثيق الذكريات من دون تحويلالطفل إلى محتوى دائم، وتستعين بالمختصين عندالحاجة من دون إلغاء خبرة الأسرة، وتحافظ علىدور الجد والجدة في حياة الطفل من دون أن تجعلالماضي مرجعاً وحيداً لكل شيء.
وقد يكون التحدي الحقيقي أمام الأسرة العراقيةخلال السنوات المقبلة هو بناء أمومة رقمية واعية،تعرف أن الطفل يحتاج إلى الرعاية أكثر منالاستعراض، وإلى الوقت أكثر من المشتريات، وإلىالأسرة أكثر من الكاميرا، وأن الصورة التي تستحقأن تبقى في ذاكرته ليست بالضرورة تلك التيحصدت أكبر عدد من الإعجابات، وإنما تلك التيكان فيها محاطاً بأشخاص أحبوه فعلاً.
ومن هنا فإن السؤال الذي بدأ من «شاور الأربعين»ينتهي إلى مكان أبعد بكثير من الحمام والتصوير،لأن القضية تتعلق بصورة الأسرة العراقية وهيتدخل مرحلة جديدة من حياتها، مرحلة تتداخل فيهاالعادات مع السوق، والتربية مع التكنولوجيا،والخصوصية مع النشر، والحب مع الاستهلاك، وفيهذه المرحلة لن يكون المطلوب أن نختار بين الطشتوالسبا، وإنما أن نعرف ماذا نريد أن يبقى من روحالطشت ونحن نعيش في زمن السبا؛ دفء العائلة،وحضور الجدة، ومشاركة الأهل، وبساطة الفرح، وأنيبقى الطفل إنساناً يعيش طفولته قبل أن يكونصورة جميلة في هاتف أمه.