الاستاذ الدكتور
نزار الربيعي
ليست كل الثورات ابنة السلاح، فبعضها يولد قبل الرصاصة في أعماق الإنسان حين يكتشف أن الكرامة لا تُمنح، وأن الحرية لا تصبح حقيقة ما لم تتحول من أمنية إلى إرادة. ومن هذا المعنى يمكن قراءة الثورة الكردية التي قادها الشيخ محمود الحفيد البرزنجي، لا بوصفها حادثة عسكرية عابرة في سنوات الاضطراب التي أعقبت الحرب العالمية الأولى، بل بوصفها لحظة فارقة خرج فيها الصوت الكردي في السليمانية من حدود الاعتراض المحلي إلى فضاء المطالبة السياسية. ففي زمن كانت الإمبراطوريات تتهاوى، والخرائط يعاد رسمها، ومصائر الشعوب تُناقش في العواصم الكبرى، وجد الكرد أنفسهم أمام سؤال وجودي وسياسي شديد القسوة: هل يكونون موضوعاً في خرائط الآخرين، أم يصبحون طرفاً في كتابة مستقبلهم؟ وفي قلب ذلك السؤال ظهر محمود الحفيد، شيخاً يحمل إرثاً دينياً واجتماعياً عريقاً، لكنه أدرك أن مكانة الشيخ وحدها لم تعد تكفي في عالم جديد أصبحت فيه الحدود والسيادة والسلطة عناوين المستقبل.
كانت السليمانية في تلك اللحظة أكثر من مدينة؛ كانت فضاءً تتقاطع فيه ذاكرة المكان مع إرادة السياسة. ومن بين أحيائها وجبالها المحيطة بها بدأت تتشكل تجربة جعلت اسم محمود الحفيد يرتبط بواحدة من أقدم المحاولات الكردية في العراق الحديث لتحويل الشعور بالخصوصية والهوية إلى موقف سياسي معلن. لم يكن ميزان القوة متكافئاً. كانت بريطانيا قد خرجت من الحرب العالمية الأولى قوة إمبراطورية كبرى، تمتلك الجيش والإدارة والخبرة والقدرة على التحكم في مسارات السياسة الإقليمية، بينما كان الحفيد يتحرك في مجتمع تتداخل فيه القبيلة والطريقة الدينية والمدينة والريف، وتختلف فيه الولاءات والمصالح. ومع ذلك فإن التاريخ لا يقيس قيمة المواقف دائماً بعدد البنادق أو بحجم الجيوش؛ ففي لحظات التأسيس تصبح القدرة على قول «لا» في وجه قوة أكبر حدثاً يتجاوز نتيجته العسكرية المباشرة.
وحين نهضت حركة محمود الحفيد سنة 1919، لم يكن التحدي مجرد مواجهة بين زعيم محلي وإدارة أجنبية. كان في عمقه صراعاً على معنى السلطة: من يملك حق تقرير مصير السليمانية والمناطق الكردية؟ ومن أين تستمد السلطة شرعيتها؟ وهل يكون الزعيم الكردي موظفاً داخل نظام تصنع حدوده قوة خارجية، أم يستطيع أن يستمد شرعيته من المجتمع الذي يرى نفسه ممثلاً له؟ لهذا اكتسبت الثورة معنى أكبر من ميدانها العسكري. لقد نقلت القضية من دائرة الإدارة إلى دائرة السيادة، ومن السؤال عن طريقة حكم المنطقة إلى السؤال عن حق أهلها في أن يكون لهم رأي في هذا الحكم.
إن تمجيد ثورة محمود الحفيد لا يحتاج إلى تحويلها إلى أسطورة خالية من الأخطاء. فقوة الثورة الحقيقية تكمن في أنها حدثت في واقع صعب، لا في عالم مثالي. لم تكن القوى الكردية موحدة بصورة كاملة، ولم تكن التحالفات العشائرية ثابتة، ولم يمتلك الحفيد مؤسسات دولة حديثة أو جيشاً يوازي قوة خصمه، كما لم تكن حساباته السياسية والعسكرية مصيبة في كل لحظة. لكن هذه المحددات تجعل موقفه أكثر دلالة، لا أقل. فالرجل لم يتحرك من موقع القوة المضمونة، وإنما من موقع الإيمان بإمكان صنع قوة سياسية من مجتمع لم تكن له دولة تحمي مطالبه.
وكانت شخصية الحفيد نفسها تجسد مرحلة انتقالية نادرة. فهو لم يتخل عن عباءة الشيخ لكي يصبح قائداً سياسياً، بل حمل الشرعية الاجتماعية والدينية معه إلى ميدان السياسة. وفي ذلك تكمن إحدى الخصائص الكبرى لتجربته؛ إذ أصبحت الزعامة التقليدية جسراً إلى خطاب سياسي جديد. لقد عرف المجتمع محمود الحفيد شيخاً، ثم عرفه زعيماً، ثم ارتبط اسمه لاحقاً بلقب ملك كردستان. وبين هذه الألقاب الثلاثة يمكن قراءة رحلة كاملة في تطور الوعي بالسلطة: من الشرعية الروحية والاجتماعية، إلى قيادة الحركة، إلى ادعاء السيادة.
ولذلك لم تكن ثورة الحفيد ثورة بندقية فقط، بل كانت ثورة معنى. لقد حاولت أن تقول إن كردستان ليست مجرد مساحة يمكن للقوى الكبرى أن تتفاوض بشأنها، وإن سكانها ليسوا أرقاماً في تقارير الإدارات الأجنبية، وإن للسليمانية إرادة سياسية يمكن أن تتحول إلى فعل. وربما لهذا السبب بقيت الثورة في الذاكرة رغم أن نتائجها العسكرية لم تمنح قائدها انتصاراً نهائياً. فثمة ثورات تنتصر عسكرياً ثم تنساها الشعوب، وثمة ثورات تُهزم في ميدانها لكنها تنتصر في الذاكرة لأنها تغير الطريقة التي يرى بها الناس أنفسهم.
لقد دفع محمود الحفيد ثمن المواجهة اعتقالاً ونفياً وفقداناً للسلطة، لكن المنفى لم ينهِ اسمه، والهزيمة لم تُلغِ الفكرة التي التصقت به. وهذه هي المفارقة التي تمنح تجربته بعدها الفلسفي: الإمبراطورية استطاعت أن تنتصر في موازين القوة، لكنها لم تستطع أن تمنع خصمها من التحول بعد ذلك إلى رمز. فالسلطة تستطيع السيطرة على الأرض في لحظة، لكنها لا تستطيع دائماً السيطرة على الطريقة التي ستتذكر بها الأجيال تلك اللحظة.
ومع عودته إلى المسرح السياسي، ثم ارتباط اسمه بتجربة مملكة كردستان، انتقلت رمزية الحفيد إلى مستوى جديد. لم يعد الأمر مجرد مقاومة لسياسة مفروضة، بل محاولة لإنتاج سلطة تحمل اسماً كردياً وتبحث عن مظاهر السيادة. ويمكن للباحث أن يناقش مدى اكتمال مؤسسات تلك المملكة وحدود سيطرتها واستقرارها، لكن الدلالة الرمزية تبقى شديدة القوة: لقد أصبح الحلم السياسي قابلاً لأن يتخذ شكلاً ولقباً ومركزاً للحكم. وهكذا تحولت السليمانية من حاضنة للثورة إلى حاضنة لفكرة الدولة.
كان الحفيد يعرف، على الأرجح، أن الطريق الذي اختاره أكبر من الإمكانات المتاحة له. فالمنطقة كانت محاطة بمصالح دولية وإقليمية معقدة، وقضية الموصل كانت جزءاً من صراع يتجاوز قدرة أي زعيم محلي على التحكم فيه، كما أن المجتمع الكردي نفسه لم يكن كتلة سياسية واحدة. ومع ذلك فإن القائد التاريخي لا يُقاس دائماً بما استطاع إنجازه كاملاً، وإنما بما استطاع أن يجعله ممكناً في المخيلة السياسية. ومن هذه الزاوية كانت تجربة الحفيد تأسيساً لإمكانية: إمكانية أن تتحول الهوية إلى مطالبة سياسية، وأن تصبح السليمانية مركز قرار، وأن يُطرح اسم كردستان بوصفه اسماً لكيان سياسي لا مجرد وصف جغرافي.
ومن هنا أيضاً يمكن فهم لماذا ظل محمود الحفيد حاضراً بعد انتهاء زمنه. فالحركات السياسية اللاحقة لم تكن نسخاً من حركته، ولم ترث منه تنظيماً حزبياً متكاملاً، لكنها وجدت وراءها ذاكرة تقول إن محاولة سابقة وُجدت، وإن رجلاً سبقها إلى مواجهة السؤال نفسه. وهذه الذاكرة تمنح الشعوب شعوراً بالاستمرارية؛ فالقضية التي تمتلك ماضياً لا تبدو مطلباً ولد بالأمس، وإنما مساراً تاريخياً تتغير أدواته وتبقى أسئلته الكبرى.
إن عبارة «حين نهض الجبل» لا ينبغي أن تُفهم بوصفها وصفاً جغرافياً فقط. فالجبل في المخيال الكردي يتجاوز الحجر والارتفاع ليصبح رمزاً للصمود والملاذ والهوية. لكن خصوصية ثورة محمود الحفيد أنها جمعت الجبل والمدينة. لم تكن حركة معزولة في المرتفعات، بل ارتبطت بالسليمانية، بالفضاء الحضري والإدارة والسياسة والصحافة والعلاقات الاجتماعية. ولهذا كانت لحظة مهمة في انتقال القضية الكردية من مقاومات متفرقة إلى محاولة صياغة مشروع سياسي أكثر وضوحاً.
ولم يكن معنى الثورة في رفض الآخر لكونه آخر، بل في رفض أن يكون مصير الإنسان مكتوباً من خارجه. وهذه هي القيمة التي تمنح التجربة بعداً إنسانياً يتجاوز حدودها القومية. فحق الشعوب في التعبير عن هويتها وفي المشاركة في تحديد مستقبلها ليس امتيازاً لشعب دون آخر. ومن هنا يمكن قراءة حركة الحفيد في سياق أوسع من التحولات التي شهدها القرن العشرون، حين بدأت الشعوب الخاضعة للإمبراطوريات تبحث عن لغة جديدة للسيادة والتمثيل والاعتراف.
لقد كان محمود الحفيد رجلاً من زمنه، ولم يكن نبياً سياسياً يعرف تفاصيل المستقبل. كانت له حساباته وطموحاته، وتحالفاته واختلافاته، ونجاحاته وأخطاؤه. لكن قيمة الرجال التاريخيين لا تكمن في العصمة؛ فالعصمة تصنع الأسطورة، أما التناقض فيصنع التاريخ. وما يمنح الحفيد مكانته هو أنه، وسط هذه التناقضات، استطاع أن يحول اسمه إلى عنوان لمرحلة أصبح فيها السؤال الكردي أكثر وضوحاً وجرأة.
ولذلك فإن تمجيد ثورته بصورة مسؤولة لا يكون بإخفاء إخفاقاتها، بل بإدراك ضخامة الفكرة قياساً إلى أدواتها. كانت إمكانات الثورة محدودة، لكن السؤال الذي طرحته كان واسعاً. كان المقاتلون أقل عدداً من قوة الإمبراطورية، لكن القضية التي حملوها لم تكن قابلة للقياس بالعدد. كانت التجربة قصيرة في عمر التاريخ، لكنها أصبحت طويلة في عمر الذاكرة.
وإذا كانت بريطانيا قد استطاعت إنهاء سلطة الحفيد في أكثر من مرحلة، فإن التاريخ منح الرجل نوعاً آخر من الانتصار: أن يبقى اسمه بعد زوال الإدارة التي حاربته، وأن تصبح الثورة التي سعت القوة العسكرية إلى إنهائها مادة للبحث والذاكرة والهوية بعد أكثر من قرن. وهذه ليست مفارقة صغيرة. إنها تذكرنا بأن المنتصر في اللحظة ليس دائماً المنتصر في الذاكرة.
إن ثورة محمود الحفيد كانت في جوهرها إعلاناً بأن الإرادة السياسية الكردية تريد أن تكون حاضرة في زمن إعادة تشكيل المنطقة. وربما لم تحصل تلك الإرادة على ما أرادته، لكن مجرد انتقالها من الصمت إلى الفعل كان تحولاً تاريخياً. فالحرية تبدأ أحياناً قبل تحققها بزمن طويل؛ تبدأ في اللحظة التي يرفض فيها الإنسان اعتبار الواقع قدراً نهائياً.
وهكذا بقي محمود الحفيد في ذاكرة كردستان لا لأن جميع معاركه انتهت بالنصر، بل لأن معركته الكبرى تجاوزت حدود الميدان. كانت معركة على حق شعب في أن يرى نفسه فاعلاً في التاريخ، لا هامشاً في تاريخ الآخرين. ومن السليمانية خرجت تلك الرسالة، وبين جبال كردستان اكتسبت قوتها الرمزية، ثم عبرت الزمن لتصبح جزءاً من ذاكرة سياسية ما زالت تستعيد الرجل والثورة كلما أعادت طرح أسئلة الكرامة والهوية والسيادة.
حين نهض الجبل لم تكن القوة متساوية، ولم تكن النتيجة مضمونة، ولم يكن الطريق واضحاً. لكن التاريخ لا يبدأ دائماً من اليقين؛ كثيراً ما يبدأ من رجل أو جماعة يملكون من الإرادة أكثر مما يملكون من القوة. وهنا تكمن قيمة محمود الحفيد: لم ينتظر أن تصبح موازين القوى عادلة لكي يطرح سؤال الحرية، بل طرحه في اللحظة التي كانت فيها الإمبراطورية أقوى منه.
ولهذا لم تعد ثورته مجرد صفحة من سنة 1919. لقد أصبحت جزءاً من سردية أطول عن شعب حاول أن يضع اسمه على خريطة السياسة، وعن مدينة تحولت إلى حاضنة للقرار، وعن شيخ تجاوز حدود الزعامة التقليدية ليصبح رمزاً سياسياً. وبين الثورة والمملكة والمنفى والعودة تشكلت صورة رجل لم يستطع أن يحقق كل ما أراده، لكنه استطاع أن يجعل ما أراده جزءاً من ذاكرة من جاءوا بعده.
لقد انتصرت الإمبراطورية في بعض المعارك، لكن الجبل احتفظ بالحكاية. وبقيت السليمانية تحفظ اسم الرجل الذي حاول، في واحدة من أكثر مراحل المنطقة اضطراباً، أن يقول إن للكرد إرادة لا ينبغي أن تُكتب بالنيابة عنهم.
وهذا هو الانتصار الذي لا تقيسه خرائط الجيوش: أن تنتهي المعركة ويبقى معناها، وأن يرحل القائد وتبقى القضية، وأن يسقط مشروع سياسي في زمنه لكنه ينهض في ذاكرة شعب. ذلك هو محمود الحفيد؛ الرجل الذي لم تكن عظمة ثورته في أنها امتلكت قوة الإمبراطورية، بل في أنها امتلكت شجاعة الوقوف أمامها.