“حين يتحول نقد المرأة إلى خطاب ضد المرأة”

ازهار محسن

ليس نقد المرأة هو المشكلة، ولا ينبغي أن تكون المرأة فوق النقد. فالمرأة، مثل الرجل، كائن بشري يخطئ ويصيب، وقد يمارس سلوكيات مؤذية أو أنانية أو متلاعبة، كما قد يفعل الرجل تمامًا.
المشكلة تبدأ حين يتحول نقد السلوك إلى إدانة للمرأة بوصفها امرأة، وحين تتكرر الصفات السلبية في خطاب موجّه إلى جنس واحد، حتى يبدو وكأن العيوب الإنسانية قد اختارت جنسًا بعينه لتسكن فيه.
قد يكون المنشور الواحد قابلًا للنقاش، وقد يكون بعض ما يطرحه صحيحًا من الناحية الاجتماعية أو النفسية. لكن الخطاب لا يُقرأ من منشور واحد فقط؛ بل من تراكم الموضوعات، والصور، والمفردات، وطريقة اختيار الأمثلة، والجهة التي تُحمَّل المسؤولية في كل مرة.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا:
لماذا تتكرر موضوعات الخيانة، والتلاعب، والنرجسية، والاستغلال، والابتزاز العاطفي، والأنوثة المدللة، والمرأة المطلقة، والمرأة الباحثة عن المال، وكأن المرأة هي الطرف الذي ينبغي أن يخضع دائمًا للمحاكمة؟
لماذا لا نجد الحضور نفسه للرجل حين يكون خائنًا، أو نرجسيًا، أو مستغلًا، أو متلاعبًا، أو باحثًا عن علاقة تقوم على المنفعة؟
قد يقول قائل: «لكن هذه الصفات موجودة فعلًا عند بعض النساء».
نعم، ولا أحد ينكر ذلك.
لكن وجود الظاهرة لا يمنحنا حق تحويلها إلى هوية جماعية.
فعندما نقول: «هناك نساء يمارسن الابتزاز العاطفي»، فنحن نصف سلوكًا يمكن مناقشته وتحليله.
أما عندما يصبح الخطاب قائمًا على إيحاء متكرر بأن المرأة بطبيعتها انتهازية، أو أنوثتها وسيلة للحصول على المال، أو أن حبها مشروط بما يدفعه الرجل، فنحن لم نعد أمام نقد لسلوك؛ بل أمام بناء صورة نمطية عن جنس كامل.
وهنا تتدخل الصورة أيضًا.
فالصورة ليست دائمًا مجرد زينة مرافقة للنص. قد تحمل معنى مستقلًا، وقد تؤكد في اللاوعي ما يحاول النص أن ينفيه في الظاهر. وعندما تُقرن النصوص التي تتحدث عن المرأة بصورة امرأة مخادعة، أو مفترسة، أو مثيرة للريبة، أو بصورة رمزية تجعل الأنوثة نفسها موضع شك، فإن الرسالة لا تعود محصورة في الكلمات.
الصورة تساهم في صناعة المعنى.
ولهذا لا يكفي أن يُكتب في مقدمة المنشور: «هذا لا يعمم على النساء»، إذا كان السياق المتكرر للمنشورات والصور والمفردات يؤدي عمليًا إلى ترسيخ التعميم.
فالتبرؤ من التعميم شيء، وبناء صورة نمطية بالتكرار شيء آخر.
والأمر نفسه ينطبق على استخدام بعض المفاهيم النفسية والفلسفية.
حين تُستدعى أسماء مثل فرويد، وأدلر، ويونغ، وبورديو، أو غيرهم، فإن ذلك يمنح الخطاب مظهرًا تحليليًا وعلميًا. لكن الاستشهاد بالمفاهيم النفسية لا يجعل الاستنتاج صحيحًا تلقائيًا، ولا يحوّل تجربة اجتماعية جزئية إلى قانون ينطبق على النساء.
فالعلم لا يقول لنا إن جنسًا كاملًا محكوم بصفة واحدة.
والنقد الحقيقي لا يحتاج إلى تحويل المرأة إلى متهم دائم كي يثبت وجود مشكلة.
بل إن من أكثر المفارقات إثارة للتأمل أن بعض الخطابات تبدأ بتنبيه القارئ إلى أنها «لا تعمم»، ثم تمضي في سرد طويل لا تكاد تظهر فيه المرأة إلا بوصفها الخائنة أو المستغلة أو النرجسية أو المادية أو الباحثة عن المال، بينما يختفي الرجل من المشهد إلا بوصفه الضحية.
وهنا يصبح علينا أن نسأل عن العدالة في توزيع النقد.
فليس المطلوب أن نصنع خطابًا مضادًا يهاجم الرجال، فهذا سيكون تكرارًا للخطأ نفسه. المطلوب هو أن نخرج من الثنائية التي تجعل أحد الجنسين متهمًا والآخر ضحية بصورة دائمة.
فالخيانة ليست أنثوية ولا ذكورية.
والنرجسية ليست أنثوية ولا ذكورية.
والابتزاز العاطفي ليس أنثويًا ولا ذكوريًا.
والاستغلال المادي لا جنس له.
كما أن الوفاء والنضج والكرم والرحمة والمسؤولية ليست صفات حكرًا على جنس دون آخر.
السلوك يُحاسَب، لا الجنس.
وقد يكون من حق أي إنسان أن يختار شريكه وفق معاييره، وأن يرفض علاقة لا تناسبه، وأن يتحدث عن تجاربه، بل وأن يحذر الآخرين من سلوك مؤذٍ مرّ به.
لكن ثمة مسافة كبيرة بين أن تقول:
«احذر من شخص يمارس هذا السلوك»،
وبين أن تقول بصورة مباشرة أو ضمنية:
«احذر من النساء».
الأولى تجربة ونقد.
والثانية تعميم.
والفرق بينهما ليس لغويًا فحسب، بل أخلاقي وفكري أيضًا.
لذلك، لا أرى أن مواجهة هذا النوع من الخطاب تكون بالصدام أو الشتائم أو التشهير، بل بطرح السؤال الهادئ الذي يكشف الخلل:
هل نحن أمام نقد حقيقي لبعض السلوكيات، أم أمام خطاب انتقائي يجعل المرأة دائمًا موضوع الاتهام؟
فقد يكون كل منشور منفرد قابلًا للتبرير، لكن تراكم الاختيارات قد يكشف نمطًا خطابيًا يستدعي المراجعة.
وهنا لا تعود القضية قضية منشور واحد، ولا قضية صاحبة صفحة بعينها، بل قضية أوسع تتعلق بالطريقة التي نصنع بها صورتنا عن الآخر.
لأن الخطاب حين يكرر الصورة نفسها عشرات المرات، فإنه لا يكتفي بوصف الواقع؛ بل يبدأ بالمساهمة في تشكيله.
المشكلة ليست في أن تُنتقد المرأة، بل في أن يصبح نقد المرأة هو العدسة الوحيدة التي نرى بها العلاقة الإنسانية.
وحين تتكرر الصفات المشينة في خطاب موجّه إلى جنس واحد، حتى وإن كان كل منشور منفردًا قابلًا للتفسير، فإن السؤال لم يعد فقط:
هل ما قيل عن هذه المرأة صحيح؟
بل يصبح السؤال الأعمق:
لماذا اختيرت المرأة دائمًا لتكون موضوع الحكاية؟
فالعدل لا يعني أن نصمت عن أخطاء المرأة، كما لا يعني أن نصمت عن أخطاء الرجل.
العدل أن نضع السلوك أمام المعيار نفسه، أيًّا كان صاحبه.
وعندها فقط يتحول النقد من أداة لإدانة جنس إلى وسيلة لفهم الإنسان.

قد يعجبك ايضا